هل أمتلك تجربة مميزة وقصة نجاح تصلح لأنقلها للآخرين؟ وماذا سيغري القراء كي يدفعوا جزءًا من أموالهم لشراء مذكراتي أو يقلّبوا ويقرأوا ما أكتبه فيها؟ "أنا طبيبة وأستاذة جامعية مصرية، اجتهدت وتفوقت كالعشرات غيري".. كانت هذه ردودي على الأصدقاء والزملاء وحتى على ابنتي، عندما كانوا يُحرضونني أو يشجعونني على أن أسجل مذكراتي.
هكذا تعترف د. مؤمنة كامل في مذكراتها التي تحمل عنوان "لم يكن طريقًا واحدًا"، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، وفيها تعلن أنها كانت تختزل تجربتها الطويلة في ردودها غير العميقة، أعلاه، انطلاقًا من كسلها وترددها في القيام بهذه الخطوة، ذاكرة أنها قارئة جيدة، تعشق الروايات العالمية والعربية وكتب التاريخ والسياسة، إلى جانب الكتب الطبية في التخصصات العامة، وفي تخصصها المتعلق بالتحاليل والمناعة تحديدًا، لكنها ترى الكتابة شيئًا مختلفًا تمامًا، ومن أحلام الطفولة التي لم تنجح في تحقيقها أو حتى الاقتراب منها أن تعمل بالصحافة، حيث خططت والدتها لها بأن تصبح طبيبة وقمعت داخلها حلمها بالعمل بالصحافة وممارسة الكتابة، وبهذا اكتفت من الصحافة والإعلام بالقراءة أو المشاهدة، أو متابعة صورها وتصريحاتها يوم أن أصبحت شخصية مشهورة سياسيًّا وأكاديميًّا في ما بعد.

مذكرات مؤمنة كامل
قصص ملهمة
مؤمنة كامل التي تذكر أنها تمتلك الكثير من التجارب في الحياة، تحاول هنا أن تنقلها بأسلوب بسيط عازمة أن تذهب إلى الحديث عن أجدادها وأبيها وأمها، راويةً عنهم وعن عائلتها قصصًا ملهمة، إذ تغوص في تاريخهم ناقلة لنا عددًا من المواقف التي تستحق القراءة، ساردة الحكايات التي تركت أثرًا مهمًّا في عقلها ووجدانها، وعندما وعيت وجدت أن هناك رابطًا مهمًّا في هذه الحكايات ما زال له مردود مهم في نفسها وهو عن "أهمية العلم"، حيث تربى جدها وأبوها وأمها، وهي من بعدهم، على الإيمان بفضيلة البحث عن العلم، وأنه الوسيلة المضمونة للترقي والوصول إلى مناصب سياسية وأكاديمية مرموقة.
عاش أبوها فترة من حياته في لندن وأكمل حياته في القاهرة، تزوج في سن الأربعين، ورغم أنه لم يكن يرغب في الإنجاب، إلا أنه أنجب خمسة أطفال، ويوم أن قامت ثورة يوليو 1952 كان عمرها دون العاشرة، ولم تكن عائلتها من الإقطاعيين، ورغم ذلك خضعت بعض ممتلكات أسرة والدتها للتأميم، وتكرر الأمر مع بعض أقارب والدها، مشيرة إلى أن ثقافة والدها وتعليمه في الخارج أتاحا له التواصل مع الأفكار السياسية الحديثة في العالم عن العدالة الاجتماعية والنظريات الاشتراكية في الشرق وتمددها لعواصم غربية، لكنه مع ذلك أُضير في عمله وعلمه، وفقد منصب العميد في كلية الهندسة جامعة عين شمس. عائلتها والفن
مؤمنة كامل التي لم تكن مؤمنة بالاشتراكية ولا الرأسمالية، كانت أمها عاشقة للفن تذهب مع عائلتها إلى حفلات الموسيقى مرة كل شهر، وكانت محبة للرسم والأوبرا، أما أبوها فقد أحب صوت نجاة، ذاكرة أن الفن كان متجذرًا في عائلتها، وكانت فترة شبابها غنية بالتفكير الرومانسي والاقتراب من البسطاء، تعلمت وقتها كيف تتفاعل مع آلام الآخرين، وتربت على الضعفاء وتضمد جراحهم قدر استطاعتها، مشيرة إلى أنها وبعد تعرضها لحادثة عطلت مسيرتها في العامين الأولين من التحاقها بكلية الطب، بدأت رحلتها مع التفوق والمراكز الأولى، آخذة على عاتقها أن هدفها ليس النجاح بل التفوق، ولكي تثبت للزملاء المتنمرين الذين آذوها أن ظروفًا طارئة خارجة عن إرادتها هي التي عطلت مسيرتها، معلنة أنها كانت تحصل على أعلى التقديرات، وتفوقت على الجميع في آخر عامين بمرحلة البكالوريوس، طالبة واحدة كانت تحصل على درجات أعلى منها التحقت بقسم الأطفال.
هنا تروي مؤمنة كامل أن ما حدث في نكسة يونيو 1967 وما بعدها كان صادمًا ومحبطًا، وأحدث شرخًا هائلًا في البيوت، كانت هناك إخفاقات وتعثر وأزمة مالية واضحة وصعوبة في تنفيذ الخطة الخمسية، وقد كسرت النكسة المشروع الناصري، كما تحول الحلم في النفوس إلى كابوس، معترفة أن حجم تأثير النكسة عليها كان كبيرًا للغاية، لأنها نشأت في أسرة وطنية وترعرعت في بيئة تؤمن بالتطوع والعمل على مساعدة الآخرين، والأهم أنها تفاعلت مع الثورة وشعاراتها وقائدها إلى حد كبير.

عاطف عبد المجيد
مواقف ونجاحات
مؤمنة كامل التي تذكر هنا أن عقلها تمسك بالطب في أبهى وأجل صوره، وأن قلبها تعلق بنخبة من الأساتذة الكبار وزملاء أعزاء في أماكن كثيرة عملت فيها، وأن رحلتها جاءت مليئة بالمواقف المؤثرة والنجاحات التي تعتز دائمًا بها، تذكر كذلك أنها بدأت العمل الخاص في وقت مبكر، لكنها ظلت 17 عامًا دون أن تضع لافتة واحدة تحمل اسمها فوق عيادة أو معمل بالشارع، مؤكدة أن معاملها منذ اليوم الأول عبارة عن مؤسسة عمل منضبطة بتخصصات محددة، مشيرة إلى أن الاستثمار الطبي في مصر لا يزال في المراحل التجريبية، ويحتاج إلى كثير من الجهد التنظيمي لكي ينضج ويصبح منافسًا للتجارب العالمية الناجحة، ذاكرة عددًا من تجاربها الفاشلة في مجال الاستثمار الطبي، معترفة أنها خلال مسيرتها في المعامل والإدارة الطبية كانت شاهدة على القليل من النجاحات والكثير من الإخفاقات والفشل في منشآت طبية عديدة.
تزوجت مؤمنة كامل من الدكتور معتز الشربيني وأنجبت بنتًا وحيدة، تقول هنا إن والدتها شجعتها على السفر للخارج والانطلاق والتعرف على ثقافات وحضارات أخرى، كي تتعلم أكثر من لغة، حيث كانت منفتحة أكثر من والدها الذي كان يخاف عليها أكثر منها، ذاكرة أن مما تؤمن به أن الإنفاق في العلن له فوائد دينية ومجتمعية مهمة، وهو سلوك يجعل القائم به قدوة لغيره، ويسهم في نشر الأعمال الخيرية في كل مكان، وأن للثقافة دور مهم في تنمية المجتمعات، لذا تحرص في مؤسستها على رفع مستوى الوعي والثقافة داخل المجتمعات الأكثر احتياجًا، مؤكدة أن خلاصة تجربتها في العمل والحياة تتركز حول أهمية العلم في الحياة وبناء المستقبل وحتى من أجل التحقق المادي، ناصحة الشباب أن يختاروا شريك حياتهم على أسس سليمة مشيرة إلى أن تجربتها التي أفادتها في حياتها العملية والعلمية أنها أحبت وتمسكت بزوج داعم لها ينتمي إلى عائلة عريقة ثروتها الأعظم هي العلم.