تتساءل الروائية التركية إليف شافاق عن جدوى الكتابة في عالم تمزقه الحروب والانقسامات وأزمات المناخ والقلق من التكنولوجيا، في سؤال تحول إلى نقطة انطلاق لروايتها الأحدث "In One Brief Moment All Eternity"، التي تستعيد فيها حياة الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، صاحب رواية "مدام بوفاري"، وتعيد تخيلها عبر أصوات نسائية وشخصيات متعددة.
وفي حوار مع صحيفة الجارديان البريطانية، كشفت شافاق أن الرواية ولدت من أزمة شخصية عاشتها مع الاكتئاب والقلق، بالتوازي مع شعورها بثقل عالم تحكمه الحروب والعنف والاضطرابات.
وتقول إنها وجدت نفسها تتساءل عن قيمة الانعزال في غرفة صغيرة بحثًا عن الكلمة المثالية، بينما يشهد العالم كل هذه الأزمات، وهو ما دفعها إلى تأمل العلاقة بين الإبداع والأزمنة المضطربة.
وتعود الكاتبة، البالغة من العمر 54 عامًا، إلى القرن التاسع عشر، مستلهمة حياة فلوبير الذي أمضى سنوات طويلة في العمل الأدبي بعيدًا عن التقدير، رغم أنه أصبح لاحقًا أحد أبرز الأسماء المؤسسة للرواية الحديثة، وتلفتها في سيرته تجربة الوحدة وسوء الفهم والشعور بأنه شخص مختلف، وهي مشاعر تقول إنها عرفتها في حياتها أيضًا.
إليف شافاق تعيد رواية حياة فلوبير بأصوات نسائية
لا تكتفي شافاق بتقديم سيرة تقليدية للكاتب الفرنسي، بل تعيد بناء عالمه من خلال شخصيات نسائية ارتبطت بحياته، من مربيته جولي، ووالدته، وعشيقته لويز كوليه، إلى صديقته المقربة جورج صاند، إلى جانب شخصيات متخيلة وأخرى مستمدة من عالمه الأدبي.
وتضم الرواية أيضًا إيما بوفاري، بطلة روايته الشهيرة "مدام بوفاري"، والراقصة المصرية كوخوك هانم، التي افتتن بها فلوبير خلال رحلته إلى الشرق الأوسط، وورد ذكرها في سيرته. وتقول شافاق إنها أرادت استعادة حضور هذه المرأة، متخيلة احتمال أن تكون قد ألهمت الشخصية النسائية الفرنسية الشهيرة، من دون تقديم ذلك باعتباره حقيقة تاريخية مثبتة.
ومن خلال هذا البناء، تسعى الكاتبة إلى الجمع بين تقاليد الرواية الأوروبية وفن الحكي الشفهي في الشرق الأوسط، في سرد تتعدد فيه الأصوات وتتداخل الحكايات، بما يعكس رؤيتها إلى الإنسان بوصفه جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات والتأثيرات المتبادلة مع الآخرين والطبيعة.
وتجد شافاق أوجه تشابه بين تجربتها وتجربة فلوبير، تبدأ من الطفولة والشعور بالاغتراب، فقد ولدت في ستراسبورج بفرنسا عام 1971، قبل أن تعود مع والدتها إلى أنقرة عقب انفصال والديها. وعاشت لاحقًا في مدن وبلدان مختلفة، من بينها مدريد والأردن وألمانيا، وتقول إن الكتب كانت رفيقتها خلال سنوات شعرت فيها بالوحدة.
من محاكمة "مدام بوفاري" إلى ملاحقة روايات شافاق
يمتد التشابه بين الكاتبين إلى ما تعرضت له أعمالهما من ملاحقات قانونية. فقد واجه فلوبير اتهامات تتعلق بالفحش عام 1857 بسبب روايته "مدام بوفاري"، بينما حوكمت شافاق في تركيا عام 2006 على خلفية روايتها "لقيطة إسطنبول"، بسبب اتهامها بـ"إهانة الهوية التركية"، على خلفية تناولها الإبادة الجماعية للأرمن. وانتهت القضية بتبرئتها، لكنها تقول إنها اضطرت إلى العيش تحت الحراسة لمدة عام ونصف العام، بعدما تعرضت لحملات عدائية وتهديدات.
وفي عام 2019، خضعت روايتها "10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب"، إلى جانب عملين آخرين لها، لتحقيقات من السلطات التركية بتهم تتعلق بالفحش. كما تأثرت حياتها الشخصية بالمناخ السياسي في بلادها، بعدما أُدرج اسم زوجها، الصحفي التركي أيوب جان، على قائمة المطلوبين في إطار حملة الرئيس رجب طيب أردوغان على المثقفين عقب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
وتقول شافاق إنها لم تعد إلى تركيا منذ 11 عامًا، وإنها ربما تعيش في منفى اختارته بنفسها، مؤكدة أن الكاتب يحتاج إلى حرية الخيال وحرية التعبير. وقد وجدت في اللغة الإنجليزية ثم في بريطانيا موطنًا جديدًا، بعد حياة اتسمت بالتنقل بين البلدان والثقافات.
ورغم ذلك، تؤكد أن كتبها لا تزال تحظى بمحبة القراء في تركيا، حيث تنتقل الروايات من شخص إلى آخر داخل العائلات والمجتمعات، في علاقة ترى أنها تمنح الأدب قدرة على تجاوز القيود السياسية.