مها عبد القادر

وثيقة استشراف الدولة: حسم الاستحقاق الدستوري ومأسسة القيادة

الأحد، 18 أكتوبر 2026 02:25 م


في خطابٍ تاريخي جامع حمل أبعاد المكاشفة السياسية والاستشراف الاستراتيجي، رسم فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي من رحاب الأكاديمية العسكرية المصرية، وبالتزامن مع الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر المجيد وبحضور كوكبة من قادة النصر يتقدمهم الفريق مجدي حتاتة، ملامح مرحلةٍ مفصلية في تاريخ الجمهورية؛ إذ وضع الرئيس نقاط الحسم فوق حروف الجدل الدائر حول مستقبل السلطة التنفيذية، معلناً بلهجةٍ قاطعة لا تقبل التأويل أن الدستور المصري لن يُمَس كما أكد من قبل في أكاديمية الشرطة والندوة التثقيفية للقوات المسلحة، وأن عام 2030 يمثل النهاية الحتمية لمدة رئاسته، ليغلق بذلك الباب نهائياً أمام أي تكهنات أو مزايدات سياسية تتحدث عن تعديل دستوري أو تمديد للولاية الحاكمة.


ولم يكتفِ الرئيس بإعلان هذا الموقف كقرارٍ إجرائي، بل كشف عن كواليس حواره الصريح في أكاديمية الشرطة مع الإعلاميين نشأت الديهي ومصطفى بكري، اللذين تساءلا بدافع القلق على استقرار البلاد عن مدى الاطمئنان لسلامة هذا المسار، بل وناشده بكري عدم الخوض علناً في هذا الملف حفاظاً على تماسك الدولة؛ غير أن الرئيس آثر المصارحة المباشرة للشعب قبل نحو ثلاثة وأربعين شهراً من انتهاء ولايته، مؤكداً أن عظمة الدولة المصرية تأبى الاختزال في شخص، وأن الحديث المغرض عن تجهيز أحد من أهله أو أقاربه أمر لا يليق بدولة كبرى ليست عقيمة، فهي ولّادة وزاخرة بأبنائها القادرين على إفراز من يفوقه كفاءة وقدرة بمئة مرة متى توفرت لهم بيئة التأهيل العلمي والعملي.
وانطلاقاً من هذا اليقين بخصوبة التربة الوطنية، انتقل الخطاب الرئاسي من تثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة إلى الإعلان عن مشروعٍ مؤسسي متكامل لصناعة النخبة القيادية، يستهدف تجفيف منابع العشوائية والارتجال في إدارة شؤون البلاد؛ حيث كشف الرئيس عن تشكيل آلية وطنية رفيعة المستوى يترأسها رئيس مجلس النواب، وتضم في عضويتها وزيري التعليم العالي والعدل إلى جانب نخبة من المفكرين الموثوقين والسياسيين، لتتولى صياغة تشريعٍ دقيق ووضع معايير موضوعية متجردة لا تعرف المجاملة أو المحاباة، تنظم اختيار وانتخاب ما بين مائتين إلى ألف كادر من حملة درجات الماجستير والدكتوراه المتخرجين في أعرق الجامعات المصرية ضمن الفئة العمرية الممتدة بين أربعين وخمسين عاماً.
وتقضي هذه الرؤية الاستراتيجية بإخضاع المرشحين الذين يجتازون اختبارات القبول لبرنامجٍ تأهيلي مكثف داخل الأكاديمية العسكرية يستغرق ثلاثين شهراً، بواقع يتجاوز سبعة آلاف وخمسمائة ساعة تدريبية، تتكفل القوات المسلحة بسداد كامل نفقاته مهما بلغت تكلفته التي قد تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة ملايين جنيه للفرد سنوياً لعدد يتراوح بين أربعمائة وستمائة متدرب، وذلك في إطار دورها الوطني لحماية مقدرات البلاد؛ ولا يقتصر هذا الإعداد على تأهيل مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية يتاح للشعب انتخابهم بحرية، ولكن يمتد ليشمل تفريخ قيادات الصف الأول في مختلف التخصصات من وزراء ونوابهم ومحافظين ونوابهم ورؤساء المؤسسات الحيوية، مع إقرار استثناءٍ واضح يعفي كل من أمضى ست سنوات فأكثر داخل العمل الوزاري من هذا الشرط، نظير ما اكتسبه من خبرةٍ عملية تؤهله لتحمل أعباء الحقائب السيادية أو رئاسة الحكومة دون مغامرةٍ بالتجريب أو التعلم في مصالح المواطنين.
وقد ربط الرئيس هذا المشروع التأهيلي العابر للأجيال بوازعٍ ديني وأخلاقي، معلناً أمام المصريين أنه يتحمل هذه المسؤولية التاريخية استعداداً للوقوف بين يدي الله عز وجل يوم القيامة حين يسأل عما قدمه لتجهيز رجالٍ أمناء يحملون أمانة الوطن من بعده، ومطالباً الشعب بدعم هذا المسار لا لعشر سنواتٍ مقبلة فحسب بل كنهجٍ دائم؛ ولتقريب مفهوم فقه الدولة إلى الأذهان، ضرب الرئيس مثلاً بملف توفير رغيف الخبز اليومي، موضحاً أن وصوله إلى مائدة المواطن منظومةٌ معقدة تتكامل فيها جهود وزارات وهيئات وجهات متعددة، لو تعثرت تروسها لحظةً واحدة لافتقد الناس قوت يومهم، مما يحتم التوقف الفوري عن الانخداع بأصحاب الخطابات المنمقة الذين يجيدون الحديث دون إدراك لماهية الدولة، حتى لا يقفز غير المؤهلين إلى سدة الحكم فيصطدموا بدولة تضم مائة وعشرة ملايين نسمة ويدفعوا بها نحو الهاوية.
وفي سياق تحصين الكيان الوطني ضد مخاطر الاختراق أو العبث السياسي، استند الخطاب الرئاسي إلى المرجعية الدستورية التي أصر الرئيس على تثبيتها إبان نقاشات لجنة صياغة دستور عام 2014، والتي تنص صراحةً على أن القوات المسلحة ملك للشعب، تنفرد وحدها بمهمة حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية والحريات الفردية والمقومات الأساسية للدولة، مع الحظر المطلق لإنشاء أي تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية موازية؛ ومن فوق هذه الأرضية الدستورية الصلبة، بعث الرئيس برسالة ردعٍ حاسمة مفادها أنه لن يُسمح تحت أي ظرف بتسليم البلاد لأي مغرضٍ أو خائنٍ أو مجرم، مشيراً بلهجةٍ ذات مغزى إلى أن ما يطويه في صدره من حقائق وتقديرات يفوق بكثير ما يعلنه، بحكم تجربته الوطنية الممتدة لسنوات طويلة تسبق أحداث عام 2011.
واستدعى الرئيس شواهد التاريخ القريب لتبرئة ساحة المؤسسة العسكرية ورجالها الشرفاء من حملات التشويه الممنهجة، ودحض محاولات الوقيعة بين الجيش والشرطة والشعب، وتبصير الأجيال بفاتورة الفوضى الباهظة، واستعرض في هذا السياق كيف عهد الرئيس الراحل حسني مبارك عام 1991 إلى المشير الراحل حسين طنطاوي بمهمة تأسيس ركائز اقتصادية داخل وزارة الدفاع تحسباً للتحديات المحتملة؛ فثابر المشير طنطاوي طيلة اثنين وعشرين عاماً على انتهاج سياسة تقشفية صارمة شملت ترشيد النفقات والأجور على الرغم مما اقترن بها من مشقة وضيق، وحين عصفت بالبلاد أحداث عام 2011 وما أعقبها من احتجاجات وإضرابات واعتصامات وخراب كبّد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة ناهزت أربعمائة وخمسين مليار دولار وأفرغ الخزانة العامة، بادر المشير طنطاوي وأعضاء المجلس العسكري، بدافعٍ من الوطنية الخالصة والتجرد، إلى ضخ ثمانين مليار جنيه بعلم وزارة المالية، إنقاذاً للدولة في أحلك ظروفها.
واختتم الرئيس السيسي مكاشفته التاريخية بصفحةٍ ناصعة من الوفاء العربي وإعلان العقيدة الدفاعية المشتركة، مستعيداً اللحظة الحرجة عقب تحرك عام 2013 حين انكمش الاقتصاد وشحّ الوقود، مؤكداً أنه لولا عناية الله سبحانه وتعالى ثم الوقفة التاريخية للأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، وتدفق سفن البترول والغاز والبوتاجاز والقمح إلى الموانئ المصرية بلا حساب، لما عرفت الدولة كيف تدبر معيشة أبنائها اليومية ووقود مركباتهم؛ وإزاء هذا الجميل المحفور في الذاكرة الوطنية، وجه الرئيس قائد طابور العرض العسكري بأداء التحية العسكرية الرسمية بالسلاح والسلام لأشقاء الخليج، موجهاً عتاباً شديد اللهجة لمن ينساقون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وراء حملات النسيان والإساءة غير اللائقة، قبل أن يعلن للعالم أجمع أن مصر، التي لا تبحث عن دورٍ استعراضي وتدعو بصدقٍ إلى إطفاء نيران الحرب والاقتتال الإقليمي الراهن، لن تسمح أبداً بالمساس بأمن المملكة العربية السعودية أو استقرارها، وموجهاً الدعوة إلى البرلمان المصري للانعقاد في جلسةٍ طارئة لمنح التفويض الدستوري اللازم لتنفيذ أي إجراءٍ دفاعي لحماية الأراضي السعودية والدفاع عنها متى طلبت قيادتها ممثلةً في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان ذلك، تأكيداً لأن أمن الخليج خطٌ أحمر لا تهاون في الذود عنه.
جاءت كلمة الرئيس السيسي في رحاب الأكاديمية العسكرية بمثابة وثيقة دولة متكاملة الأركان، ترسم بوضوح معالم الجمهورية في حاضرها ومستقبلها؛ فهي تبدأ من الداخل بتقديس الدستور وإعلاء مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتمر عبر بناء الإنسان ومأسسة صناعة القرار السياسي والتنفيذي بمنأى عن الارتجال والمغامرة، وتستند إلى جيش وطني شريف يصون الشرعية ويحمي مقدرات الشعب، لتكتمل حلقاتها في الخارج بوفاء عربي أصيل يضع أمن المملكة العربية السعودية والخليج العربي في قلب عقيدة الدفاع المصرية، فالكلمة في جوهرها، خارطة طريق عابرة للأشخاص والفترات الرئاسية، عنوانها الأسمى أن مصر دولة مؤسسات راسخة، تعرف قدر رجالها، وتحفظ عهد أشقائها، وتمتلك من الوعي والقوة ما يصون حاضرها ويؤمّن مستقبل أجيالها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة