تستغل منصات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، الأحداث اليومية والقضايا التي تشغل الرأي العام لتقديم روايات إعلامية تقوم على التضخيم وإثارة الجدل، في إطار خطاب يعتمد على التركيز على المشكلات وتوظيفها في التشكيك المستمر بمؤسسات الدولة. ولا يتوقف هذا الخطاب عند تناول الوقائع أو مناقشة أسبابها، بل يمتد في بعض الحالات إلى تقديم استنتاجات غير موثقة، والربط بين أحداث منفصلة، وتحويل المشكلات المحدودة إلى مؤشرات على أزمات عامة.
وتبرز خطورة هذه الممارسات في قدرتها على استغلال اهتمام المواطنين بالقضايا المرتبطة بحياتهم اليومية، حيث تصبح الأحداث الخدمية والاقتصادية والاجتماعية مادة قابلة لإعادة الصياغة والتوظيف الإعلامي، خصوصا عندما تتوافر معلومات جزئية أو تتأخر التفاصيل الكاملة بشأن واقعة معينة.
ويكشف تحليل أساليب التضليل الرقمي أن صناعة البلبلة لا تتطلب دائما اختلاق أحداث من العدم، وإنما يمكن أن تعتمد على واقعة حقيقية يجري انتزاعها من سياقها، ثم إحاطتها بتفسيرات ومبالغات تغير معناها الأصلي، وهو الأسلوب الذي يمكن رصده عند تقييم المحتوى المضلل المنشور عبر المنصات المعادية.
اصطياد الأزمات.. تحويل الوقائع المحدودة إلى مشكلات عامة
تعتمد إحدى آليات التضليل على اختيار الوقائع التي تثير اهتمام المواطنين، ثم تقديمها باعتبارها دليلا على وجود أزمة واسعة، دون الاستناد إلى معلومات تثبت أن المشكلة تتجاوز نطاقها الحقيقي.
وتبدأ عملية التضخيم بمنشور يتناول واقعة محددة، قبل أن تتحول إلى سلسلة من العناوين والتعليقات التي تربط الحدث بأوضاع عامة لا توجد أدلة كافية على ارتباطها به.
وتستفيد منصات الإخوان الإرهابية من الطبيعة الحساسة لبعض القضايا، خصوصا تلك المرتبطة بالخدمات والاحتياجات الأساسية، لأن الجمهور يكون أكثر استعدادا لمتابعة الأخبار التي قد تؤثر على حياته بصورة مباشرة.
وتظهر المشكلة عندما يتحول الاهتمام المشروع بهذه القضايا إلى وسيلة لتقديم استنتاجات مسبقة، أو عندما يجري تجاهل المعلومات التي توضح حقيقة الواقعة وحجمها والإجراءات المتخذة بشأنها.
ولا يعني ذلك أن المشكلات اليومية لا تستحق التغطية أو النقد، وإنما يكمن الفارق بين المعالجة المهنية والتضليل في مدى الالتزام بالحقائق وتقديم السياق الكامل، بدلا من توظيف الحدث للوصول إلى نتيجة محددة سلفا.
صناعة البلبلة.. عناوين مثيرة ومعلومات ناقصة
تمثل العناوين المثيرة إحدى الأدوات المؤثرة في انتشار المحتوى المضلل، إذ يمكن أن يتضمن العنوان اتهامات أو إيحاءات لا تدعمها التفاصيل الواردة داخل المنشور.
وتعتمد هذه الصياغات على إثارة الفضول والقلق، باستخدام عبارات توحي بوجود تطورات خطيرة أو معلومات مخفية، دون تقديم أدلة واضحة تسمح للقارئ بالتحقق من صحة تلك الادعاءات.
كما قد يجري استخدام الصور القديمة أو مقاطع الفيديو المجتزأة لتدعيم الرواية المنشورة، بما يمنحها مظهرا من المصداقية رغم اختلاف السياق الحقيقي للمحتوى.
وفي بعض الحالات، تتكرر الرواية نفسها عبر صفحات متعددة، مع تغييرات محدودة في العناوين والصياغة، الأمر الذي قد يخلق انطباعا بأن عددا كبيرا من المصادر المستقلة يؤكد المضمون ذاته.
ويصبح هذا الأسلوب أكثر تأثيرا عندما يجري الجمع بين المعلومات الصحيحة والتفسيرات غير المثبتة، لأن وجود عناصر حقيقية داخل المنشور قد يجعل اكتشاف التضليل أكثر صعوبة.
التشكيك المستمر.. استهداف الثقة بدلا من مناقشة الوقائع
لا تقتصر آثار المحتوى المضلل على واقعة واحدة، بل قد تمتد إلى تكوين انطباعات سلبية متراكمة عندما يجري تقديم الأحداث المختلفة داخل إطار إعلامي واحد يقوم على التشكيك.
وفي هذا السياق، يمكن لمنصات الإخوان الإرهابية أن توظف المشكلات اليومية ضمن خطاب أوسع يستهدف إضعاف الثقة في المؤسسات، من خلال تجاهل الفروق بين الوقائع الفردية والظواهر العامة، أو التقليل من أهمية المعلومات التي تتعارض مع الرواية المطروحة.
وتزداد خطورة هذا النهج عندما يصبح الجدل هدفا قائما بذاته، فتستمر إعادة نشر الاتهامات حتى بعد ظهور تفاصيل جديدة، أو يجري الانتقال من قضية إلى أخرى دون مراجعة صحة الادعاءات السابقة.
وتظل مواجهة هذه الممارسات مرتبطة بتوفير المعلومات الدقيقة، وسرعة توضيح الوقائع، وإتاحة المجال للنقاش المستند إلى الأدلة، بما يمنع تحويل المشكلات الحقيقية إلى أدوات لترويج الأكاذيب وإثارة البلبلة.
فالمعركة الأساسية في مواجهة التضليل لا تتعلق بمنع تداول الأخبار، وإنما بحماية حق الجمهور في معرفة الحقيقة كاملة، وكشف الفارق بين التغطية الإعلامية المسؤولة ومحاولات استغلال الأحداث لصناعة روايات مضللة.