<< 80% من صواريخ "ثاد".. استنزاف غير مسبوق يضغط على مخزونات واشنطن
<< نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي سابقا: واشنطن مضطرة للتحرك بسرعة لإعادة بناء مخزون "باتريوت" والصواريخ بعيدة المدى
<< 65 % من مخزون "باتريوت" تحت الضغط
<< خبير بالشئون الآسيوية: استنزاف المخزون الأمريكي تحول استراتيجي يهدد القدرة على خوض صراعات متزامنة
<< الحرب تلتهم مخزون "ATACMS" الأمريكي واستهلاك 1300 صاروخ باليستي تكتيكي
<< خبيرة بالشأن الإيراني : نقل الدفاعات من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط يخلق معادلة صعبة أمام واشنطن
<< استخدام 850 صاروخ "توماهوك" في الشهر الأول.. والاستنزاف يتجاوز معدلات الإنتاج
<< أستاذ بجامعة لندن: الصين تتحرك لاستغلال الفراغات التي خلقتها الحرب الأمريكية الإيرانية
<< واشنطن تحتاج إلى 3 سنوات أو أكثر لإعادة بناء مخزون "ثاد" و5 سنوات لتعويض بعض الذخائر المتقدمة
<< خبير روسي: أزمة المخزون قد تتحول من مشكلة عسكرية إلى أزمة ردع بالنسبة لواشنطن
<< 58 مليار دولار لعقود الصواريخ.. هل تنجح استثمارات البنتاجون في إنقاذ المخزون؟
نقلت صحيفة نيويورك تايمز في 9 أغسطس الماضي، عن مسؤولين أمريكيين، تأكيدهم سحب ذخائر مخصصة لآسيا وأوروبا في ظل استنزاف مقلق للمخزونات بسبب حرب إيران، موضحة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرر خوض القتال متوقعا نهاية سريعة لها رغم تحذيرات رئيس هيئة الأركان بشأن الذخيرة، بحسب الصحيفة الأمريكية، فإن روسيا والصين تراقبان عن كثب مخزونات الأسلحة الأمريكية، فيما أكد مسئول أمريكي، أن قوات واشنطن في كوريا الجنوبية أصبحت عرضة للخطر بعد توجيه أصول دفاعية للشرق الأوسط.
في ذات اليوم خرجت صحيفة واشنطن بوست، لتنشر مذكرة لوزارة الدفاع الأمريكية تتضمن طلب البنتاجون من شركات الدفاع الأمريكية تسريع إنتاج وتسليم السلاح ومنه الذخائر، وأن أمامها 21 يوما لتقديم خطط تسريع تواريخ تسليم السلاح.
ترسانة واشنطن في خطر
لم تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران عن حدود القوة النارية لواشنطن فحسب، وإنما فتحت جبهة أكثر حساسية تتعلق بعمق المخزون الأمريكي وقدرة الصناعات الدفاعية على تعويض الأسلحة التي تستهلكها بوتيرة تفوق معدلات الإنتاج التقليدية، فبعد أشهر من الحرب، باتت صواريخ الاعتراض المتقدمة، وفي مقدمتها صواريخ "باتريوت" و"ثاد"، في قلب نقاش متزايد داخل واشنطن حول الجاهزية العسكرية، بعدما أدى الاستخدام المكثف لها في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، إلى جانب الالتزامات الأمريكية تجاه الحلفاء، إلى خفض المخزونات المتاحة وإعادة توزيع بعض منظومات الدفاع الجوي بين مسارح العمليات.
منظومة باترويت
وتفيد وكالة أسوشيتد برس، نقلا عن مسؤولين ومصادر مطلعة، بأن الحرب استهلكت نحو 65% من مخزون صواريخ باتريوت الأمريكي، فيما أشارت تقديرات أخرى إلى أن مخزون "ثاد" تعرض لاستنزاف كبير، مع اختلاف الأرقام باختلاف الفترة ونطاق الاحتساب.
وتكتسب هذه الأرقام خطورتها من طبيعة الأسلحة المستنزفة نفسها؛ فالمشكلة لا تتمثل في نفاد الذخائر الأمريكية بصورة عامة، وإنما في أن بعض أكثر الأسلحة أهمية للردع والدفاع الصاروخي هي أيضا من الأصعب والأبطأ في إعادة الإنتاج، فالولايات المتحدة بدأت بالفعل في توسيع خطوط إنتاج "ثاد" و"باتريوت"، وأعلنت شركة "لوكهيد مارتن" أن اتفاقا مع البنتاجون يستهدف رفع الطاقة الإنتاجية السنوية لصواريخ THAAD من 96 إلى 400 صاروخ، أي أكثر من أربعة أضعاف، بينما تتحرك واشنطن لزيادة إنتاج صواريخ باتريوت بصورة كبيرة، لكن الفجوة بين قرار زيادة الإنتاج ووصول الصواريخ الجديدة إلى المخازن تظل تحديا استراتيجيا، حيث إن توسيع المصانع وسلاسل الإمداد لا يمكن أن يعوض المخزون المستهلك فورا.

محاولات واشنطن مواجهة استنزاف مخزونات الدفاع الصاروخي
رسائل ترامب المطمئة
حاول ترامب توجيه رسائل مطمئة للداخل الأمريكي خلال خطاب له في 5 أغسطس، حاول فيه التقليل من التقارير التي تتحدث عن أزمة بشأن نقص الأسلحة الأمريكية، حيث قال إن الولايات المتحدة تمتلك كميات هائلة من الذخائر ولا سيما أنواع محددة منها، وتم تصنيع كميات كبيرة من الأسلحة وشحنها إلى واشنطن حسب الحاجة.
وأضاف أن شركات الدفاع تعمل على إنشاء أكبر عدد من المصانع والمنشآت الإنتاجية في تاريخ الولايات المتحدة، فيما يجري حاليا ملاحقة مسربي التصريحات الخائنة وسنسعى لفرض عقوبات بالسجن لفترات طويلة عليهم.
استنفاذ 80 % من صواريخ الاعتراض "ثاد"
نسبة كبيرة من تصريحات الرؤساء تكون للاستهلاك المحلى، ولرفع الروح المعنوية ومنع انتشار أجواء القلق في ظل استمرار التصعيد الأمريكي الإيراني، إلا أنها كثيرا ما تكون بعيدة عن الحقيقة، وهو ما كشفته شبكة CNN، خلال تحقيق لها، بأن الجيش الأمريكي استنفد ما يقارب 80% من صواريخ الاعتراض الخاصة بالنظام الدفاعي الصاروخي الرئيسي "ثاد"، في حين يحذر كبار القادة العسكريين الأمريكيين من أن مخزون الذخائر لدى البنتاجون منخفض بشكل خطير.
وبحسب الشبكة، فإن مخزونات أنظمة الدفاع الجوي الرئيسية استُنزفت بشكل خاص خلال الحرب على إيران، حيث استهلك الجيش الأمريكي ما يقارب أربعة أخماس مخزون صواريخ "ثاد" مقارنة بأرقام ما قبل الحرب، ونحو نصف صواريخ "باتريوت" الاعتراضية منذ بداية الحرب، فيما يقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الولايات المتحدة كانت تمتلك حوالي 2200 صاروخ "باتريوت" من أحدث طرازين و452 صاروخ "ثاد" في مخزونها قبل العملية العسكرية.
وأُثيرت مسألة المخزون مجددا قبل قرار ترامب في نهاية يوليو الماضي، بإلغاء الضربات الجديدة على إيران، ما يعد المرة الثانية على الأقل خلال الأسابيع الأخيرة التي يعرب فيها كبار المستشارين العسكريين للرئيس الأمريكي عن قلقهم بشأن تناقص أعداد الذخائر الرئيسية خلال مناقشات حول احتمال تصعيد الصراع مع إيران.
تقرير شبكة سي إن إن الأمريكية حول نخقص مخزون الأسلحة الأمريكية
وذكرت الشبكة، أن الجيش الأمريكي استخدم جميع أسلحته أرض - جو بعيدة المدى عالية الدقة تقريبا خلال النزاع، فيما ذكرت المصادر أن التحذيرات الأخيرة بشأن نقص الذخائر، إلى جانب معلومات استخباراتية أخرى قدمتها الإدارة لترامب حول الآثار السلبية المحتملة لضرب البنية التحتية الحيوية لإيران، بما في ذلك أهداف الطاقة، ، كانت كافية لإقناع بعض مستشاري الرئيس الأكثر تشددا بوجود سبب لإلغاء العمليات المخطط لها.
رد الإدارة الأمريكية
وقال المتحدث الرسمي باسم "البنتاجون"، شون بارنيل، في بيان لـ CNN، إن الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم، ويمتلك كل ما يلزم للتنفيذ في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس الأمريكي، مضيفا:" نفذنا العديد من العمليات الناجحة في مختلف القيادات القتالية، مع ضمان امتلاك الجيش ترسانة واسعة من القدرات لحماية شعبنا ومصالحنا"، كما ذكرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، لـ CNN أن البنتاجون يمتلك من الذخائر والمخزونات ما يكفي لتلبية جميع أهداف ترامب الاستراتيجية، بل وأكثر.
وأضافت كيلي: "لقد كشفت عملية الغضب الملحمي ضد عواقب العبث بالولايات المتحدة، ومع ذلك، حث الرئيس شركاتنا المتعاقدة في مجال الدفاع على مواصلة إنتاج المزيد من الأسلحة المصنعة في أمريكا، والتي تعد الأفضل في العالم".
وذكرت الشبكة، أن نقص الصواريخ الاعتراضية يعني أن الهجمات التقليدية قد تأتي بنتائج عكسية إذا بدأت الطائرات المسيرة الانتحارية في اختراق الدفاعات بأعداد كبيرة، وسياسة الرد بالمثل لن تنهي هذا الأمر أبدا، لافتة إلى أن الصواريخ بعيدة المدى التي استُنزفت بشكل أساسي خلال الحرب على إيران هي أنظمة الصواريخ التكتيكية والضربة الدقيقة.

أرقام استنزاف الدفاع الصاروخي الأمريكي
الإسراع في تعويض المخزون
ويقول توم واريك، نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي سابقا، إن الجيش الأمريكي يجد نفسه مضطرا إلى التحرك بسرعة من أجل تجديد مخزوناته من بعض أنواع الأسلحة المتقدمة، وفي مقدمتها الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية والصواريخ بعيدة المدى من طراز "أرض-أرض".
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن مشكلة المخزونات الأمريكية لا تنطبق بالدرجة نفسها على جميع أنواع الأسلحة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مخزونات وفيرة من أسلحة أخرى، من بينها القنابل الموجهة بدقة التي تُطلق من الطائرات، إلى جانب قذائف المدفعية عيار 155 ملم المستخدمة في العمليات القتالية البرية.
ويرى أن ما تكشفه الحروب الأخيرة هو أن المعركة لم تعد تعتمد فقط على امتلاك الأسلحة المتطورة، وإنما على القدرة على إنتاج كميات كبيرة منها وتعويض ما يتم استهلاكه بسرعة في ميدان القتال، لافتا إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية قدمت نموذجا واضحا على التغير الجاري في طبيعة الحروب، ولا سيما مع الاستخدام واسع النطاق للطائرات المسيّرة.
ويؤكد واريك أن الطائرات المسيرة أثبتت فاعلية كبيرة في الحرب الروسية الأوكرانية، وأصبحت عنصرا أساسيا في العمليات العسكرية الحديثة، كما اكتسبت أوكرانيا خبرة واسعة في تطوير وسائل مواجهة الطائرات المسيرة وإسقاطها، بما فيها الطائرات المسيرة الإيرانية التي تستخدمها روسيا في الحرب.
ويوضح أن الدرس الأبرز من الحرب الأوكرانية يتمثل في أن الجيوش الحديثة ستحتاج إلى أعداد كبيرة من الأسلحة والذخائر، وليس فقط إلى أنظمة متقدمة قليلة العدد، لأن ساحات القتال الحديثة تستهلك المعدات والذخائر بمعدلات مرتفعة للغاية، خاصة أن ساحة المعركة تستهلك الأسلحة والمعدات بمعدلات استثنائية.
لا يزال المخزون الأمريكي من صواريخ "توماهوك" مستنزفا بشكل كبير، حيث استخدم الجيش الأمريكي، ما يقرب من نصف هذه الأسلحة خلال الحرب، تصل نسبتهم إلى 30%، وبحسب مراقبين أمريكيين، فإن معدلات تعويض مخزون الصواريخ الرئيسية منخفضة، حيث وفقا لجداول التسليم للسنة المالية الحالية، تتسلم وزارة الدفاع ما يقرب من 15 صاروخ "توماهوك" جديدا و20 صاروخ "باتريوت" جديدا شهريا.
وقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بحسب ما نشرت شبكة CNN، أن الأمر سيستغرق ثلاث سنوات أو أكثر لإعادة بناء مخزون صواريخ "ثاد" إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحرب على إيران، فيما كثفت وزارة الدفاع جهودها لتوسيع نطاق إنتاج الصواريخ الاعتراضية في الأشهر الأخيرة، لتعزيز تصنيع المحركات الصاروخية لأنظمة "باتريوت".
تعويض المخزون الأمريكي بالكامل من الذخائر المتطورة مثل صواريخ "باتريوت"، قد يستغرق سنوات، نظرا لطول الفترة الزمنية اللازمة لإنتاج هذه الأسلحة، حيث يؤكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن مخزونات صواريخ أخرى مثل صواريخ "الضربة الدقيقة" والصواريخ المشتركة جو- أرض بعيدة المدى ستشهد تعافيا أسرع، ومن المتوقع أن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول منتصف أو أواخر 2027.
أزمة داخل البيت الأبيض
وشهد البيت الأبيض، صدام بين ترامب ووزير دفاعه بسبب نقص الذخائر الأمريكية، فبحسب ما نشرته صحيفة واشنطن بوست في 4 أغسطس، فإن استياء الرئيس الأمريكي من حرب إيران بلغ ذروته فى منتجع كامب ديفيد الرئاسي، حيث طالب الرئيس هيجسيث بتوضيح حول سبب تضليله بشأن النقص الحاد فى الذخائر الذى يهدد الآن بتقليص الخيارات العسكرية مع إيران.
وأشارت إلى أن الواقعة حدثت على هامش اجتماع مجلس الوزراء فى كامب ديفيد، حيث عبر ترامب لهيجسيث عن استيائه من اعتقاده بأن مسألة الذخائر قد تم حلها، حيث إن النقص، خاصة فى الصواريخ الموجهة بعيدة المدى وطائرات الاعتراض الدفاعية الجوية، كان أحد أسباب تراجع الرئيس عن شن ضربات جوية واسعة النطاق إضافية ضد إيران.
وقالت واشنطن بوست، إن هيجسيث عندما واجهه ترامب بشأن نقص مخزون الأسلحة، دافع عن نفسه وألقى باللوم على نائبه، ستيفن فاينبرج، في النقص وعدم إطلاع الرئيس بشكل كامل على المشكلة، موضحة أن هذا الحوار يؤكد تزايد استياء زعيم البيت الأبيض من وزير دفاعه، الذي كان من أوائل المؤيدين للعمل العسكري ضد إيران.
وأشارت إلى أنه في الشهر الأول وحده من الحرب، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ توماهوك كروز، وأكثر من 1000 منظومة باتريوت ومنظومة الدفاع الصاروخي الطرفي عالي الارتفاع ثاد، كما استخدمت أكثر من 1300 صاروخ باليستي تكتيكي من صواريخ الجيش في الأسابيع الأولى من القتال، مما تسبب في استنزاف مخزون صواريخ ATACM - وهو صاروخ قصير المدى مطلوب أيضا من أوكرانيا - لدرجة أنه لم يتبق منه شيء تقريبا.
ولم تعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على ساحات القتال، بل بدأت تثير تساؤلات أوسع حول قدرة واشنطن على الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي من الأسلحة والذخائر، في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة سباقا متسارعا لتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة الصين وروسيا.
وبحسب الباحث في الشؤون الآسيوية والدراسات الاستراتيجية إسلام شحته، فإن ما يحدث في المخزون الأمريكي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أزمة لوجستية عابرة، وإنما يمثل، مؤشرا على تحول استراتيجي قد تكون له تداعيات طويلة المدى على قدرة الولايات المتحدة على خوض صراعات متزامنة أو ممتدة.
ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" إن بيانات ومقارنات أوردها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS تشير إلى تراجع كبير في بعض مخزونات الذخائر الأمريكية، وعلى رأسها صواريخ "باتريوت"، مشيرًا إلى أن المخزون الذي كان يتجاوز، وفق تقديراته، ألفي صاروخ قبل الحرب، تراجع إلى أقل من ألف خلال نحو ستة أشهر.
ويرى أن هذا الاستنزاف يكتسب أهمية أكبر عند وضعه في سياق صراع محتمل مع قوة عسكرية كبرى مثل الصين أو روسيا، حيث إن أي حرب واسعة النطاق ستفرض معدلات استهلاك مرتفعة للغاية للذخائر والصواريخ الاعتراضية، كما أن منظومة ثاد (THAAD)، التي تُعد إحدى أهم منظومات الدفاع الصاروخي ، باعتبارها من الأنظمة التي تعرضت مخزوناتها لضغط كبير خلال الحرب.
ويؤكد شحته أن تقديرات استنزاف مخزون "ثاد" تستند إلى وثائق وبيانات مرتبطة بالميزانية وتقارير رسمية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود تباين واضح بين الأرقام المتداولة بشأن حجم الاستنزاف، مستشهدا بما نشرته شبكة CNN سابقا حول وصول نسبة استنزاف "ثاد" إلى نحو 80%، وهي النسبة التي رفضها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، لويد أوستن.
ويوضح أن هذا التباين في الأرقام لا يلغي حقيقة وجود أزمة تتجاوز الجانب العسكري، حيث إن حجم المخزونات أصبح موضوعا ذا حساسية سياسية واستراتيجية، خاصة في ظل حاجة واشنطن إلى الحفاظ على قدراتها الدفاعية في أكثر من مسرح عمليات.
وفي 7 سبتمبر، عادت️ صحيفة "واشنطن بوست"، الحديث عن النقص الكبير في مخزن الأسلحة الأمريكية، عندما أكدت أن الولايات المتحدة خسرت نحو ربع أسطول مسيرات "إم كيو-9 ريبر" خلال الحرب مع إيران.
المشكلة لا تتعلق بالمخزون وحده
الأخطر، وفق رؤية شحته، هو أن الأزمة لا تتعلق فقط بما تم استهلاكه من الصواريخ خلال الحرب، وإنما بقدرة الصناعة الدفاعية الأمريكية على تعويض ما تم استنزافه بالسرعة المطلوبة، مشيرا إلى أن دورة إنتاج بعض الصواريخ والذخائر تحتاج إلى سنوات حتى تتمكن الشركات من الوصول إلى معدلات الإنتاج المطلوبة، مقدرا الفترة اللازمة في بعض الحالات بما بين ثلاث وخمس سنوات.
وهنا تظهر ما يصفها الباحث بـ"الفجوة الزمنية" لمخزونات تتراجع بوتيرة سريعة، في مقابل قدرة إنتاجية تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد مستوياتها السابقة، وهذا يعني، أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء تأثيرها على القدرات الأمريكية، فعملية إعادة بناء المخزون قد تمتد إلى ما بعد الحرب بسنوات.
تحذيرات أمريكية
وكشفت صحيفة نيويورك تايمز، في 11 أغسطس، إطلاق القوات الأمريكية حوالي 50 صاروخا من نوع "باتريوت" لاعتراض الصواريخ في يوم واحد خلال الهجمات الإيرانية التي استهدفت القواعد في الأردن في شهر يولي، حيث يقدر التكلفة الإجمالية لهذه الصواريخ بحوالي 200 مليون دولار في يوم واحد، وتبلغ تكلفة كل صاروخ حوالي 4 ملايين دولار، فيما استخدمت إيران صواريخ ذات مسارات قابلة للتعديل لإجبار واشنطن على إنفاق مبالغ كبيرة وتقليل مخزونها المحدود من صواريخ "باتريوت".
حذر مخططون عسكريون من أن شن هجوم أمريكي واسع قد يدفع إيران إلى تنفيذ رد عسكري أقوى ضد القوات الأمريكية في المنطقة، حيث نقلت الصحيفة عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية اطلعوا على النقاشات الداخلية، أن المخاوف المتعلقة بتراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لعبت دورا في قرار ترامب بتعليق أي ضربة واسعة ضد طهران.
وبحسب الصحيفة، فإن خيار توسيع الحملة العسكرية ضد إيران لم يلق تأييدا، واقتصر الدعم على عدد قليل من كبار مستشاري ترامب، بينما عبر غالبية المسؤولين الحاضرين عن تحفظات جدية، محذرين من المخاطر الكبيرة التي قد تترتب على الإقدام على هذه الخطوة، ومن أبرز الأسباب التي طرحوها لتبرير هذه التحفظات، تراجع مخزون الجيش الأمريكي من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية.
وبحسب تقديرات داخلية للبنتاجون ومسؤولين في الكونجرس، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 1200 صاروخ باتريوت اعتراضي حتى نهاية أبريل، فيما حذر مسؤولون من أن المخزونات الحالية، التي تعد منخفضة تواصل التراجع بشكل مقلق.
وتستهلك الحملة العسكرية الأمريكية في إيران أسلحة دقيقة بمستويات غير مسبوقة، مما أجبر البنتاجون على طلب تمويل إضافي ضخم، فوفقا لبيانات من جلسة استماع للجنة المخصصات في مجلس الشيوخ الأمريكي، تحتاج إدارة واشنطن إلى ما يقرب من 90 مليار دولار إضافية، منها 67.1 مليار دولار مخصصة لعملية "إبيك فيوري" وحدها، ولإعادة الجاهزية القتالية.
ويشكل تخصيص 21 مليار دولار لإعادة شراء الصواريخ والقنابل الموجهة والذخائر المستعملة محور الميزانية التكميلية، ويعكس هذا الرقم حقيقة أن الحروب تستهلك أسلحة باهظة الثمن بوتيرة أسرع بكثير من قدرة شركات الدفاع على إنتاجها في وقت السلم، ووفقا تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استخدمت القوات الأمريكية ما مجموعه 13,629 سلاحا لمهاجمة أكثر من 13,000 هدف خلال الأيام التسعة والثلاثين الأولى من الحملة العسكرية.
وأشارت الصحيفة، إلى أنه في المرحلة الافتتاحية، أطلقت البحرية الأمريكية نحو 400 صاروخ توماهوك كروز خلال الساعات الـ 71 الأولى لتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية ومراكز القيادة، وكانت هذه المرحلة الأكثر تكلفة، حيث تم التركيز على استخدام أسلحة بعيدة المدى تُكلّف ملايين الدولارات لكل صاروخ لحماية الطيارين والطائرات.
كما تم نشر صاروخ كروز الشبح AGM-158 JASSM-ER على نطاق واسع، حيث أطلق الجيش، أكثر من 1000 صاروخ، ما يمثل حوالي 20% من إجمالي المخزون الأمريكي، كما أن صاروخ PrSM الجديد الموجه بدقة يواجه هو الآخر خطر النفاد، حيث تشير التقديرات إلى استخدام ما بين 50% و75% من مخزونه الحالي.
ووفقا لما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز، تستنزف أنظمة الدفاع الميزانيات بمعدل ينذر بالخطر، حيث استخدمت إيران طائرات مسيرة انتحارية رخيصة الثمن تتراوح تكلفتها بين 20 ألف و50 ألف دولار لإجبار الولايات المتحدة على الرد بصواريخ اعتراضية تفوق تكلفتها مئات المرات، وتتراوح تكلفة صواريخ منظومة الدفاع الصاروخي الطرفية عالية الارتفاع "ثا" بين 13 و15 مليون دولار.

حجم الصواريخ المستخدمة خلال الحرب الأمريكية الإيرانية
وحذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ، من أن مخزونات منظومة "ثاد" وصلت إلى مستوى حرج، حيث أطلقت الولايات المتحدة ما بين 190 و290 صاروخا، أي ما يعادل حوالي 50% إلى 80% من إجمالي مخزونها، وهذا ما يحدث فجوة دفاعية كبيرة، حيث لا تمتلك واشنطن حاليا سوى ثماني بطاريات "ثاد" على مستوى العالم.
كلفة الحرب تفتح جبهة جديدة أمام واشنطن
لم تعد كلفة المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط تقاس فقط بحجم الإنفاق المباشر على العمليات أو الخسائر البشرية والمادية، وإنما بدأت تمتد إلى مخزونات الأسلحة والذخائر الاستراتيجية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في الحفاظ على تفوقها العسكري حول العالم.
وتقول الدكتورة نسمة عبد النبي، أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة بني سويف والباحثة بوحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، إن الاستخدام المكثف لمنظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية خلال المواجهات الأخيرة في الشرق الأوسط كشف عن تحد استراتيجي أمام واشنطن، يتمثل في سرعة استهلاك بعض أنواع الذخائر مقارنة بالقدرة الحالية على تعويضها.
وتؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد الصواريخ التي أُطلقت، وإنما في الفجوة الزمنية بين معدل الاستهلاك ومعدل الإنتاج، حيث إن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة صناعية عسكرية ضخمة، لكن بعض الصواريخ الاعتراضية، خاصة الأنظمة المتقدمة، تحتاج إلى وقت طويل لإعادة تكوين مخزوناتها."
وتشير عبد النبي إلى أن منظومة ثاد ، المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية، أصبحت من أبرز الأمثلة على الضغط الذي تعرضت له الترسانة الأمريكية، متابعة: "إذا كانت التقديرات التي تتحدث عن استهلاك ما يقارب 80% من مخزون صواريخ ثاد دقيقة، فإننا أمام مؤشر بالغ الأهمية، ليس لأن الولايات المتحدة أصبحت بلا دفاعات، وإنما لأن هامش المناورة والاحتياطي الاستراتيجي يصبح أقل اتساعا".
وتضيف أن أهمية هذه الصواريخ لا ترتبط بالشرق الأوسط وحده، خاصة أن الولايات المتحدة تعتمد على منظومات الدفاع الصاروخي المتقدمة ضمن شبكة انتشار عسكرية عالمية، ما يجعل أي استنزاف كبير في المخزون قضية تتجاوز مسرح العمليات الذي شهد الاستخدام المباشر.
وتوضح: "باتريوت ليس مجرد منظومة موجودة في قاعدة واحدة أو دولة واحدة، هي جزء أساسي من منظومة الدفاع الجوي الأمريكية، وبالتالي فإن زيادة الطلب عليها في الشرق الأوسط تعني بالضرورة ضرورة إعادة توزيع المخزون، وتعويض الصواريخ التي تم استخدامها، والحفاظ في الوقت نفسه على الاحتياطي المطلوب لأي أزمة أخرى".
وترى أن هذا النوع من الاستنزاف يصبح أكثر حساسية عندما يتزامن مع احتياجات الحلفاء، خاصة الدول التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الولايات المتحدة في توفير منظومات الدفاع الجوي والذخائر الخاصة بها، لافتة إلى أن أحد أبرز تداعيات الاستنزاف لم يكن فقط في مخازن الصواريخ، وإنما في إعادة توزيع القوات والمنظومات الدفاعية الأمريكية حول العالم.
وتقول: "عندما تحتاج واشنطن إلى تعزيز دفاعاتها في الشرق الأوسط، فإنها لا تملك بالضرورة رفاهية إنشاء منظومة جديدة من الصفر خلال أسابيع، والحل الأسرع هو نقل وحدات وأنظمة موجودة بالفعل من مسارح عمليات أخرى، وهذا ما يخلق معادلة صعبة للغاية.، مشيرة إلى أن نقل بعض وحدات الدفاع الجوي من أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط يمكن أن يوفر استجابة سريعة للأزمة الحالية، لكنه في المقابل يترك فراغا نسبيا في المناطق التي جرى سحب هذه الوحدات منها.
وتضيف، أن المعضلة الاستراتيجية الأمريكية تظهر في كيف تحمي الشرق الأوسط من دون أن تترك أوروبا مكشوفة؟ وكيف تحافظ على الردع في مواجهة روسيا والصين في الوقت نفسه؟ موضحة أن القارة العجوز تحديدا تمثل نقطة حساسة في هذه المعادلة، في ظل اعتماد عدد من الدول الأوروبية على مظلة واشنطن في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي.
وتقول: "أي انخفاض كبير في مخزونات الصواريخ الاعتراضية لا ينعكس على الولايات المتحدة وحدها، وإنما يمكن أن يمتد إلى منظومة الردع الغربية بأكملها، ولذلك فإن الحديث عن المخزونات الأمريكية يجب أن يُقرأ أيضا من زاوية أمن أوروبا وقدرتها على مواجهة أي أزمة عسكرية مفاجئة."
وتضيف أن المشكلة تتضاعف إذا تزامنت الحاجة إلى الدفاع عن أوروبا مع أزمة جديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على وجود عسكري قوي وردع الصين.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أن الحديث عن وصول الترسانة الأمريكية إلى مرحلة حرجة أو وجود أزمة عسكرية خانقة مبالغ فيه، حيث توضح نسمة عبد النبي، أن البيت الأبيض والبنتاجون لديهما مصلحة واضحة في التأكيد أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك الموارد الكافية لتنفيذ أهدافها العسكرية، والإعلان عن وجود نقص حاد في الذخائر قد يحمل رسالة سلبية إلى الخصوم والحلفاء في الوقت نفسه.
إنتاج ذخائر بمعدلات غير مسبوقة
وخلال خطاب له في الثالث من سبتمبر، أكد ترامب، أن الأشخاص والمؤسسات الإعلامية التي تواصل ترديد مزاعم بأننا لا نملك ذخيرة وهم مخطئون تماما في ذلك، يرتكبون في الواقع عملا من أعمال الخيانة، مشيرا إلى أنهم يفعلون ذلك لأنهم يفضلون رؤية الولايات المتحدة تخسر حربا ننتصر فيها بسهولة، على أن يروني أنا أحقق النصر.
وأضاف: "لدينا كميات غير محدودة عمليا من الذخائر ذات الجودة المتوسطة والعالية، وهي كميات تفوق بكثير ما قد نحتاجه في الصراع مع إيران أو في أي حرب أخرى، وهو أمر مستبعد للغاية قد تندلع، وعلاوة على ذلك، فإننا ننتج الذخائر بمعدلات غير مسبوقة.
وتابع ترامب " إننا نقوم بتكوين مخزون، والاستعداد لأي طارئ قد يحدث، ونحن نحتفظ بهذه الإمدادات لأنفسنا بدلا من بيعها للآخرين، غير أن عمليات البيع للحلفاء ستُستأنف قريبا".
وأوضح أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قدمت لأوكرانيا كميات من الذخائر تفوق بكثير ما استخدمناه في إيران، وذلك دون أي تكلفة على الجانب الأوكراني على الإطلاق، لقد مُنحت كييف وحلف الناتو مئات المليارات من الدولارات مجانا، وهي أموال كان من الممكن أن تدفعها أوروبا لو طُلب منها ذلك فحسب، مشددا على واشنطن ستطالب بتلك الأموال، وإن كان ذلك قد جاء متأخرا بعض الشئ".
بعد هذا الخطاب بيومين فقط، وبالتحديد في الخامس من سبتمبر، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر تأكيدها، أن هناك تحقيق مع نحو 50 عضوا في هيئة الأركان المشتركة الأمريكية بشأن تسريب معلومات للصحافة عن حرب إيران، لافتة إلى أن التحقيق مع العسكريين يتركز على تسريب معلومات عن تراجع مخزون الجيش من الذخائر الحيوية.
اختبار خصوم واشنطن قدرتها على الرد
وتشير نسمة عبد النبي، إلى أن الاعتراف العلني بوجود تراجع كبير في المخزون قد يشجع خصوم واشنطن على اختبار قدرتها على الرد في ساحات أخرى، ولذلك فإن الخطاب الرسمي الأمريكي يحاول الفصل بين الاعتراف بالاستهلاك المرتفع وبين الإقرار بوجود أزمة استراتيجية.
وتؤكد أن تسريب تقديرات استخباراتية أو عسكرية بشأن تراجع مخزونات الأسلحة يكتسب أهمية خاصة، لأنه يحول قضية لوجستية داخل المؤسسة العسكرية إلى قضية سياسية واستراتيجية علنية، متابعة: "أي معلومات عن حجم المخزون الحقيقي للصواريخ الاعتراضية تحمل قيمة استراتيجية، ولذلك فمن الطبيعي أن تثير مثل هذه التسريبات قلقا داخل الإدارة الأمريكية، لاسيما إذا كان من الممكن أن يستغلها الخصوم في تقدير حدود القدرة الأمريكية على الرد".
وتضيف أن انزعاج الرئيس ترامب من التقارير التي تتحدث عن تآكل الترسانة يجب فهمه في سياق أوسع، يتعلق بصورة القوة الأمريكية وقدرة واشنطن على إقناع الخصوم بأن لديها ما يكفي من القدرات العسكرية للتعامل مع أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
وفي مواجهة الضغط على المخزونات، بدأت واشنطن في الدفع باتجاه زيادة إنتاج الصواريخ والذخائر الدفاعية، وتشير نسمة عبد النبي إلى أن البنتاجون اتجه إلى إبرام عقود كبيرة مع شركات الدفاع الأمريكية، من بينها لوكهيد مارتن، بهدف رفع إنتاج صواريخ باتريوت بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، في إطار خطة تستهدف زيادة الإنتاج إلى مستويات أعلى بحلول عام 2030، إلا أن زيادة الإنتاج لا تعني حل الأزمة الفورية.
وتقول: "المشكلة أن المصنع لا يستطيع أن يستجيب بين ليلة وضحاها، وحتى لو اتخذت الولايات المتحدة قرارا اليوم بزيادة الإنتاج، فإن توسيع خطوط التصنيع وتوفير المكونات وتدريب العمالة واختبار الأنظمة يحتاج إلى وقت، لذلك يمكن أن تعالج زيادة الإنتاج مشكلة السنوات المقبلة، لكنها لا تلغي بالضرورة مشكلة المخزون في المدى القصير".
وترى أن مرور أشهر على المواجهة يتيح قراءة أوضح للكلفة العسكرية التي بدأت تتحملها الولايات المتحدة، قائلة: "في بداية أي حرب، يكون التركيز عادة على العمليات والنتائج الميدانية، لكن مع مرور الوقت تظهر الفاتورة الحقيقية: كم صاروخا أُطلق؟ كم منظومة استُهلكت؟ كم وحدة نُقلت؟ وكم يحتاج الجيش إلى إعادة بناء مخزونه؟"
وتضيف أن الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية والأنظمة الدفاعية المتقدمة يمكن أن يضع مخططي الدفاع الأمريكيين أمام معادلة معقدة، خاصة إذا كانت واشنطن تريد الاحتفاظ بقدرتها على التعامل مع أزمات متزامنة في أكثر من منطقة.
معادلة الردع العالمي
هنا تتحول الحرب مع إيران من أزمة ذخائر أمريكية إلى اختبار مباشر لمعادلة الردع العالمي، فواشنطن لا تحتاج إلى الاحتفاظ بمخزون كاف للشرق الأوسط فقط، وإنما مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على قدرتها على دعم أوروبا وحلفائها في آسيا والمحيط الهادئ، وردع روسيا في أوروبا والصين في منطقة الهندي والهادئ، ليصبح السؤال أكثر تعقيدا إذا اندلع نزاع كبير في تايوان، حيث قد تواجه الولايات المتحدة حربا عالية الكثافة تتطلب كميات ضخمة من الصواريخ والذخائر الدقيقة خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي المقابل، تكشف أرقام الإنفاق العسكري أن واشنطن لا تزال تمتلك تفوقا ماليا هائلا، لكن الفجوة مع المنافسين لا تعني أن سباق التسلح محسوم لصالحها إلى الأبد، ووفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، أنفقت الولايات المتحدة نحو 954 مليار دولار على الجيش في عام 2025، مقابل نحو 336 مليار دولار للصين و190 مليار دولار لروسيا، ومع ذلك، ارتفع الإنفاق العسكري الصيني بنسبة 7.4% في 2025، بينما ارتفع الإنفاق الروسي إلى مستوى يعكس استمرار تعبئة اقتصادية وعسكرية واسعة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
هيمنة الولايات المتحدة وروسيا على الرؤوس النووية حول العالم .. وحدة القياس نسبة مئوية
وهكذا، قد تكون المفارقة الأبرز في سباق التسلح الجديد أن الولايات المتحدة لا تواجه منافسة على مستوى حجم الإنفاق فقط، وإنما على مستوى سرعة الإنتاج وقدرة الدولة على تعويض ما تستهلكه في حرب طويلة، فالصراع مع إيران، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوتر حول تايوان، تكشف جميعها أن الحروب الحديثة قد تستهلك الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة بأسرع بكثير مما افترضته خطط زمن السلم.
الصين وروسيا.. خصمان يراقبان الفجوة
البعد الأكثر حساسية في هذه المعادلة، من وجهة نظر الباحث إسلام شحته، يتعلق بالصين وروسيا، مشيرا إلى أن بكين وموسكو لن تنظرا إلى استنزاف القدرات الأمريكية باعتباره مسألة تخص الحرب مع إيران فقط، بل قد تحاولان استغلال أي فترة ضعف أو فجوة في مخزونات واشنطن لتعزيز مواقعهما الاستراتيجية.
ويستشهد بما وصفه الخبير الأمريكي توم كاراكو بأنه "إبادة جليلية لأدوات الردع التقليدي"، في إشارة إلى ما يعتبره تراجعا في بعض عناصر القدرة التقليدية الأمريكية على الردع نتيجة الاستنزاف المتواصل، لافتا إلى أن وجود فجوة في مخزون واشنطن قد يصبح أكثر خطورة إذا تزامن مع أزمة جديدة في منطقة أخرى، ولا سيما في شرق آسيا.
توزيع الرؤوس النووية حول العالم
إيران ساحة اختبار للدعم الصيني والروسي
ويرى أن الحرب أظهرت أيضا أهمية الدعم الذي تتلقاه طهران من شركائها، مشيرا إلى ما يعتبره دعما صينيا في مجال بعض منظومات الدفاع الجوي والمعدات المرتبطة بمواجهة الطائرات المسيرة، خاصة أن نسبة الطائرات المسيرة الأمريكية التي تمكنت الدفاعات الإيرانية من إسقاطها، تجاوزت 25%، وهذه النسبة تكشف عن أهمية الدعم اللوجستي والعسكري الذي تلقه نظام الملالي.
كما يشير إلى الدعم الروسي الذي وصل إلى إيران عبر مسارات مرتبطة ببحر قزوين، بجانب أشكال متعددة من الدعم، بينها المعلومات الاستخبارية وبعض المكونات والشرائح المستخدمة في الصواريخ لتحسين قدرتها على إصابة الأهداف، رابطا بين هذا الدعم والتحسن الملحوظ في دقة بعض الصواريخ الإيرانية خلال فترة الحرب.
مقارنة الإنفاق العسكري بين دول العالم- وحدة القياس مليار دولار
تايوان الاختبار الأصعب للمخزون الأمريكي
ورغم اعتقاده بأن الولايات المتحدة تستطيع مواصلة الحرب مع إيران من دون أن تتحول المسألة إلى أزمة وجودية بالنسبة إليها، إلا أنه يوضح أن الخطر الأكبر سيظهر إذا اندلعت في الوقت نفسه أزمة عسكرية كبرى في شرق آسيا.
ويضع سيناريو اندلاع حرب حول تايوان في مقدمة الاحتمالات التي يمكن أن تكشف حجم الفجوة في المخزونات الأمريكية، فإذا دخلت الولايات المتحدة مواجهة واسعة مع الصين قبل أن تتمكن من إعادة بناء مخزوناتها، فقد تجد نفسها أمام احتياجات عسكرية هائلة في الوقت الذي لم تستعد فيه مخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر إلى مستوياتها السابقة.
القدرات العسكرية للولايات المتحدة والصين
هنا لا تصبح المسألة مجرد نقص في السلاح، بل مشكلة في القدرة على الحفاظ على إيقاع العمليات العسكرية في مواجهة قوة كبرى تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية ضخمة، كما تدرك الولايات المتحدة، خطورة الفجوة بين الاستهلاك ومعدلات الإنتاج، ولذلك تحركت وزارة الدفاع لتعزيز قدرات الإنتاج.
رغم تعاقد البنتاجون مع شركة لوكهيد مارتن بقيمة تتجاوز 58 مليار دولار، في إطار جهود تسريع إنتاج الصواريخ الاعتراضية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه "هل تستطيع هذه الاستثمارات سد الفجوة قبل أن تحتاج الولايات المتحدة إلى مخزوناتها مجددا في مواجهة عسكرية أخرى؟"، فالأموال والعقود الجديدة قد تعزز القدرة الإنتاجية، لكنها لا تستطيع اختصار سنوات من الزمن بالسرعة الكافية.
مقارنة بين القوة العسكرية الأمريكية والصينية
روسيا والصين تستفيدان من انشغال واشنطن
في خضم الحرب المفتوحة بين واشنطن وطهران، لا تقتصر تداعيات المواجهة على ساحات القتال وأسواق الطاقة، بل تمتد إلى إعادة رسم حسابات القوى الكبرى، مع بروز روسيا والصين كأبرز المستفيدين من انشغال الولايات المتحدة واستنزاف جزء من مخزونها العسكري، فكلما طال أمد المواجهة، تزداد الضغوط على القدرات والذخائر الأمريكية، في وقت تجد فيه موسكو وبكين فرصة لتعزيز مواقعهما الاستراتيجية والاستفادة من تراجع هامش الحركة الأمريكية في ملفات دولية أخرى.
وبينما تنشغل واشنطن بتعويض ما تستهلكه من صواريخ وذخائر ومعدات خلال الحرب مع طهران، تتحرك روسيا والصين للاستفادة من هذا الاستنزاف كل وفق حساباته، فموسكو قد تجد في تراجع الأولوية الأمريكية للجبهة الأوكرانية فرصة لالتقاط الأنفاس وتعزيز موقفها العسكري، فيما تستثمر بكين في الفراغات الاقتصادية والاستراتيجية التي تخلقها الأزمة، وتسعى إلى توسيع شراكاتها في المنطقة وتعزيز حضورها في ملفات الطاقة والدفاع.
وتقول همامي في تصريحات لـ"اليوم السابع"، :"بالنسبة لروسيا، تماما كما هو الشأن بالنسبة لإيران، فإن انشغال الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب المفتوحة ضد إيران يمثل إضعافا للولايات المتحدة"، لافتة إلى أن موسكو تحقق استفادة كبيرة على المستوى الجيو-استراتيجي، خاصة في ظل تراجع الضغط على الجبهة الأوكرانية، بالتزامن مع تصاعد أزمة مضيق هرمز وانشغال المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي وواشنطن بمحاولات معالجة أزمة الممر الملاحي وأزمة التجارة المرتبطة بالمضيق.
أما بالنسبة إلى الصين، فتشير ليلى همامي إلى وجود استفادة مباشرة من تداعيات الأزمة، ولا سيما في ظل اضطرابات أسواق النفط والغاز في المنطقة، موضحة أن هذه الظروف تتيح لبكين فرصة أكبر للترويج لمصادر الطاقة النظيفة، وبصفة خاصة الطاقة الشمسية، في إطار سعيها لتعزيز حضورها في أسواق الطاقة العالمية.
وتؤكد أن الصين تستفيد كذلك من دخول الولايات المتحدة في حرب استنزاف مع إيران، في مقابل احتفاظ بكين بقواتها وعتادها بعيدا عن هذا الاستنزاف العسكري، وهو ما يمنحها، من وجهة نظرها، قدرة أكبر على المناورة والتحرك على المستوى الدولي.
وتقول إن الصين تبحث، بالتوازي مع ذلك، عن شراكات وبدائل جديدة في المنطقة، في وقت تبحث فيه دول الخليج عن خيارات أخرى لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، مؤكدة أن هذا الوضع يتيح لبكين هامشا واسعا لتقديم إمكانات وشراكات دفاعية لهذه الدول، في وقت تواجه فيه واشنطن اختبارا صعبا لقدرتها على حماية حلفائها في المنطقة، رغم أن قرار بدء الحرب كان من جانب ترامب.
حرب واحدة وتأثير يمتد إلى سباق التسلح
تكشف أزمة المخزون الأمريكي، عن معضلة أوسع في الاستراتيجية العسكرية، وهي القدرة على خوض حرب مكثفة لا تعني بالضرورة القدرة على خوض حرب أخرى بالقوة ذاتها بعد فترة قصيرة، فالصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة ليست مخزونا يمكن تعويضه بين ليلة وضحاها، كما أن توسيع خطوط الإنتاج يحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة وسلاسل توريد مستقرة، ولهذا، فإن استنزاف المخزون في العملية العسكرية ضد إيران قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود الشرق الأوسط، لتصل إلى صلب المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا.
وبينما تسعى واشنطن إلى إعادة بناء مخزوناتها وتسريع إنتاج الأسلحة، تراقب بكين وموسكو هذه الفجوة عن كثب، ففي سباق التسلح مع روسيا والصين، لا تقاس القوة فقط بعدد الأسلحة الموجودة، وإنما أيضا بسرعة القدرة على إنتاجها وتعويضها، وهنا تكمن خطورة الفجوة الزمنية، أن تنتهي الحرب، بينما لا تنتهي آثار الاستنزاف معها.
الحفاظ على التفوق وتعدد مسارح الصراع
وفي قراءة روسية لتداعيات استنزاف المخزون العسكري الأمريكي، يرى دينيس كوركودينوف، الكاتب والباحث الروسي ورئيس مركز التحليل والتنبؤ السياسي الروسي، أن الحرب مع إيران لا تمثل بالنسبة إلى واشنطن مجرد اختبار عسكري في الشرق الأوسط، وإنما تكشف مشكلة أوسع تتعلق بقدرتها على الحفاظ على تفوقها في ظل تعدد مسارح الصراع.
ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن استنزاف الذخائر الأمريكية بهذا المعدل يفرض على واشنطن إعادة حساباتها في سباق التسليح مع روسيا والصين، لأن امتلاك ترسانة ضخمة على الورق لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الفعلية على خوض حرب طويلة ومكثفة.
ويضيف أن المشكلة الأكثر خطورة بالنسبة للولايات المتحدة لا تكمن في عدد الصواريخ التي أطلقتها خلال العمليات، وإنما في الوقت الذي تحتاجه الصناعة العسكرية لتعويض ما تم استهلاكه، موضحا أن الفجوة بين الاستهلاك السريع للذخائر ووتيرة إنتاجها قد تتحول إلى عامل استراتيجي تستفيد منه موسكو وبكين في إعادة تقييم ميزان القوة.
ويشير الباحث الروسي، إلى أن الحرب في إيران تجبر الولايات المتحدة على استهلاك موارد عسكرية كان من المفترض أن تبقى جزءا من احتياطاتها الاستراتيجية لمواجهة أزمات محتملة في أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يعني، أن كل شهر إضافي من القتال يفرض على واشنطن مفاضلة صعبة بين دعم عملياتها الحالية والحفاظ على جاهزيتها لمواجهة خصوم آخرين.
ويعتبر أن روسيا تراقب هذه التطورات من زاوية مختلفة عن الولايات المتحدة، قائلا إن موسكو لا تحتاج إلى استنزاف الترسانة الأمريكية بصورة مباشرة، بل يكفي أن يستمر الضغط على الولايات المتحدة في أكثر من مسرح حتى تصبح إعادة بناء مخزوناتها جزءا من معركة استراتيجية طويلة الأمد.
ويرى أن الأمر نفسه ينطبق على الصين، التي تراقب بدورها حجم الموارد العسكرية الأمريكية التي يجري تحويلها إلى الشرق الأوسط، موضحا أن إعادة نشر حاملات الطائرات والطائرات وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر بعيدا عن المحيطين الهندي والهادئ تمنح بكين فرصة لدراسة حدود قدرة واشنطن على إدارة أكثر من أزمة في الوقت نفسه.
ويقول كوركودينوف، إن سباق التسلح في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بمن يمتلك التكنولوجيا الأكثر تطورا، وإنما بمن يستطيع إنتاج الذخائر واستبدال المعدات المفقودة بالسرعة الكافية، مشيرا إلى أن الحرب مع إيران أظهرت أهمية القاعدة الصناعية العسكرية بقدر أهمية التفوق التكنولوجي.
ويضيف أن الولايات المتحدة تمتلك، رغم الاستنزاف، قاعدة صناعية ومالية ضخمة تمكنها من إعادة بناء جزء كبير من مخزوناتها، لكن إعادة ملء الترسانة لا يمكن أن تتم بالسرعة التي تُستهلك بها الذخائر في حرب عالية الكثافة، وهو ما يخلق نافذة زمنية تستفيد منها روسيا والصين لإعادة ترتيب أولوياتهما العسكرية.
ويحذر من أن استمرار واشنطن في إدارة حرب طويلة في الشرق الأوسط بالتوازي مع التزاماتها العسكرية في أوروبا وآسيا قد يحول أزمة المخزون إلى أزمة ردع، لأن الخصوم لا ينظرون فقط إلى القوة التي تستطيع الولايات المتحدة استخدامها اليوم، بل إلى قدرتها على الحفاظ على هذه القوة في حرب تستمر أشهرا أو سنوات.
وبحسب الباحث الروسي، فإن أهم نتيجة استراتيجية للحرب ليست عدد الصواريخ التي فقدتها الولايات المتحدة، وإنما الرسالة التي وصلت إلى موسكو وبكين، وهي أن واشنطن تستطيع تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، لكنها تواجه تحديا حقيقيا عندما يتطلب الأمر الحفاظ على معدل مرتفع من الاستهلاك لفترة طويلة.
ويقول إن روسيا والصين ستأخذان هذه التجربة في الاعتبار عند تطوير ترساناتهما وخططهما العسكرية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيرة والإنتاج واسع النطاق للذخائر منخفضة التكلفة، معتبرا أن الحرب مع إيران قد تدفع سباق التسلح العالمي من التركيز على التفوق النوعي إلى التركيز بصورة أكبر على القدرة على الإنتاج والاستمرار والتحمل.
استنزاف قدرات الجيوش الكبرى
قد يؤثر نقص المخزون أيضا على قدرة الجيش الأمريكي على خوض حرب مستقبلية محتملة مع بكين أو موسكو أو حتى بيونج يانج، وفقا لما ذكره خبراء لشبكة CNN، إلا أن توم واريك، نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي سابقا، يرى أن الجيش الروسي يتعرض لاستنزاف تدريجي في ساحة المعركة الأوكرانية، معتبرا أن استمرار الحرب يفرض كلفة متزايدة على القوات الروسية وقدرتها على الحفاظ على وتيرة العمليات.
أما في ما يتعلق بالصين وتايوان، فيوضح أن أي قرار صيني بغزو تايوان سيكون خطوة شديدة الخطورة، لأن نجاح أو فشل العملية لن تكون تداعياته عسكرية فقط، وإنما سياسية أيضا، لافتا إلى أن فشل أي غزو للعاصمة تايبيه، قد تكون له تداعيات داخلية كبيرة على القيادة الصينية، وقد يصل الأمر إلى تهديد موقع الرئاسة ذاته.
ويربط بين ثلاث حقائق تفرضها حروب اليوم، وهي القدرة على تعويض الذخائر بسرعة، والتوسع الهائل في استخدام الطائرات المسيرة، والمخاطر السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تترتب على فشل العمليات العسكرية الكبرى، خاصة أن الحرب الحديثة، لم تعد اختبارا للتكنولوجيا العسكرية وحدها، وإنما اختبار لقدرة الدول على الاستمرار في القتال، وإنتاج ما تستهلكه، والتكيف سريعا مع أدوات الحرب الجديدة.
إعادة تعريف مفهوم التفوق
استنزاف بعض المخزونات الأمريكية لا يعني تراجع التفوق العسكري لواشنطن أو اقترابها من فقدان قدرتها القتالية، فالولايات المتحدة ما زالت صاحبة أكبر إنفاق عسكري في العالم وقاعدة صناعية وتكنولوجية هائلة، لكنه يفرض عليها إعادة تعريف مفهوم التفوق، لم يعد كافيا امتلاك أكثر الأسلحة تطورا، بل أصبح التحدي هو إنتاجها بأعداد كبيرة، وتعويضها بسرعة، والاحتفاظ بمخزون استراتيجي يسمح بخوض حرب ممتدة من دون أن تضطر واشنطن إلى الاختيار بين حماية الشرق الأوسط والدفاع عن أوروبا أو الردع في مواجهة الصين.
وتعتبر نسمة عبد النبي أن أخطر ما في مسألة استنزاف المخزونات لا يرتبط بالحرب الحالية فقط، وإنما بما يمكن أن يحدث إذا اندلعت أزمة جديدة في مسرح آخر، قائلة : "الصين وروسيا هما الاختبار الحقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الردع العالمي، فإذا اضطرت واشنطن إلى استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الدفاعية في الشرق الأوسط، ثم واجهت أزمة في أوروبا أو المحيط الهادئ، فإن السؤال سيكون: هل لديها مخزون كاف للدخول في مواجهة ثانية من دون فترة إعادة تسليح طويلة؟".
وتشير إلى أن أي خصم استراتيجي يراقب ليس فقط عدد السفن والطائرات والقواعد الأمريكية، وإنما أيضا عمق المخزون من الذخائر وقدرة الصناعة العسكرية على تعويض الاستهلاك، رافضة تصوير الوضع باعتباره انهيارا للقدرة العسكرية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تحذر من التقليل من شأن مؤشرات الاستنزاف.
وتقول: "الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر عالميا، وتمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية ومالية هائلة، لذلك لا أتحدث عن انهيار في الترسانة الأمريكية، وإنما عن تراجع في هامش الأمان الاستراتيجي لبعض أنواع الذخائر إذا استمرت وتيرة الاستخدام المرتفعة."
يمكن أن تتحول حرب إيران إلى محطة فاصلة في سباق التسلح بين القوى الكبرى، حيث ستدفع واشنطن إلى إعادة بناء مخزوناتها وتوسيع قدراتها الإنتاجية، بينما تمنح موسكو وبكين فرصة لدراسة أنماط الاستهلاك الأمريكي، وتحديد نقاط الضغط في منظومة الدفاع الصاروخي والذخائر بعيدة المدى، وتطوير استراتيجيات تستند إلى استنزاف الخصم لا إلى مواجهته فقط، وبذلك يصبح "مخزون الصواريخ" نفسه جزءا من معادلة الردع، وأحد أهم ميادين سباق التسلح الأمريكي الروسي الصيني في السنوات المقبلة.