تحل اليوم ذكرى ميلاد أمير الشعراء أحمد شوقي الذى منحه الشعراء لقبه فلم يذهب لغيره، فقد كان من أغزر الشعراء إنتاجا وأكثرهم تنوعا فى موضوعاته، وهو أمر محير في مسيرته، فلم يترك غرضا من الشعر إلا عرج عليه وقد لفت ذلك نظر أحمد أمين فكتب عنه فى فيض الخاطر: كان للناس في عصره نزعات تشغل بالهم فأرواها كلها بخير ما يقال، كان المصريون يتعطشون إلى التغنِّي بمجدهم القديم وأملهم في المستقبل، فقدَّم إليهم تاريخهم من عهد الفراعنة إلى العصر الحديث في قصيدته الرائعة:
همت الفلك واحتواها الماء وحواها بمن تقلُّ الرجاء
مشبِّهًا متأسِّفًا فخورًا ناعيًا، مستفَزًّا حافزًا، وكذلك شأنه في قصيدة:
وقصيدة:
أبا الهول طال عليك العصر وبلغت في الأرض أقصى العمر
وقصيدة:
قفي يا أخت «يوشع» خبِّرينا أحاديث القرون الغابرينا
أحمد شوقي ودنشواي
ولا تأتي حادثة تهيج لها عواطف المصريين نحو استقلالهم إلا غذَّاها وعبر عنها وتجاوب معها؛ كمشروع ملنرن وتصريح 28 فبراير، ووداع اللورد كرومر، وذكرى دنشواي، ورثاء عظماء النهضة؛ أمثال: محمد عبده، ومصطفى كامل، وسعد زغلول، ومحمد فريد، وقاسم أمين، وعبده الحامولي، والشيخ سلامة حجازي.
وهناك بجانب النزعة القومية المصرية كانت النزعة إلى العروبة، وكانت في مستهلِّ عهدها، فغذَّاها أحسن غذاء بما قدَّم لها في المناسبات، فإذا نكبت بيروت بضرب الأسطول الإنجليزي لها قال قصيدته:
يا رب أمرك في الممالك نافذ والحكم حكمك في الدم المسفوك
يقول فيها:
لك في ربى النيل المبارك جيرة لو يقدرون بدمعهم غسلوك
وإذا نكبت دمشق بضرب الفرنسيين لها قال قصيدته التي يتغنَّى فيها:
سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق
يقول فيها:
نصحت ونحن مختلفون دارا ولكن كلنا في الهم شرق
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد بيان غير مختلف ونطق
وقفتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودَيْن مستحق
وتقيم سوريا ذكرى استقلالها فيقول قصيدته:
حياة ما نريد لها زيالا ودنيا لا نود لها انتقالا
شوقي يسجل أحداثا شغلت بال المصريين
ثم كانت نزعة إسلامية تدعو إلى الارتباط بالخلافة والأتراك، فأفاض في الشعر فيها إلهاب العواطف نحوها، فقال فيها أكثر من عشرين قصيدة من أروع قصائده.
وكما كان لسان الناس في هذه النزعات كان لسانهم في كل ما يعرض لهم من شئون اجتماعية؛ في العلم والتعليم، في الحجاب والسفور، في انتحار الطلبة، في بنك مصر، في نشأة الطيران، في تأسيس الجامعة، حتى في كوليرا سنة 1902قال فيها ما لم يقله أحد حتى سنة 1947 فيقول:
لهفي على مهج غوال غالها خافي الدبيب محجب الأظفار
خمسون ألفًا في المدائن صادهم شرك الردى في ليلة ونهار
وهكذا كلما يجدُّ من أمرٍ حتى يتلفَّت الناس إلى شوقي ينتظرون ما يقول، وحسبُك دليلًا على أنه كان ملجأ الناس ومفزعهم أنهم حتى بعد موته لم يجدوا في مواقفهم الحرجة ومواقفهم البهيجة غير شعره يتغنَّون به ويرتوون منه، فإذا التهبت عاطفتهم الحماسية وطلبوا نجدتها بالشعر، لم يجدوا إلا أمثال قصيدته الرائعة:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا