شحاتة زكريا

ماذا يفعل النصر حين لا يتحول إلى وعي؟

الإثنين، 19 أكتوبر 2026 12:00 ص


تعال نتفق بلا مبالغات إنشائية وبلا شعارات مكررة تستهلك نفسها كلما أقبلت ذكرى أكتوبر الأجيال التي لم تعصر مرارة الهزيمة ولم تكتوِ بنار انكسار السويس ولا رأت طوابير النزوح والتهجير لا تنظر إلى السابع من أكتوبر بعيون من خاضوه. بالنسبة لهم هو تاريخ في كتاب المدرسة.أو لقطات أرشيفية بالأبيض والأسود تعرض على الشاشات ثم تُطوى أو أغنية وطنية حماسية تعبر الأذن وتزول. هذه ليست تهمة نجهر بها ضد شبابنا بل هي حقيقة جغرافية وزمنية علينا أن نعترف بها إن أردنا أن نبحث عن علاج حقيقي لفتور الذاكرة.

المشكلة الحقيقية والوجع الذي ينبغي أن يؤرق كل كاتب ومسؤول ومربي ليس في أن تنسى الناس تفاصيل معركة خاضها الآباء فكل جيل له لغته وأسئلته بل المشكلة أن يتحول النصر العظيم إلى مجرد طقس سنوي نردده في المناسبات ثم نغادر القاعات دون أن نطرح السؤال الأهم على أنفسنا: ماذا تعلمنا منها؟ وماذا بقي حقا في عقولنا ووعينا من تجربة غيرت مسار وطن وكتبت بدماء أبنائها فصلا استثنائيا في تاريخ الإنسانية؟ حين نقف اليوم أمام ذكرى انتصارات أكتوبر نحن لا نحتاج حقا إلى حبر جديد يُضاف إلى سجل المجد فالمجد كتبه أبطاله بدمائهم على الرمال وتحت دوي القناع بل نحتاج إلى اكتشاف المعنى الفعلي الذي يجعل ذلك المجد حيا في حاضرنا  نابضا في سلوكنا اليومي.

فالأوطان لا تعيش أبدا على أمجاد الماضي وحدها مهما بلغت عظمتها وإنما تستمد من جذور تاريخها القدرة الناجزة على فهم حاضرها المعقد والاستعداد لغدها الغامض. وهنا تحديدا يبرز السؤال الصادم الذي يضعنا وجها لوجه أمام الحقيقة ماذا يفعل النصر حين لا يتحول إلى وعي؟
لقد كانت حرب أكتوبر أكبر بكثير من مجرد عبور هندسي لقناة السويس وأكبر من تحطيم خط بارليف المنيع واستعادة حبات التراب الغالية. كانت في جوهرها مدرسة كبرى في الإرادة الصلبة والتخطيط العلمي المحكم والعمل الجماعي الذي ألغى الفوارق الفردية. كانت دليلا قاطعا على قدرة الإنسان المصري على كسر قيد الاستحالة متى توافرت الرؤية والتحمت الإمكانات بالإصرار الصادق وأصبحت مصلحة الوطن أعلى من أي حسابات شخصية ضيقة. لم يكن الطريق مفروشًا بالورود ولم يأتِ النصر من فراغ أو مصادفة، بل سبقته سنوات طويلة من القهر الصامت.وإعادة البناء المرير والتضحيات التي لم تكن تعرف طريقا مختصرا أو يأسًا مؤقتا. لكن قيمة التجارب الكبرى في تاريخ الأمم لا تقاس مطلقا بما حققته في لحظة الانفجار العسكري وحدها بل بما تتركه من أثر عميق في عقل وسلوك الأجيال القادمة. وهنا تكمن مسؤوليتنا الثقيلة اليوم أن ننتقل بجدارة من مرحلة الاحتفال الانفعالي بالنصر إلى مرحلة فهمه واستيعابه ومن مجرد استدعاء صوره البصرية إلى هضم أسبابه العميقة ومن ترديد الشعارات الحماسية إلى تحويل دروسه الباسلة إلى ثقافة عمل وميزان أخلاقي يحكم اختياراتنا اليومية وطريقتنا في اتخاذ القرار.


ألم تلاحظ معي أننا نعيش اليوم في زمن رقمي عجيب؟ زمن يستطيع فيه مقطع فيديو قصير لا يتعدى ثوانيا معدودة أن يختصر حدثا تاريخيا ضخما وتستطيع فيه معلومة ناقصة ومسمومة أن تزاحم حقيقة موثقة؟ زمن تتحول فيه الشائعة لمجرد تكرارها البليد إلى مسلمة يتعامل معها البعض كأنها قرآن نزِل من السماء! في هذا المناخ الرقمي الشرس، لا يكفي أبدا أن نقف على منابرنا لنطالب الشباب بالتمسك بتاريخهم وتقديس أبطالهم بلهجة أمرة لا تفهم عقولهم. ما نحتاجه حقا هو أن نمنحهم الأدوات الحقيقية التي تعينهم على فهم هذا التاريخ بأنفسنا وأن نفتح على مصراعيها أبواب السؤال والمناقشة والبحث النقدي بعيدا عن لغة التلقين والإجابات الجاهزة المعلبة التي تقتل روح الفضول والبحث. الشاب الذي يجرؤ على أن يسأل بشجاعة عن أسباب الهزيمة قبل النصر وعن الكواليس القاسية والظروف الاقتصادية والسياسية التي سبقت الحرب لا ينتقص أبدا من قدرة الأبطال أو عظمة النصر بل على العكس تماما إنه يمنح النصر فرصة جديدة للحياة الحقيقية داخل عقله ووجدانه. التاريخ الذي يجيب عن أسئلة الشباب بلا خوف وبلا تابوهات يظل حيا متوهجا أما التاريخ الذي يُطلب من الناس ترديده كالببغاوات دون فهم أو وعي حقيقي فيتحول بمرور الأيام إلى كلمات ميتة لا تصنع وعيًا ولا تغير سلوكا ولا تحمي وطنا. ومن هنا تتسع رقعة المسؤولية فهي ليست بضاعة تخص المدرسة وحدها ولا تقع كاملة على عاتق الإعلام أو الأسرة بشكل منفرد. إنها شبكة مسؤولية مجتمعية متكاملة تبدأ من جدران البيت حيث يتعلم الأبناء معنى الانتماء والكرامة من سلوك الأب والأم قبل كلماتهم المعسولة وتمتد إلى المدرسة التي يجب أن تفطم عقول الصغار عن الحفظ الأصم وتدربهم على التفكير النقدي وصولا إلى الإعلام الذي بات مطالبا بالفرز الشجاع بين الحقيقة والتضليل لا مجرد اجترار القوالب القديمة.


بناء الوعي لا يعني أبدا أن نصطف جميعا في طابور واحد لنفكر بالعقل ذاته، أو أن نغلق الأبواب في وجه الاختلاف والنقاش الرشيد.
الوعي الحقيقي لا يرتجف من السؤال المشكك والانتماء الصادق لا يحتاج أبدا إلى تعطيل طاقات العقل البشري. المجتمع الذي يفهم تاريخه بعمق وبصيرة هو وحده القادر على صيانة حقائقه من عبث العابثين ومواجهة طوفان التزييف والتشويه لأنه يمتلك سلاح المعرفة والتمييز لا مجرد الحماسة العاطفية المؤقتة التي تشتعل برد فعل سريع وتنطفئ مع أول هبوب ريح. الدرس الأبقى في ملحمة أكتوبر لا يتعلق بالماضي وحده كدفتر قديم نقلبه بل يتعلق بكيفية تحويل الإرادة الإنسانية إلى نتائج ملموسة على الأرض. فكما احتاج النصر إلى تخطيط علمي وإعداد عسكري وتضحيات جسيمة يحتاج بناء مستقبل هذا الوطن اليوم إلى عمل جاد بلا هوادة وإتقان حقيقي في كل مواقع الإنتاج واحترام صارم للقانون وإحساس يقظ بالمسؤولية الفردية والعامة وقدرة شجاعة على الاعتراف بمشكلاتنا ومواجهتها بدل الهروب منها. لا يمكن أبدا أن نتغنى بقيمة العمل الجماعي في حرب أكتوبر ثم ندير ظهورنا لنتعامل مع واجباتنا الوظيفية والوطنية اليومية باعتبارها شأنا لا يخصنا! إن حب الوطن ليس خفقة قلب عاطفية تنتهي بانتهاء سهرة الاحتفال بل هو تكليف يومي وثقيل يظهر بوضوح في موظف بسيط يؤدي عمله بأمانة ومراقبة ضمير ومعلم مخلص يمنح تلاميذه فرصة حقيقية للفهم والإبداع وصحفي شجاع يتحرى الحقيقة قبل طبع الكلمة وشاب يرفض بوعيه أن يكون مجرد أداة طيعة لتحريك الشائعات ومسؤول يدرك جيدا أن ثقة المواطن لا تُشترى بالخطب المرتجلة بل تبنى بالإنجاز والعدل وحسن الاستجابة لأوجاع الناس. وهنا ربما تجدر بنا المصارحة هل نجحنا حقًا في جعل هذا التاريخ المجيد جزءًا من تفاصيل حياة أبنائنا اليومية أم أننا اكتفينا باستدعائه على استحياء في المناسبات الرسمية ثم أعدناه إلى الرفوف المظلمة؟ هل قدمنا لهم الحقائق بلا تجميل مبالغ فيه وبلا لغة خشبية تجعلهم قادرين على الدفاع عن ذاكرتهم الوطنية بالحجة والفهم؟ إن النصر الذي لا يتجسد وعيا حيا في عقول الأجيال يبقى مجرد صفحة مضيئة في كتاب باهت يفقد تدريجيا قدرته السحرية على التأثير في صياغة الحاضر. أما النصر الذي نفهم أسبابه بدقة ونستوعب ثمنه الباهظ ونستخرج منه دروس الإرادة والصبر فإنه يتحول حتمًا إلى طاقة متجددة تشتعل مع كل ميلاد جيل جديد. أكتوبر لم يكن مجرد يوم عبور انتصر فيه المصريون العظماء بل كان تجربة تاريخية فريدة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الشعوب الحية تستطيع أن تنهض من تحت ركام الهزيمة حين تعرف ماذا تريد وتستعد بحزم لما تواجه وتؤمن بيقين أن المستقبل لا يُمنح هدية للمنتظرين بل ينتزعه العاملون بجهدهم وعرقهم. والسؤال الباقي حين تنطفئ أضواء الاحتفالات الرسمية وتعود الحياة إلى إيقاعها العادي: كم مرة استطعنا أن نجعل من هذه الحكاية سببًا لفهم أعمق وعمل أفضل ومسؤولية أكبر؟ الأوطان لا تخسر تاريخها أبدا حين تقل الاحتفالات التي تستدعيه لكنها تخسره تماما يوم تعجز عن تحويله إلى وعي نابض يحمي حاضرها ويمنح أبناءها القدرة الفذة على صناعة مستقبل يليق حقا بتضحيات من ساروا على الدرب قبلنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة