الجبرتي شاهدًا.. كيف عاش المصريون سنوات الحملة الفرنسية؟

الأحد، 18 أكتوبر 2026 08:30 م
الجبرتي شاهدًا.. كيف عاش المصريون سنوات الحملة الفرنسية؟ الجبرتي

أحمد إبراهيم الشريف

في صفحات عبد الرحمن الجبرتي، تتحرك القاهرة بأهلها وأسواقها وحاراتها خلال سنوات الحملة الفرنسية، دكاكين تُغلق خوفًا، وأخرى تُفتح بحثًا عن الرزق، وتجار يستعينون بالمشايخ لتخفيف الأموال المطلوبة منهم، وسكان يتناقلون الأخبار والشائعات. ومن هذه التفاصيل تتكون صورة الحياة تحت الاحتلال، حيث امتدت آثار الحرب إلى الطعام والعمل والعبادة والشعور بالأمان.

وبحسب ما دونه الجبرتي في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ضمن وقائع السنوات الهجرية 1213 إلى 1216، عاشت المدينة تحولات متلاحقة مع دخول الفرنسيين واستمرار حكمهم

الخوف يسبق وصول الجنود

بدأ الاضطراب مع وصول أخبار الأسطول الأجنبي إلى الإسكندرية، يصف الجبرتي كثرة الحديث بين الناس وتداول الأنباء المتعارضة، ثم تصاعد الفزع بعدما تأكد نزول الفرنسيين وتقدمهم، وفي القاهرة انعكس القلق على الحركة بالطرق، وامتنع الناس عن المرور في الأسواق بعد المغرب.
وسجل أن الأغا والوالي أمرا بفتح الأسواق والمقاهي ليلًا، وتعليق القناديل على البيوت والدكاكين، لتخفيف الوحشة ومراقبة الداخلين إلى المدينة. وتكشف الواقعة كيف أصبحت الإضاءة وفتح المحال وسيلتين لإدارة الخوف؛ فالحياة اليومية كانت تتغير مع كل خبر يصل، ومع مقدار الثقة في قدرة السلطات على حماية السكان.

الخبز والتجارة قرب مساكن العسكر

مع انتشار الجنود داخل القاهرة، تابع الجبرتي أثر وجودهم في حركة البيع والشراء، وذكر أنهم كانوا يدفعون في مشترياتهم أثمانًا مرتفعة، وأن بعض الباعة استغلوا ذلك، فصغّروا أقراص الخبز وتراجعوا بجودته، وفي الوقت نفسه ظهرت دكاكين بجوار مساكن العسكر، تعرض الطيور والكعك والأسماك المقلية واللحوم.
ووصف أماكن تقدم الطعام على الطريقة الأوروبية، لها علامات تُعرف بها، ومجالس تتفاوت كلفة الجلوس فيها، وموائد تحيط بها الكراسي. ويتيح هذا الوصف رؤية جانب من التكيف الاقتصادي مع الاحتلال؛ إذ بحث أصحاب الأعمال عن زبائن جدد .

الأموال المطلوبة تُخرج التجار إلى المشايخ

تظهر الأعباء المالية بوضوح في الرواية، إذ سجل الجبرتي مطالبة التجار وأهل الحرف بأموال تحت اسم القرض والسلفة. وعندما ثقل المطلوب على أصحاب المهن، قصدوا الأزهر والمشهد الحسيني واستعانوا بالمشايخ، الذين تدخلوا لتخفيف المبالغ وتوسيع مهلة السداد.
وفي وقائع لاحقة وصف إعداد دفاتر بأسماء الناس وصناعاتهم، وتقسيمهم إلى طبقات لتوزيع الأموال المطلوبة. وهنا تتصل الإدارة بحياة الفرد مباشرة؛ فالمهنة والمكسب والقدرة على الدفع تدخل جميعها في حساب الجباية. كما تكشف وساطة العلماء موقعهم بين السكان والسلطة، وما حملته هذه الوساطة من ضغوط ومساومات. 

الأزهر والحارات تحت القصف

تبلغ رواية الجبرتي أشد لحظاتها قسوة عند أحداث ثورة القاهرة الأولى. يصف إقامة المتاريس، ثم قصف الأزهر والمناطق المجاورة، وسقوط القذائف على البيوت والوكالات، وفرار السكان بحثًا عن مأوى. وتنتقل الحكاية من مواقع القتال إلى الأماكن التي يسكنها الناس ويعملون فيها.
ثم يروي دخول الجنود إلى الأزهر بخيولهم، وتكسير خزائن الطلبة ونهب المتاع وإتلاف الكتب. وتوضح تفاصيله مكانة الجامع بوصفه موضعًا للتعليم والإقامة وحفظ الودائع، إلى جانب العبادة. وبعد القمع، حمل المشايخ مطالب الأهالي بالأمان وإخراج العسكر من الجامع إلى القيادة الفرنسية. 

شائعة تُغلق سوقًا وتفزع زوار القبور

ظل الخوف حاضرًا بعد انتهاء المواجهات. يسجل الجبرتي أن وقوف مجموعة من الجنود بحارة الأزهر دفع الناس إلى إغلاق الدكاكين والهرب، ثم عادوا وفتحوها بعد انصرافهم. وفي واقعة أخرى، خلال زيارة المقابر في العيد، أحدث صياح يحذر من هجوم العربان تدافعًا وفوضى استغلها لصوص لخطف المتاع، بحسب روايته.
وتمنح هذه الوقائع قيمة خاصة لشهادته؛ فهي تُظهر أثر الاحتلال في توقعات الناس وسلوكهم، وكيف ارتبط فتح الدكان والخروج إلى الشارع وزيارة المقابر بما يتردد من أخبار. وبقيت في كتابه أسماء الأماكن والمهن وتفاصيل المعاش، شاهدة على مجتمع تحمل الحرب، وقاومها، وسعى وسط اضطرابها إلى مواصلة حياته. 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة