حسين عبد البصير

حقوق المرأة التي عرفتها مصر القديمة قبل العصر الحديث

الأحد، 18 أكتوبر 2026 03:43 م


حين نتحدث اليوم عن حقوق المرأة، نميل إلى النظر إليها باعتبارها ثمرة نضال حديث بدأ منذ قرنين أو ثلاثة، مع ظهور الدولة الحديثة والقوانين المدنية والحركات النسوية، وهذا صحيح إلى حد كبير في كثير من المجتمعات، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا حين نعود إلى مصر القديمة.

هناك، على ضفاف النيل، قبل آلاف السنين، نجد امرأة لا تظهر فقط في صورة الأم أو الزوجة، وإنما تظهر أيضًا بوصفها صاحبة مال، ومالكة عقار، ومتعاقدة، ومقاضية، وشريكة في الحياة الاقتصادية، وقادرة على إنهاء زواجها، بل والوصول إلى القضاء للمطالبة بحقوقها.

وهذه ليست صورة صنعتها المخيلة الحديثة عن المرأة المصرية القديمة، وإنما تكشفها الوثائق القانونية والبرديات والعقود التي وصلت إلينا.

أهم ما يلفت النظر أن المرأة المصرية القديمة امتلكت شخصية قانونية مستقلة. كانت تستطيع أن تمتلك العقارات والأراضي والمواشي والأشياء المنقولة، وأن تتصرف فيها بالبيع والشراء والهبة والإرث. ولم تكن ملكيتها تنتقل تلقائيًا إلى زوجها بمجرد الزواج. كانت لها ذمة مالية تستطيع أن تديرها بنفسها.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للدهشة.

ففكرة استقلال المرأة ماليًا وقانونيًا، التي تبدو اليوم جزءًا طبيعيًا من مفهوم المواطنة الحديثة، كانت لها جذور بعيدة في المجتمع المصري القديم. المرأة المتزوجة لم تكن مجرد تابع قانوني للرجل. كانت تستطيع أن تدخل في معاملات، وأن تملك وتبيع، وأن تلجأ إلى القضاء لحماية مصالحها.

وكان هذا الاستقلال يظهر بوضوح في الزواج.

فالزواج في مصر القديمة لم يكن بالضرورة علاقة تجعل المرأة تحت وصاية زوجها. كانت العقود تنظم الحقوق والالتزامات الاقتصادية بين الطرفين، وتحفظ للمرأة حقوقها في حال انتهاء العلاقة. وتشير الوثائق إلى أن المرأة كانت تستطيع أن تنهي الزواج، كما كان بإمكان الرجل أيضًا إنهاؤه، مع ترتيبات مالية تترتب على الانفصال.

والأكثر أهمية أن الطلاق لم يكن يعني سقوط المرأة اقتصاديًا.

كانت هناك وثائق طلاق مكتوبة، وكان بإمكان المرأة بعد انتهاء الزواج أن تتزوج مرة أخرى. كما تضمنت بعض عقود الزواج شروطًا مالية لحماية الزوجة إذا وقع الانفصال. وتكشف إحدى الوثائق المتأخرة عن التزام الزوج بتوفير موارد سنوية لطليقته بعد انتهاء الزواج.

نحن هنا أمام فكرة تبدو حديثة جدًا: أن انتهاء الزواج لا يعني بالضرورة سقوط الحقوق الاقتصادية لأحد الطرفين.

أما الميراث، فكان مجالًا آخر ظهرت فيه قدرة المرأة على امتلاك الثروة والتصرف فيها. وتوضح الوثائق القانونية أن النساء كن يرثن الممتلكات، ويحتفظن بها، ويدرنها بصورة مستقلة. كما كان بإمكان المرأة أن تتلقى الممتلكات من والديها أو زوجها أو غيرهما، ثم تتصرف فيها باعتبارها صاحبة الحق فيها.

واللافت أن المرأة لم تكن بعيدة عن القضاء.

كانت تستطيع رفع الدعاوى أمام المحاكم، والدفاع عن مصالحها، والمطالبة بممتلكاتها. وتقدم البرديات حالات لنساء لجأن إلى القضاء من أجل استرداد حقوق أو حماية ملكياتهن. وهذا يعني أن المرأة لم تكن فقط موضوعًا للحماية القانونية، وإنما كانت شخصًا يستطيع استخدام القانون بنفسه.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في تاريخ المرأة.

فالحق لا يكتمل بمجرد وجود نص يحمي الإنسان. الحق يصبح فعليًا عندما يستطيع صاحبه أن يذهب إلى مؤسسة القانون ويطالب به.

ولم تتوقف المسألة عند الملكية والقضاء.

عرفت مصر القديمة نساء عملن في مجالات متعددة، وظهرت منهن الطبيبات والكاتبات والكاهنات وصاحبات المناصب الإدارية، كما ظهرت نساء امتلكن نفوذًا دينيًا وسياسيًا كبيرًا. وتذكر المادة المرفقة أسماء مثل بسشيت، التي ارتبط اسمها بالطب في عصر الدولة القديمة، ونبت التي ارتبطت بمنصب قضائي، إلى جانب نساء وصلن إلى أعلى قمة في هرم السلطة السياسية مثل حتشبسوت.

لكن علينا أن نتوقف هنا أمام حقيقة مهمة.

وجود حتشبسوت أو كليوباترا لا يعني أن كل امرأة مصرية كانت تستطيع أن تصبح ملكة. ووجود بسشيت لا يعني أن التعليم الطبي كان متاحًا لجميع النساء. التاريخ لا يكتب من خلال الحالات الاستثنائية وحدها.

القيمة الحقيقية للتجربة المصرية تظهر في أن المجتمع كان قادرًا على تصور المرأة بوصفها شخصًا كامل الأهلية في عدد من المجالات القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

حتى داخل الأسرة، لم تكن صورة المرأة المصرية القديمة مجرد صورة الزوجة الصامتة.

كانت المرأة سيدة المنزل، وشريكة الرجل في الحياة، وظهرت في مشاهد العمل والرحلات والصيد والحياة اليومية. وتكشف النصوص الأخلاقية أيضًا عن تصور للزوج باعتباره مسؤولًا عن رعاية زوجته واحترامها وعدم القسوة عليها.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو بعض جوانب حياة المرأة المصرية القديمة، من منظور الإنسان المعاصر، مفاجئة.

أن تملك المرأة مالًا.

أن تدير عقارًا.

أن تدخل في عقد.

أن تقاضي شخصًا أمام المحكمة.

أن تحتفظ بحقوقها الاقتصادية بعد الزواج.

أن تنتهي العلاقة الزوجية بوثيقة.

أن تتزوج مرة أخرى بعد الطلاق.

أن تعمل في مهن مختلفة.

أن تصل إلى القضاء.

أن تصل إلى قمة السلطة.

هذه أمور احتاجت إليها نساء في مجتمعات حديثة إلى نضالات طويلة وتشريعات متتابعة حتى تصبح جزءًا من حياتهن القانونية.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية الكبرى.

ليس السؤال فقط: ماذا أعطى العصر الحديث للمرأة؟

السؤال أيضًا: ماذا فقدت المرأة عبر التاريخ ثم عادت تطالب به؟

فالتاريخ ليس خطًا مستقيمًا يصعد دائمًا من الظلام إلى النور. قد يعرف مجتمع قديم حقًا ثم يتراجع عنه مجتمع لاحق، وقد تمتلك المرأة في عصر معين مساحة قانونية تضيق في عصر آخر، ثم تعود بعد قرون طويلة لتطالب بما كان موجودًا في زمن بعيد.

لهذا فإن مصر القديمة لا تقدم لنا نموذجًا كاملًا للمساواة بالمعنى الحديث. لم تكن دولة ديمقراطية حديثة، ولم تكن المرأة تعيش بالضرورة حياة متطابقة مع حياة الرجل في كل مجال. وكانت هناك فروق اجتماعية وطبقية واقتصادية حقيقية.

لكنها تقدم لنا شيئًا أكثر أهمية: دليلًا تاريخيًا على أن فكرة المرأة ذات الشخصية القانونية المستقلة ليست اختراعًا حديثًا بالكامل.

لقد عرف المصريون القدماء المرأة التي تملك، وتتصرف، وتتعاقد، وتتقاضى، وتعمل، وتتزوج، وتطلق، وترث.

وعندما ننظر اليوم إلى بعض الحقوق التي نعدها من مكتسبات العصر الحديث، ربما علينا أن نتذكر أن جزءًا من تاريخها أقدم بكثير مما نتصور.

كانت امرأة مصرية تقف أمام كاتب المحكمة قبل آلاف السنين لتثبت حقًا في أرض أو مال.

وربما لم تكن تعرف أنها، بعد آلاف السنين، ستصبح جزءًا من قصة طويلة اسمها حقوق المرأة.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا بالتأكيد:

أن ما تملكه حق لها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة

التلميذ الأبدي

الجمعة، 02 أكتوبر 2026 05:52 م

الرجوع الى أعلى الصفحة