أثارت الاكتشافات الأثرية تساؤلات حول ما إذا كان ثوران جبل فيزوف قد وقع في صيف عام 79 ميلادية أم في خريفه وعلى الرغم من وفرة الأدلة الأثرية التي كُشف عنها في أطلال مدينتي بومبي وهركولانيوم، لا يزال هناك سؤال جوهري حول الثوران الكارثي لجبل فيزوف في عام 79 ميلادية دون إجابة قاطعة: متى وقع هذا الحدث بالضبط؟
لقرون طويلة، اعتمد المؤرخون تاريخ 24 أغسطس باعتباره الموعد الذي وقعت فيه الكارثة، التي طمرت المدن الرومانية القديمة تحت الرماد والصخور، مما أسفر عن مقتل الآلاف لكن في العقود الأخيرة، تعرض هذا الجدول الزمني التقليدي الذي يستند جزئياً إلى ذكريات شاهد عيان كان مراهقاً آنذاك (والذي فُقدت رسائله الأصلية) للتشكيك؛ إذ يشير بعض علماء الآثار إلى اكتشافات توحي بأن ثوران فيزوف ربما حدث بعد ذلك بشهرين، أي في أواخر أكتوبر وفقا لموقع لايف ساينس.
وأدى ثوران جبل فيزوف عام 79 ميلادية إلى محو مدينة بومبي الرومانية، وطمرها تحت أطنان من الرماد البركاني. وبينما تمكن العديد من السكان من الفرار إلى بر الأمان، فماذا حل بأولئك الذين اختاروا البقاء؟
شكوك حول الجدول الزمني التقليدي
بعد نحو 30 عاماً من ثوران جبل فيزوف، روى "بليني الأصغر" تفاصيل الكارثة في رسالتين أرسلهما إلى المؤرخ الروماني "تاسيتس".
كان "بليني" -الذي أصبح لاحقاً رجل دولة يبلغ من العمر 17 عاماً تقريباً حينها، وشاهد من مكان آمن في فيلا تبعد 18 ميلاً على خليج نابولي، كيف قذف البركان عموداً هائلاً من الرماد نحو السماء.
وقد حُفرت هذه الكارثة في ذاكرته لسبب شخصي للغاية؛ إذ توفي عمه ووالده بالتبني، العالم الطبيعي والقائد البحري الروماني الشهير "بليني الأكبر"، أثناء إبحاره باتجاه البركان لاستكشاف الوضع ومحاولة إنقاذ الضحايا وتُعد النسخ الباقية من رسائل بليني المصدر الوحيد الذي يقدم وصفاً تفصيلياً من شاهد عيان للكارثة.
ولطالما جرى تفسير التاريخ المذكور في روايته على أنه الرابع والعشرون من أغسطس وفقاً للتقويم الحديث.
غير أن تباينات تسللت إلى النصوص مع قيام النُّسّاخ بنقل الرسائل الأصلية التي فُقدت بمرور الزمنمراتٍ عديدة.
وتحتوي المخطوطات التي تعود إلى العصور الوسطى على تواريخ متضاربة لوقوع الكارثة، من بينها الرابع والعشرون من أكتوبر والأول من نوفمبر.
شكوك إضافية
ظهرت شكوك إضافية حول تاريخ الثوران البركاني بُعيد بدء عمليات التنقيب واسعة النطاق في مدينتي بومبي وهركولانيوم في منتصف القرن الثامن عشر. فقد شكك الأسقف والعالم النابولي "كارلو ماريا روسيني" في الرواية التي تحدد وقوع الحدث في شهر أغسطس، مستنداً إلى أدلة نباتية حُفظت تحت الرماد، شملت ثمار التين والرمان والجوز والكستناء الناضجة، وهي محاصيل تُجنى عادةً في فصل الخريف.
وفي العقود الأخيرة، عززت سلسلة من الدراسات الأثرية والعلمية فرضية وقوع الثوران في فصل الخريف. ففي عام 2018، أعلنت إدارة "الحديقة الأثرية في بومبي" عن اكتشاف نقش بالفحم يحمل تاريخاً يقابل السابع عشر من أكتوبر؛ وقد وُجد هذا النقش على جدار في "بيت الحديقة" الذي خضع حديثاً لأعمال التنقيب.
ورغم أن النقش لم يحدد السنة، فقد رجح علماء الآثار أن مادة الفحم -التي يسهل محوها- لا يمكن أن تبقى صامدة لفترة طويلة على جدار مكشوف، مما يعني أنها كُتبت على الأرجح قبيل وقوع الكارثة بفترة وجيزة.
غير أن مادة الفحم أثبتت أنها أكثر صموداً مما كان يُعتقد في البداية؛ إذ قام القائمون على الموقع في عام 2023 بترك رسالة أخرى مكتوبة بالفحم على الجدار ذاته، وبعد مرور عشرة أشهر، ظلت الرسالة بحالتها الأصلية، وهو ما يفتح الباب لاحتمالية أن يكون النقش الأصلي يعود إلى عام 78 ميلادي أو ما قبله.
كما أشار الباحثون إلى اكتشاف مواقد كانت تُستخدم عادةً لتدفئة الغرف، بالإضافة إلى حبوب لقاح تعود لفصل الخريف، وعملة فضية يُرجح أنها تشير إلى تكريم إمبراطوري مُنح للإمبراطور تيتوس في سبتمبر من عام 79 ميلادي.
وقد أظهرت الدراسات أن انتشار الرماد البركاني -الذي تركز بشكل رئيسي نحو الجنوب- يتوافق مع أنماط الرياح السائدة في فصل الخريف.
علاوة على ذلك، كشف تحليل القوالب الجصية لضحايا الكارثة أن أربعة منهم على الأقل كانوا يرتدون ملابس صوفية؛ وهي ملابس ثقيلة لا تتناسب، على ما يبدو، مع حرارة فصل الصيف.