من أهم مسئوليات القيادة أن تهيئ من يتحملون المسئولية بعدهم، وأن تجعل ما تراكم من خبرة ومعرفة وقدرة متاحًا لاستكمال العمل.
ومن هذا المنظور أقرأ ما طرحه فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي بشأن إعداد كوادر للمسئوليات العليا في الدولة توجهًا يستبق احتياجات المستقبل، ويضع تأهيل الإنسان في صميم حماية ما أُنجز: فاستمرار تقدم الدولة يحتاج إلى قيادات مستعدة، تعرف مؤسساتها، وتفهم مواردها وتحدياتها، وتمتلك القدرة على تطوير أدائها.
مقترح إعداد قيادة الدولة
في السابع عشر من أكتوبر 2026، خلال حفل تخرج الأكاديمية والكليات العسكرية، طرح فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي مقترحًا لإعداد كوادر من حملة الدكتوراه عبر برنامج مدته ثلاثون شهرًا بالأكاديمية العسكرية، لتأهيلهم لتحمل مسئوليات قيادة الدولة، بما فيها رئاسة الجمهورية، مع وضع إطار للاختيار والتأهيل بمشاركة جهات وخبرات مختصة.
وتبقى تفاصيل هذا المقترح وتنظيمه مرهونة باستكمال إطاره المؤسسي والتشريعي.
أما الدلالة الأهم لهذا المقترح، فهي أن يبدأ إعداد القيادات قبل تولّيها المسئولية بوقت كافٍ للتعلم والتدريب والممارسة والتقييم؛ فتتوافر للدولة كوادر جاهزة حين تحتاج إليها.
وهذا يجسد المعنى العملي لاستباق التغيير: أن نبني اليوم القدرة التي سيحتاج إليها الوطن غدًا، وأن نسبق احتياجات المستقبل بالتأهيل والاستعداد.
ومن منظور «استراتيجية استباق التغيير» التي أتبناها، أقرأ هذا التوجه بوصفه استثمارًا في استمرارية كفاءة الدولة؛ فكما نستعد للمخاطر قبل تفاقمها، نُعِدّ من يتحملون المسئولية قبل انتقالها إليهم، وننقل الخبرة بما يضمن تراكم المعرفة وتطوير الأداء، فالاستباق يبدأ بإنسان مؤهل، وإجراءات واضحة، ومؤسسات قادرة على التعلم والتجدد، وتأتي الأدوات التقنية لتدعم هذا البناء وتزيد فاعليته.
إعداد الصف الثاني والمسئولية
وفي تقديري فإن اتساع الحديث إلى أعلى منصب في الدولة يمنح إعداد الصف الثاني دلالة تتجاوز كل مؤسسة بمفردها. فرأس الدولة يطرح مسئولية تجهيز كوادر للمستقبل، وهذا يضع أمام كل قيادة تنفيذية سؤالًا عمليًا: من الذين نعدهم لاستكمال العمل؟ وكيف ننقل إليهم الخبرة؟ وبأي معايير نتحقق من جاهزيتهم؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تصبح جزءًا من واجب الإدارة اليومية ومن تقييم كفاءة المسئول نفسه.
امتداد برامج التأهيل الرئاسي
ولفهم امتداد هذا التوجه، نستعيد معا بدايات البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة. فبحسب الأكاديمية الوطنية للتدريب، أُعلنت المبادرة في سبتمبر 2015 بهدف بناء قاعدة من الكفاءات الشبابية المؤهلة للعمل السياسي والإداري والمجتمعي، وتنمية قدرتها على تطبيق أساليب الإدارة والتخطيط الحديثة. وتذكر الأكاديمية بين خريجي البرنامج أسماء منها محمد هانئ وجاكلين عازر.
وهذا يقدم سندًا لقراءة إعداد القيادات بوصفه مسارًا بدأ بتوجيهات رئاسية قبل التصريحات الأخيرة بسنوات.
مسارات التأهيل للقيادات الرقمية والجهاز الإداري
ثم تتسع مسارات التأهيل عبر البرامج الموجهة للتنفيذيين والقيادات الرقمية وغيرها من الفئات. وتوضح وزارة الاتصالات أن المبادرة الوطنية لتأهيل قادة مصر الرقمية، المنفذة بالتعاون مع الأكاديمية الوطنية للتدريب، تستهدف تمكين قيادات الجهاز الإداري من قيادة التحول الرقمي وتحسين إدارة المؤسسات واتخاذ القرار.
وفي هذه الصلة تظهر أهمية الجمع بين فهم الدولة والقدرة على تطوير أدوات عملها؛ فالمعرفة المؤسسية تمنح التقنية وجهتها، والثقافة الرقمية تساعد القيادة على الاستفادة منها.
وقد عشت مع زملائي جانبًا من هذا المسار في تجربة القادة الرقميين. وأرى أن الوفاء لقيمة هذه التجربة يقتضي أن تتاح للمؤهلين فرص تطبيق ما تعلموه داخل مواقعهم، وأن تتحول المعرفة إلى تحسين في الإجراء والخدمة والقرار.
فالتأهيل يكتمل حين ترتبط به مسئولية عملية يمكن تقييم نتائجها، وحين تجد المؤسسة سبيلًا للاستفادة من كوادرها، ومتابعة تطور قدرتهم على العطاء.
دور الأكاديمية العسكرية ومفاهيم الأمن القومي
وتكتسب الأكاديمية العسكرية موقعها في هذا السياق من الدور المعلن لها في التأهيل وفهم أبعاد الأمن القومي. ففي اجتماع القيادة الاستراتيجية يوم التاسع والعشرين من سبتمبر، أوضح فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي أن الدورات المقدمة للعاملين الجدد بالوزارات تستهدف تعريفهم بأبعاد الأمن القومي المصري قبل التحاقهم بالعمل.
كما ربط جودة التعليم بقدرة الأجيال على التعامل مع التطورات التكنولوجية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي مع التحسب لمخاطره. وهنا يلتقي الوعي الوطني والاستعداد المهني في إعداد من يعملون داخل مؤسسات الدولة.
المسئولية وتأثير القرار الإداري
فالمسئول عن المرفق أو الموازنة أو البيانات يحتاج إلى إدراك أثر قراره في حياة الناس وفي أعمال الجهات الأخرى. وقد يؤدي إجراء محدود في ظاهره إلى تعطيل خدمة، أو زيادة تكلفة، أو كشف معلومات، أو تحميل مؤسسة أخرى عبئًا غير محسوب.
ومن ثم فإن فهم الأمن القومي يمنح التأهيل اتساعًا ضروريًا، يصل التخصص بالمسؤولية العامة، ويربط كفاءة التنفيذ بحماية الموارد والثقة واستمرار الخدمات.
حفل أكاديمية الشرطة وإعداد الصف الثاني
ويأتي حديث فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي على هامش احتفال أكاديمية الشرطة في الخامس عشر من أكتوبر ليضيف معيارًا حاسمًا لهذا البناء. فقد شدد على جدارة التعليم وجودته وإعداد كوادر مؤهلة ذات كفاءة دون مجاملة، وعلى قوة المؤسسات وإبداعها، والاعتراف بالقصور والعمل على معالجته. وأقرأ هذه الرسائل باعتبارها أساسًا لإعداد الصف الثاني: أن تكون الجدارة قابلة للإثبات، وأن يتعلم المرشح للمسؤولية كيف يراجع الأداء ويصحح المسار، ويواجه المشكلة بقدرته على حلها.
معايير اختيار الصف الثاني وتكليف القيادات
فالصف الثاني يحتاج إلى معايير اختيار معلنة وعادلة، وإلى فرص لاكتشاف الكفاءات في مختلف المواقع. وتُبنى جاهزيته عبر التكليف بمهام حقيقية، والتفويض المنضبط، والعمل إلى جوار أصحاب الخبرة، والتدرج في تحمل المسؤولية. ويجب أن يُختبر المرشح في فهمه للمشكلة، وقدرته على التعاون، وحسن استخدامه للموارد، واستجابته للمواطنين، ونزاهته في التعامل مع المعلومات والسلطة. وبهذه الممارسة تتحول فكرة الإعداد إلى قدرة مؤسسية على الاستمرار.
خطة إعداد قيادات المستقبل بالوزارات
ومن هذا المنطلق، يجب على كل وزارة وهيئة ومحافظة خطة لإعداد قياداتها المقبلة: تبدأ الخطة بتحديد الوظائف الحرجة والمهارات المطلوبة لها، ثم تقييم الكفاءات المتاحة والفجوات التي تحتاج إلى معالجة، وتصميم مسارات تدريب وممارسة مناسبة. ويكون لكل مسار مشرف ينقل الخبرة، ومهمة تطبيقية، ومراجعة دورية للنتائج. وتتجدد الخطة مع تغير احتياجات المؤسسة، حتى تتكون قاعدة أوسع من القادرين على تحمل المسئولية.
نقل المعرفة وواجبات القيادة
وهنا يصبح نقل المعرفة واجبًا من واجبات القيادة. فالخبرة المتراكمة في إدارة أزمة، أو تشغيل مشروع، أو التفاوض على تعاقد، ينبغي توثيقها وحفظ أسباب القرارات ونتائجها، وإتاحتها لمن يحتاج إليها وفق الصلاحيات.
وتساعد الرقمنة في بناء هذه الذاكرة المؤسسية، بينما يظل الحوار والتوجيه والعمل المشترك ضروريًا لفهم السياق الذي لا تنقله الوثائق وحدها. وبهذا تتكامل الأجيال، وتصبح خبرة الأقدمين أساسًا يطور عليه الشباب.
تعظيم منفعة الأصول الرقمية وبناء القدارت
وتتصل هذه المسئولية مباشرة بما أنشأته مصر من مشروعات وبنية أساسية وقدرات رقمية. فتعظيم منفعة هذه الأصول يحتاج إلى قيادات تفهم التشغيل والصيانة والتمويل وجودة الخدمة، وتستطيع قراءة البيانات وتوقع الاحتياجات.
وقد سبق أن وجّه فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي، في اجتماع الحكومة في الثالث والعشرين من مارس 2023، بأن يصاحب انتقالها إلى العاصمة الإدارية تطوير حقيقي للجهاز الإداري وتأهيل للعاملين وتحول نحو الحكومة الذكية. وهو امتداد يؤكد الصلة بين بناء بيئة العمل وبناء من يديرونها.
الصف الثاني في المرحلة المقبلة
ولذلك فإن الصف الثاني الذي تحتاج إليه المرحلة المقبلة ينبغي أن يجمع الخبرة التنفيذية والنضج الرقمي. فيتعلم كيف يتحقق من جودة البيانات، ويستخدم التحليل في تقييم البدائل، ويفهم حدود الذكاء الاصطناعي، ويحمي المعلومات، ويشرح أسباب القرار ويتحمل مسئوليته.
وتساعده أدوات المحاكاة والتنبؤ على رؤية أوسع، فيما تبقى سلامة الحكم مرتبطة بفهم الإنسان والسياق والموارد والآثار المتوقعة.
نماذج التطبيق الميداني وإدارة الازمات
وفي إطار استراتيجية استباق التغيير، يمكن تحويل مشكلات العمل نفسها إلى ميدان لإعداد القيادات: فريق يدرس أسباب تعطل مرفق ويختبر تحسين الصيانة، وآخر يعالج تأخر خدمة محلية، وثالث يطور تدخلًا مبكرًا لمساندة الطلاب المتعثرين. وفي كل حالة تُحدد المشكلة، ويُقاس الوضع القائم، وتُجرب الاستجابة، ثم تُراجع النتائج.
وهكذا يجتمع تأهيل الكادر مع تحسين المؤسسة، ويصبح التعلم جزءًا من الإنتاج والخدمة.
التعليم والمحليات في بناء القيادات
وتتأكد الحاجة إلى هذا الإعداد في التعليم والمحليات؛ حيث تتشكل خبرة المواطن اليومية مع الدولة. فنحن نحتاج إلى قيادات تعليمية تستطيع توجيه التقنية لتحسين التعلم، وإلى قيادات محلية تفهم احتياجات المناطق وتقرأ الموازنة ومؤشرات الخدمة، وإلى شباب مؤهل للمشاركة العامة وتحمل أمانتها. ويتسع الدور هنا للجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، عبر التدريب والمشروعات المشتركة ونقل الخبرة، وفق معايير واضحة للمسؤولية وتقييم الأثر.
قياس نجاح إعداد الصف الثاني
أما قياس نجاح إعداد الصف الثاني فيبدأ بما يضيفه إلى العمل: مدى استعداد المؤسسة لاستمرار وظائفها، وقدرتها على حفظ المعرفة، وعدالة فرص التقدم فيها، وتحسن القرارات والخدمات التي يقدمها من جرى تأهيلهم. وتتيح هذه المتابعة تصحيح برامج التدريب وتطوير معايير الاختيار. كما تمنح القيادات الشابة فرصة للتعلم من نتائج أعمالها، وتربط التمكين بالمساءلة والثقة بالإنجاز.
استراتيجية استباق التغيير
لهذا أرى في طرح فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي بشأن إعداد قيادات المستقبل رسالة تستحق أن تتحول إلى ممارسة ممتدة في مؤسساتنا. فرأس الدولة يضع قضية الجاهزية للمسؤولية في دائرة الاهتمام المبكر، وعلى القيادات في مختلف المواقع أن تبني على هذا المعنى: تكتشف الكفاءات، وتنقل المعرفة، وتفتح مجال الممارسة، وتصل التأهيل باحتياجات المرحلة المقبلة.
وهذه هي القراءة التي أتبناها ضمن» استراتيجية استباق التغيير بالدولة المصرية:« إعداد الإنسان الذي يستطيع صون ما تحقق وتطويره.
إن أمانة القيادة تمتد إلى القدرة التي تتركها في المؤسسة، وإلى من تهيئهم لاستكمال العمل بكفاءة ووعي. وحين يصبح إعداد الصف الثاني مسؤولية أصيلة في الوزارة والهيئة والمحافظة والجامعة والمشروع، نكون قد منحنا البناء الوطني سندًا للاستمرار والتجدد. ومن هنا تتضح قيمة الاستباق : أن نمنح الإنسان وقتًا ليتأهل، والمؤسسة قدرة على التعلم، والوطن قاعدة أوسع من الكفاءات التي تحمل مسؤوليته وتبني مستقبله.