في خضم الأزمات المتلاحقة التي تضرب جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج، يبرز ملف الإعلام الإخواني كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل والانقسام. فبعد سنوات من الرهان على المنصات والقنوات الفضائية كواجهة للاستمرار ومسرح للصراعات الداخلية، تجد الجماعة نفسها اليوم أمام انكشاف كامل، حيث تتكاثر الشكاوى من العاملين في هذه المؤسسات بشأن تأخر الرواتب وغياب الرؤية الإدارية وسوء توزيع الموارد. وفي هذا السياق، يكشف القيادي المنشق والباحث في شؤون الحركات المتطرفة إبراهيم ربيع عن تفاصيل صادمة حول حقيقة هذه الأزمة وأبعادها. مؤكداً أن ما يحدث اليوم ليس مجرد تعثر مالي عابر، بل انكشاف كامل لحقيقة المشروع التنظيمي الذي راهن على الإعلام كواجهة للاستمرار والبقاء.
أزمة بنيوية تتجاوز التعثر المالي
أكد إبراهيم ربيع في تصريحه لـ"اليوم السابع" أن الأزمات التي تضرب قنوات ومنصات الجماعة في الخارج، تكشف عن خلل بنيوي في طريقة إدارة التنظيم لموارده، مشيراً إلى أن الجماعة التي طالما رفعت شعارات التضحية والعمل من أجل القضية، تجد اليوم نفسها غير قادرة على الوفاء بأبسط حقوق العاملين فيها، وهو ما يكشف حقيقة العلاقة بين القيادات والقواعد .
وأوضح ربيع أن الملفت للنظر في هذه الأزمة هو الفجوة الصارخة بين أوضاع القيادات والعاملين، مستشهداً بشهادات متعددة وصلته من داخل هذه المؤسسات، تُظهر أن بعض القيادات ما زالت تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة وامتيازات مالية، بينما يُترك العاملون الأقل نفوذاً يواجهون مصيرهم بمفردهم .
تقشف وتصفية وإغلاق: تفاصيل الانهيار
تُظهر التقارير الصادرة عن العاملين داخل هذه المؤسسات صورة قاتمة عن واقع الإعلام الإخواني في الخارج. حسبما أكد "ربيع" ففي الوقت الذي تحدثت فيه مصادر عن إلغاء برامج رئيسية وإقرار آلية تقشفية تصرف بموجبها راتب شهر واحد كل شهرين، وانقطاع الرواتب لعدة أشهر، وأخرى تواجه احتمال الإغلاق النهائي، مع إنهاء خدمات عشرات العاملين في شركات الإنتاج والخدمات الإعلامية المرتبطة بالتنظيم.
وفي هذا السياق، نقل" ربيع "عن "حسن العشري"، أحد شباب الجماعة المقيمين في الخارج، تأكيده على أن بعض المشكلات التي تبدو مالية في ظاهرها تحمل أبعاداً سياسية وإدارية، لافتاً إلى أزمة يتم التعامل بعشوائية في اتخاذ القرارات، وتحميل الموظفين الأقل نفوذاً العبء الأكبر من التداعيات.
الخوف من الكلام: لماذا يلتزم المتضررون الصمت؟
ومن أبرز ما كشفه "ربيع " في هذا السياق، هو حالة الخوف والتردد التي تسيطر على المتضررين من العاملين في هذه المؤسسات، موضحاً أن عدداً من الأشخاص الذين يعانون من تأخر المستحقات وعدم الحصول على حقوقهم يرفضون الكشف عن تفاصيل أزماتهم، خشية التأثير على فرص حصولهم على ما تبقى من مستحقاتهم المالية، أو تعريض أسرهم لمزيد من الضغوط المعيشية .
ويرى ربيع أن هذا الصمت القسري هو أحد أكثر المؤشرات دلالة على طبيعة الأزمة، إذ يقول: "عندما يخشى العامل في مؤسسة إعلامية أن يطالب بحقه خوفاً من الحرمان الكامل، فهذا يعني أن المشكلة ليست في التمويل فحسب، بل في منظومة القيم والعلاقات داخل التنظيم ذاته .
فاتورة الخيانة: الجميع يدفع الثمن
وفي تحليله للجذور العميقة لهذه الأزمة، شدد ربيع على أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة إدارية أو مالية عابرة، بل هو فاتورة طبيعية لمشروع قائم على استهداف الدولة المصرية والرهان على أجندات خارجية، مضيفا: الجميع باتوا يدفعون ثمن الانخراط في مشروع قائم على الخيانة، دون أن تكون لديهم ضمانات حقيقية تحمي مستقبلهم أو حقوقهم. هؤلاء الشباب الذين عملوا في هذه المؤسسات وصدقوا الشعارات، يجدون اليوم أنفسهم في مواجهة تداعيات الأزمة بصورة فردية، بينما القيادات تتنصل من مسؤولياتها .
صراع النفوذ: الإعلام كساحة للمعارك الداخلية
وكشف "ربيع " عن البعد الأعمق لهذه الأزمة، والمتمثل في الصراع المحتدم على النفوذ والتمثيل داخل التنظيم، موضحاً أن الإعلام بالنسبة لجماعة الإخوان لم يكن يوماً مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو أحد المكونات الأساسية لبنية التنظيم، ومن يملك المنبر يستطيع أن يفرض روايته ويقدم نفسه باعتباره الصوت الحقيقي للجماعة. مشيرا، إلى أن الانقسام التنظيمي الواضح بين الجبهتين منذ عام 2021، مع وجود هياكل قيادية وإدارية وشوروية متنافسة، امتد ليشمل المجال الإعلامي، حيث أصبح لكل معسكر أدواته في مخاطبة أنصاره وتسريب المواقف وقياس ردود الفعل.
مشروع بلا مستقبل
واختتم ربيع تحليله بالتأكيد على أن الأزمة الحالية ليست سوى حلقة في مسار طويل من التدهور، مشيراً إلى أن ما يقرب من 15 عاماً من الخلافات والانقسامات والصراعات الداخلية أدت إلى إضعاف الجماعة بصورة كبيرة، وفشلت القيادات في احتواء الأزمات المتلاحقة أو تقديم حلول حقيقية، فالمشهد الإخواني مليء بالاحطاءالتى لم تقتصر على طرف دون آخر، بل كانت نتيجة تراكمات ممتدة من سوء الإدارة والصراعات على النفوذ والمصالح.