هل يستطيع أب يجهل أسس التربية الصحيحة أن ينشئ جيلًا سليمًا واعيًا؟
دائمًا ما نسمع تلك الكلمات التي تتكرر على ألسنة الآباء؛ فجيلهم، في نظرهم، كان يحمل على عاتقه منهجًا تربويًّا وأخلاقيًّا رفيعًا، وكان الماضي يحمل كل الخير لأبنائه، بينما تفتقد الأجيال الجديدة التربية السليمة والأخلاق القويمة. وكل جيل يلعن الجيل الذي يأتي بعده، وكأن العيوب التي يراها فيه لا صلة لها بما ورثه من أفكار وأساليب تربوية.
ولو تأملنا الأمر قليلًا، لوجدنا أن الصورة قد تكون معكوسة في كثير من جوانبها؛ فقد كان الجهل يعم جوانب واسعة من حياة الأجيال الماضية، وكانت بعض الأخلاق والممارسات تقوم على معانٍ تناقض القيم الإنسانية. وهكذا يصبح التناحر بين الأجيال قائمًا على أفكار موروثة وأحكام جاهزة، لا على فكر وروية وإدراك لطبيعة الإنسان، ومعرفة بكيفية التعامل معه طفلًا وشابًّا ورجلًا.
فالأسرة لا تعي دائمًا مقاصد التربية الحقة ولا الأسس التي تقوم عليها تنشئة جيل واعٍ قادر على تحمل المسؤولية، وإنما هي أنماط موروثة وأساليب تتكرر، قلما تتغير، ولا تستند بالضرورة إلى معرفة أو هدف واضح. وكثيرًا ما يفتقد الآباء والأمهات المعرفة بالمهام التي تتطلبها تربية الأبناء، فيمارسون أساليب خاطئة دون إدراك لآثارها، لا عن رغبة في الإضرار بأبنائهم، بل لجهلهم بالوسائل الصحيحة التي تسهم في بناء الإنسان.
وليس أحب إلى الإنسان من أبنائه، فهو يريد لهم الخلق القويم والتربية الحسنة والتفوق والنجاح في حياتهم، غير أن هذه الرغبات لا تتحقق بالأمنيات وحدها، وإنما تحتاج إلى معرفة وتثقيف ودراية بأسس التربية ووسائلها. وقد يخلص الأب في محبته لابنه، لكنه يخطئ في التعامل معه، فيأتي سلوكه بنتائج تناقض ما يرجوه.
وتستفحل الأخطاء حتى نجد آباء يلعنون الأجيال الحاضرة، وكأن أبناءهم لم يكونوا ثمرة تربيتهم وأفكارهم، ويسبون الزمن الذي أفسد أبناءهم، متناسين دورهم في تكوين شخصياتهم. ثم يتكرر الأمر مع كل جيل، حتى يصبح الأبناء، حين يصيرون آباء، نسخًا من آبائهم، يعيدون إنتاج الأساليب والطبائع نفسها دون أن يتعلموا من أخطائهم أو يدركوا اختلاف الزمن والبيئة والظروف ووسائل المعرفة.
وليس معنى ذلك أن نتخلى عن كل ما ورثناه عن السابقين؛ فهناك قيم أخلاقية لا خلاف على ضرورة الحفاظ عليها وغرسها في نفوس الأبناء، لكن هذه القيم تحتاج إلى وسائل حديثة في تعليمها وترسيخها، تتناسب مع طبيعة الجيل الجديد واحتياجاته. فما تقبله الآباء في طفولتهم ليس بالضرورة أن يتقبله الأبناء بالطريقة نفسها، ولا يعني اختلاف الوسائل التخلي عن القيم.
فإذا أردنا صناعة جيل واعٍ، فلا بد أن يصدر الوعي عن نفوس واعية؛ إذ لا يمكننا الاعتماد على الجهل لصناعة الوعي. وكيف يعلّم الإنسان غيره ما يجهله، أو يرشده إلى ما لا يعرف طريقه؟
لذلك، نحن بحاجة إلى آباء وأمهات يمتلكون قدرًا من الوعي بأسس التربية الصحيحة، وربما كان من الضروري إنشاء مراكز تدريب تساعدهم على اكتساب المعرفة اللازمة لتنشئة أبنائهم، وتعرّفهم بطرق التعامل السليم معهم. كما يمكن إنشاء قنوات وبرامج متخصصة في تثقيف الكبار، وتوعيتهم بمسؤولياتهم التربوية، حتى تصبح المعرفة ضرورة لا تقل أهمية عن الرغبة في الإنجاب.
إن صناعة الجيل الذي نرتضيه لا تقع مسؤوليتها على الأبناء وحدهم، بل تبدأ بمن يتولون تربيتهم، وتمتد إلى المجتمع بمؤسساته المختلفة. فإذا أردنا جيلًا قادرًا على تحمل أعباء التنمية والتطور، فعلينا أن نبدأ بإعداد من يصنعون وعيه، حتى نضع أقدامنا على الطريق الصحيح، ونمنح الأجيال الجديدة فرصة أن تتقدم على سابقيها بدلًا من أن تكرر أخطاءهم.