نواصل سلسلة مقدمات الكتب، ونتوقف اليوم مع كتاب "خرافة العقل" للكاتب الدكتور منصور الجنادي، والصادر عن دار العين للنشر والتوزيع.
وجاء فى مقدمة الكتاب
هل العقل خرافة؟
طَرْح السؤال عما إذا كان "العقل" خرافة أم لا، قد يبدو شططًا أو مبالغة، إن لم يَعدُّه البعض إهانة لأنفسنا، نحن البشر، فكيف للعقل أن يكون خرافة والمثل الشعبي يقول "العقل زينة"؟ أليس العقل هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، ويسمو بالبشر فوق جميع الكائنات؟
الغرض من طرح قضية خرافة العقل في هذا الكتاب، ليس هجومًا على العقل ولا انتقاصًا من شأنه، وإنما الاقتراب بقدر الإمكان من حقيقته، حقيقته التي تجهلها الغالبية العظمى من البشر، خاصة في عالمنا العربي، ويتسبب لها في مشاكل لا حصر لها.
بَذْل قليل من الجهد للتعرف على حقيقة عقولنا، أو الاستمرار فيما نحن عليه، لن يصنع الفارق بين النجاح والفشل في المستقبل فحسب، بل هذا هو ما حدث بالفعل في العقود القليلة الماضية، وسيتضاعف في السنوات القادمة.
من درسوا العقل وكشفوا أسراره، ووعوا بضيق أفقه، وخرافاته، يسيطرون على العالم اليوم، بالذكاء الاصطناعي، والـ "بج داتا" و"الموبايل"، على سبيل المثال لا الحصر، أما من لم ينتبهوا إلى علاقة العقل بالذكاء والغرائز والأساطير والخرافات، إلخ، فهم الخاسرون؛ تكنولوجياً، وحربياً، واقتصادياً، لقد بدأت بالفعل عملية استعمار عقولهم، قبل أراضيهم.
ربما لا نبالغ إن قلنا إن قضية فهم العقل البشري، وكيفية تعامله مع البيئة والتكنولوجيا، قد تصبح قضية وجودية مصيرية للبشرية على الكرة الأرضية والتكنولوجيا القادمة. على الأقل، سيكون لفهم العقل وإعادة توظيفه، في ظل الظروف الجديدة، تأثير بالغ على صحتنا النفسية والجسمانية، على المستوى الفردي، والأُسري، والوظيفي؛ وبالتالي على إنتاجية المجتمع، وقدراته التنافسية، والاقتصادية، والسياسية.
لماذا وكيف؟ هذا هو ما يشرحه هذا الكتاب، أملاً في المساهمة، مساهمة متواضعة، في حياةٍ أكثر سعادةً رغم تحديات العصر المتفاقمة.
بعنوان: "نوم العقل يوقظ الوحوش"، رسم الفنان الإسباني فرانسيسكو دي جويا، في نهاية القرن الثامن عشر، لوحة (بورتريه شخصي)، يبدو فيها نائماً على منضدة، بينما تحوم حوله الخفافيش (رمز الجهل)، والبوم (رمز الغباء).
فَسَّر البعض اللوحة على أنها تذكير بتبعات نوم العقل، وغياب الحكمة والمنطق. ولكن رآها آخرون تعبيراً من الفنان جويا عن روح عصره، ومبادئ الثورة الفرنسية، وميلها إلى الرومانسية، وذَوْداً عن حق الإنسان في إطلاق العنان لخياله وعواطفه، والتعبير عن كل ما يراوده، حتى الكوابيس.
هكذا كان العقل البشري دائماً: تلازم فيه الواقع والخيال، جنباً إلى جنب؛ الحكمة والهراء في ذات الوقت، العلم والخرافة.
أي جانب من جوانب العقل، كان له الغلبة في فكر وسلوك الإنسان حتى الآن؟ جانبه العقلاني أم الأحمق؟
وفي كل الأحوال، من أين، ولماذا، وكيف تسود العقلانية أو اللاعقلانية؟ أسئلة قد تبدو بعيدة عن اهتماماتنا اليومية، ولكن أهميتها تكمن في أن المستقبل (بل الحاضر ذاته) يتحول تحولات ضخمة ومتسارعة، تختلف معها حياتنا اختلافاً نوعياً يتطلب مواجهة تلك الأسئلة والإجابة عنها. هل نحن بحاجة إلى ذهن جديد، وما هو؟
بمقالات سهلة بسيطة موجهة للقارئ غير المتخصص، وبأسلوب قريب من حياتنا اليومية، حاولنا الإجابة عن تلك الأسئلة، دون الإخلال بأبعادها العلمية المتعددة. لذلك استخدمنا مقالات سبق نشرها (لنفس المؤلف) بجريدة المصري اليوم، أضفنا إليها في بعض الأحيان خلاصات بداخل إطار مستطيل؛ من أجل إيضاح المضمون وربطه بالسياق العام، وبالرسالة التي يهدف الكتاب إلى نشرها.
الكتاب مقسم إلى أربعة أبواب، بالعناوين التالية:
1. تحضرنا، وزاد القلق
2. العقل؟ أين هو؟
3. علوم الذهن
4. أذهان المستقبل
يتضمن الباب الأول تقريرين صدرا عن جامعة هارفارد والأمم المتحدة، ولكنهما يمثلان مفارقة يتسم بها عصرنا الحالي (العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين)، وهي أن البشرية قد تحضرت كثيرًا، ومع ذلك فالقلق من المستقبل زاد وتنامى.
لماذا يحدث ذلك؟ هل لطبيعة في البشر تدفعه إلى المخاطر؟ أم لنقص في عقل الإنسان، أم لأسباب أخرى؟
في الباب الثاني من الكتاب، سنستعرض تاريخ البشرية، أملاً في الإجابة عن تلك الأسئلة. وسنعيد النظر في أسلوب حياتنا الفردية والاجتماعية، وفي كيفية تعاملنا مع الطبيعة والتكنولوجيا.
أما في الباب الثالث فسنطلب العون من العلوم المتخصصة في دراسة العقل، لعلها تخبرنا، هل نتحضر فعلاً؟ وإن تحضرنا فلماذا يزداد القلق إذاً؟ ما دور العقل في صناعة التاريخ، وهل نصنع التاريخ بعقلانية أم برعونة؟ هنا نتعرف على وجهات النظر الفلسفية، والنفسية، واللغوية، والعصبية، والأنثروبولوجية، وجميعها يسميها الغرب sciences of mind؛ أي علوم الذهن.
في هذا الباب سنكتشف (ضمن أشياء أخرى) أن التسمية مهمة، وليست أمرًا ثانويًا؛ ولذلك فلن نستخدم كلمة "عقل" في الجزء الباقي من الكتاب، وإنما سنستعيض عنها بكلمة "الذهن" لأسباب تم شرحها بالتفصيل.
وبعد أن حاولنا تشخیص الحياة في العصر الحالي (الباب الأول)، واستعرضنا هَنَات العقل وزلاته في الباب الثاني، وتعرفنا على تفسيرات علوم الذهن في الباب الثالث، سنتجه في الباب الرابع والأخير إلى المستقبل.
ماذا ستكون سمات المستقبل كما يتوقعها الخبراء؟ وبأي أذهان يمكن للإنسان عامة، والعربي بصفة خاصة، أن يأمل في مستقبل أفضل، في ظل تحديات الذكاء الاصطناعي، وغباء الإنسان في التعامل مع الطبيعة؟
.jpeg)
خرافة العقل
.jpeg)
خرافة العقل