عصام محمد عبد القادر

تعزيز الوجدان العربي وفي القلب منه المملكة العربية السعودية

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 05:06 ص


تحمل رسائل السياسة المصرية المرسلة إلى دول الخليج العربي، وفي القلب منها المملكة العربية السعودية، مضامين تتخطى حدود الشعارات الوقتية أو الإشعارات الشكلية التي تبتغي استمالة القلوب؛ فهي تعكس ثوابت وطنية أصيلة تؤكد أن النسيج العربي يأبى التمزيق ولا يعتريه التبديل مهما تغيرت الأحوال وتعاقبت الظروف وتوالت التحديات والتهديدات، وتكشف هذه التوجهات النبيلة عن محبة غائرة في النفوس وعقيدة أخوية ملامحها التكاتف والترابط وقوة المنعة تجاه أي تهديد قد يتعرض له أي قطر شقيق؛ فتنتظم الروابط الثنائية في إطار من الوفاء المتبادل الذي يرعى كرامة الأمة ويحفظ بنيانها، ويجعل من التلاحم سياجًا منيعًا يصد الأطماع الخارجية ويحمي المقدرات ويصون الغايات السامية للشعوب التواقة إلى تحقيق الاستقرار والوئام والسلام في أرجاء أوطانها.

ويرسم التاريخ التليد لوحة معبرة تصف بدقة سمات الانسجام الفريد بين الشعوب وقادتها عبر ملاحم خالدة أثبتت أن العروبة ليست كلمة تقال أو تردد باللسان؛ لكنها حقيقة تسري في الدماء وتصادق عليها المواقف الشجاعة وتترجمها أفعال ملموسة على أرض الواقع، ولذلك يبرز دور الذاكرة الوطنية الحية التي تستنطق الألسن الشاهدة بالفضل والعرفان، وتبرهن بوضوح على أن الأصالة الحقة تظهر وقت المحن والشدائد، وتظل أبواب القاهرة مشرعة للترحيب بكل الأشقاء باعتبارها الحضن الدافء للجميع؛ فتجمع الشمل وتوحد الصف وتحتضن آمال الأقطار المجاورة نحو غد مزدهر ومشرق يعلي من شأن ماهية الإخاء، ويبقي راية المودة مرفوعة فوق ربوع البلدان الممتدة من المحيط إلى الخليج تعبيرًا عن سمو المقصد ونبل الغايات.

ويتجاوز المفهوم الشامل للأمن العربي نطاق المكتسبات المادية الضيقة ليشمل في طياته معاني الطمأنينة والسكينة النفسية التي تترجمها وقاية مستحقة من الجار لجاره عندما تلوح النذر والمخاطر في سماء منطقة باتت تحدياتها متفاقمة يومًا تلو الآخر؛ فالاطمئنان الحقيقي يعتمد على يقين كل بلد بأن ظهيره المساند حاضر ومستعد للذود عن حياضه والدفاع عن سيادته ومكانته، وتلك القاعدة تبرهن للعالم قاطبة يقظة الدولة المصرية وحرصها المتواصل على تثبيت دعائم السلم الإقليمي وتغليب منطق التآزر الجماعي، بما يكفل تحييد الأزمات المتلاحقة وتجنيب الأوطان الشقيقة ويلات النزاعات المسلحة التي تستنزف الموارد والطاقات، وتعرقل مسارات النهضة الشاملة والتقدم البشري والعمراني المنشود الذي يمضي نحو الإعمار قدمًا.

وتسهم أحاديث الطمأنينة التي يبعث بها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الأشقاء في دول الخليج، وفي القلب منها المملكة السعودية، إسهامًا بارزًا في بناء الوجدان العربي المعاصر؛ لأن تلك الكلمات الواضحة تتعدى أطر المجاملات الدبلوماسية المألوفة لترسي فلسفة سياسية ثابتة تدرك وحدة المصير وتلازم المسار، وحين يتحدث القائد المصري عن أمن المنظومة الخليجية واستقرارها بلهجة الواثق والمحب والحريص؛ فإنه يخاطب الضمير الجمعي للأمم التي خبرت معنى التضامن في أوقات الصعاب والكروب؛ فتستقر هذه المعاني الرفيعة في الأذهان بوصفها عهدًا متجددًا يحرس الوشائج التاريخية ويذود عن مقدرات الأوطان أمام عواصف الإقليم وتقلباته، ويبث روح الثقة والأمل في قلوب المواطنين كافة على امتداد الرقعة الجغرافية العربية وغير العربية.

وتستند هذه الروح الوحدوية إلى شواهد ميدانية وخطوات عملية رسخت في الذهنية العربية معادلة ذهبية مفادها ارتباط الأمن المصري بنظيره الخليجي ارتباطًا عضويًا؛ فمبدأ مسافة السكة الذي أطلقه الرئيس السيسي تحول في الميدان إلى منظومة ردع مشتركة وتنسيق عسكري رفيع المستوى، وهو ما تبرزه المناورات والتدريبات الاستراتيجية المتتابعة؛ فضلًا عن الاصطفاف البحري الفاعل لتأمين الممرات الملاحية في مياه القلزم ومضيق باب المندب؛ صونًا لشرايين التجارة وإمدادات الطاقة العالمية، إلى جانب التحركات الحاسمة والفورية في مؤازرة الرياض وعواصم الخليج ضد أي اعتداءات أو تهديدات عابرة للحدود أو مساع يائسة للنيل من منشآتها الحيوية ومصالحها في المنطقة برمتها.

وتنهض الدبلوماسية الرئاسية بدور محوري في تحصين الجبهة الداخلية وتوطيد اليقين المتبادل بين القيادات والشعوب؛ فطالما حرص الرئيس السيسي في مناسبات عديدة على التصدي بحسم لأي مخططات مغرضة تستهدف تعكير صفو العلاقات الأخوية عبر المنصات الإلكترونية أو الأبواق الإعلامية المأجورة، مرسيًا بذلك علو الأواصر التي تجمع القاهرة بالرياض وشقيقاتها فوق كل الاختلافات الطارئة، كما أسهمت اللقاءات الودية المتواصلة والتشاور المستمر مع أخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في كسر القوالب البروتوكولية التقليدية، ومهدت الطريق لمأسسة هذا التقارب عبر مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، الذي نقل العمل الثنائي إلى ميادين التخطيط الشامل فتحًا لمسارات التشارك البناء.

ويزداد الشعور الوحدوي رسوخًا حين يلمس المواطن في معيشته اليومية ثمار هذا التآخي السياسي في هيئة مشروعات تنموية عملاقة تصل الحاضر بالمستقبل؛ فيعد خط الربط الكهربائي بين مصر والسعودية بقدرة ثلاثة آلاف ميجاوات نموذجًا فريدًا لتكامل البنية التحتية وتأمين الكهرباء بين الجناحين الكبيرين، بالتوازي مع نمو الاستثمارات الخليجية الضخمة في السوق المحلية وتطوير المدن العمرانية والسياحية الرائدة مثل رأس الحكمة، وتكامل الموانئ والخطوط اللوجستية على ضفتي البحر الأحمر مع برامج رؤية المملكة 2030 ومدينة نيوم، وهو مسار ناجح يرسخ قناعة يقينية بأن الرخاء الاقتصادي صناعة تشاركية تعود بالنفع والخير والرفاهية على مجتمعات الإقليم قاطبة وتصنع واقعًا تنمويًا مزدهرًا يخدم تطلعات الأبناء نحو الغد المأمول.

وتكتمل قسمات هذه الصورة الأصيلة عبر الامتداد الشعبي والمعرفي والروحي الذي يغذي مشاعر الألفة والمودة بين الشعبين المصري والسعودي وسائر شعوب الخليج؛ فالحضور الثقافي والفني المتبادل في المهرجانات الكبرى، والرعاية الكريمة التي تحظى بها الجالية المصرية في أرجاء المملكة، والترحيب الحافل بالأشقاء الخليجيين في بلدهم الثاني مصر، إلى جانب التناغم الفكري بين المؤسسات الدينية العريقة في البلدين لنشر قيم الوسطية والاعتدال، كلها دلائل ناطقة تثبت أن التلاقي الرسمي يستمد حيويته من نبض الشارع، ويشكل درعًا حصينًا يحفظ للمجتمعات تماسكها القيمي والأخلاقي، ويحمي الهوية الحضارية الجامعة من نزعات الاستقطاب المذهبي أو التغريب المجتمعي، ليبقى الترابط الإنساني عنوانًا مشرقًا لوحدة الروح والمشاعر عبر الحقب والعصور المتعاقبة في ربوع الأوطان.

وتتوج هذه المسيرة بتطابق القول مع الفعل في أبهى مظاهره، لتثبت الرسائل الرئاسية قوتها ومصداقيتها النابعة من إرادة سياسية وشراكة تاريخية لا تزيدها الأيام إلا شموخًا وتألقًا؛ فالتعاضد المصري الخليجي، وفي صدارته التحالف الوثيق مع المملكة العربية السعودية، يبقى صمام أمان للأمة وحصنًا شامخًا يحفظ كيانها ويحرس وجدانها، وبهذا النهج المتكامل الذي يمزج بين التشاور السياسي والتكافل الدفاعي والتكامل التنموي والتقارب الحضاري، تمضي العواصم الشقيقة بخطى واثقة وعزيمة لا تلين نحو صياغة مستقبل زاهر يلبي طموحات النشء القادم في البناء والارتقاء، ويحقق للمنطقة بأسرها ما تصبو إليه من منعة وعزة ورخاء تحت مظلة التعاون الأخوي المثمر والعمل القومي الموحد الذي يجمع الشمل ويوحد الكلمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة