- الصحافة في غزة مستهدفة.. واضطررت للعمل في التحرير والنشر خوفا على أرواح من حولي
-
كنت نازحة في منطقة وأولادي في منطقة تانية لكني فضلت على تواصل دائم معهم
-
حسيت إني جسد بلا روح وفقدت قطعة من قلبي
-
محمد وابن عمه استشهدوا.. وحتى الشاب اللي حاول ينقذهم لم ينج
-
لدي ابنان وثلاث بنات غير محمد.. وأحاول أواصل حياتي رغم وجع الفقد
-
الكاميرا لم تُنسني وجعي.. فأنا أم فقدت ابنها وصحفية تحاول نقل الحقيقة
لم تكن الحرب على غزة بالنسبة إلى الإعلامية الفلسطينية هدى فائق حمدية مجرد أحداث تنقلها إلى العالم عبر الكاميرا والكلمات، بل كانت مأساة تعيش تفاصيلها بكل ما تحمله من ألم وخوف وفقد، ففي الوقت الذي كانت فيه توثق معاناة أبناء شعبها، كانت تواجه وجعها الشخصي بعد فقدان ابنها، في تجربة تختلط فيها مشاعر الأم المفجوعة بمسؤولية الصحفية التي تسعى إلى نقل الحقيقة، وإبقاء أصوات الضحايا حاضرة في ذاكرة العالم.
لم يتوقف الألم عند خسارة ابنها، بل امتد إلى رحلة نزوح متكررة فرضتها ظروف الحرب والقصف وانعدام الأمان، فمع كل نزوح، كانت تواجه مشقة الابتعاد عن المكان والذكريات، وتتحمل قسوة الانتقال بحثا عن مأوى يحميها من الخطر، حيث إن النزوح في غزة ليس مجرد مغادرة منزل، بل هو اقتلاع متكرر من تفاصيل الحياة اليومية، وفقدان الشعور بالاستقرار، والبدء من جديد وسط ظروف قاسية لا تترك للإنسان وقتا كافيا لالتقاط أنفاسه أو مداواة جراحه.

هدى ونجلها
رغم هذا الثقل الإنساني، تبرز تضحيات هدى في مواصلة العمل الإعلامي وتوثيق ما يجري على الأرض، لتكون شاهدة على المأساة التي يعيشها المدنيون في غزة، فخلف كل صورة تنقلها، وكل شهادة تسعى إلى تسجيلها، حكاية إنسان فقد بيته أو أحد أحبائه، وعائلة تحاول النجاة من القصف، وطفل سُلب منه حقه في الأمان، وأصبحت مهمة الصحفيين في القطاع تتجاوز التغطية اليومية إلى حفظ الشهادات والصور والتفاصيل التي تساعد على صون ذاكرة الضحايا وتوثيق ما تعرضوا له.
تضحيات هدى فائق حمدية، تكشف جانبا من المعاناة المركبة التي يعيشها الإعلامي الفلسطيني؛ فهو ليس مجرد ناقل للحدث من خلف الكاميرا، بل إنسان يعيش الخطر ذاته، ويواجه الفقد والنزوح والخوف على أسرته، بينما يحاول أداء رسالته المهنية، وبين وجع الأم التي فقدت ابنها وإصرار الإعلامية على توثيق المجزرة، تتجسد حكاية إنسانية تختصر صراعا يوميا من أجل البقاء، ومن أجل ألا تتحول معاناة الضحايا إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار.

الإعلامية هدى فائق
أم فقدت ابنها في حرب غزة وصحفية تواصل توثيق المأساة
من مراسلة ميدانية ومصورة صحفية إلى أم تحمل وجع الفقد، تروي الإعلامية الفلسطينية هدى فائق حمدية حكاية الحرب والنزوح واستشهاد ابنها محمد، الذي لم يمهله القصف طويلا بعد نجاحه في الثانوية العامة، وبين ألم الأم وواجب الصحفية، تحكي هدى تفاصيل ليلة تحولت فيها حياتها إلى مأساة لا تُنسى.
مع اندلاع الحرب على غزة، وجدت هدى فائق نفسها في مواجهة واقع استثنائي، لم تعد فيه ممارسة العمل الصحفي مهمة مهنية فحسب، بل مغامرة محفوفة بالخطر، في ظل القصف المتواصل وصعوبة التنقل وانقطاع الإنترنت، وبدأت عملها مراسلة ميدانية ومصورة صحفية، لكن الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مواقع الأحداث والخوف على أرواح المحيطين بها، دفعتها إلى العمل في التحرير والنشر، لتواصل نقل ما يجري في القطاع بوسائل أخرى.
تقول هدى في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن العمل الصحفي في غزة لم يكن سهلا منذ الأيام الأولى للحرب، فإلى جانب المخاطر الأمنية، كانت صعوبة المواصلات وضعف الاتصال بالإنترنت تعرقلان قدرتها على التغطية الميدانية.
وتضيف أن الخطر لم يكن يهدد الصحفي وحده، بل امتد إلى الأشخاص المحيطين به، في ظل ما تصفه باستهداف الصحفيين في غزة، الأمر الذي جعلها تعيد ترتيب طريقة عملها، من دون التخلي عن دورها في نقل الأحداث وتوثيق معاناة الناس.
خلف الصحفية التي تحاول نقل الحقيقة، كانت هناك أم تعيش مأساة من نوع آخر، حيث اضطرت هدى إلى النزوح إلى منطقة تختلف عن المكان الذي لجأ إليه أبناؤها، بسبب ظروفها العائلية وانفصالها، وعدم قدرتها على التنقل بهم من مكان إلى آخر، ورغم المسافات والظروف الأمنية الصعبة، حرصت على البقاء على تواصل دائم معهم، وكانت تزورهم كلما استطاعت، في محاولة للحفاظ على قربها منهم وسط واقع لا يضمن لأحد الاستقرار أو الأمان.
محمد.. شاب طموح لم يمهله القدر
كان محمد شابا طموحا، يحمل أحلاما لم تتح له الحرب فرصة الاحتفال بتحقق أولى خطواتها، فنجح في الثانوية العامة، لكن فرحة النجاح لم تدم طويلا، حيث اندلعت الحرب ووجدت الأسرة نفسها مضطرة إلى النزوح نحو جنوب القطاع، وتحديدا إلى رفح، حيث تبدلت تفاصيل الحياة، وانقطعت الدراسة، وازدادت صعوبات المعيشة.
هدى فائق
ومع تعطل الحياة التعليمية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، اضطر محمد إلى العمل مع والده للمساهمة في توفير احتياجات الأسرة ومواجهة الأعباء اليومية، لم يكن ذلك خيارا سهلا لشاب في مقتبل العمر، كان من المفترض أن يبدأ مرحلة جديدة من حياته، لكنه وجد نفسه، مثل كثير من شباب غزة، مضطرا إلى تحمّل مسؤوليات تفوق سنه، في محاولة للتكيف مع واقع فرضته الحرب.
وتروي هدى أن رحلة النزوح لم تنته عند رفح، فاضطرت الأسرة لاحقا إلى الانتقال إلى منطقة المواصي في خان يونس، بينما بقيت هي في منطقة كف ميراج، الواقعة بين رفح وخان يونس، وهكذا، توزعت الأسرة بين أماكن النزوح، وظلت الأم تحاول الحفاظ على خيوط التواصل مع أبنائها، في ظل الخوف المستمر عليهم، وصعوبة اللقاء، والتوجس من أن تحمل الأخبار القادمة ما لا تستطيع احتماله.
رحلة محمد الأخيرة
لم يستطع محمد التكيف مع فكرة الابتعاد عن غزة، وتؤكد والدته أنه كان مصمما على العودة إليها بأي طريقة، فقد بقي قلبه معلقا بالمدينة التي ينتمي إليها، ولم يكن النزوح بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي، بل ابتعادا عن المكان الذي أراد العودة إليه مهما كانت المخاطر.
وتستعيد هدى تفاصيل الليلة التي فقدت فيها ابنها، وهي ليلة استهداف بركسات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، التي شهدت سقوط أعداد كبيرة من الشهداء، كان محمد موجودا برفقة ابن عمه قرب منطقة خط نتساريم، من دون علم أسرته، على أمل أن يتمكن من العودة إلى غزة.
تقول هدى إن الأوضاع في تلك الليلة كانت شديدة الخطورة، وإنها كانت تعيش حالة من القلق على أبنائها، من دون أن تعرف أن محمد يقترب من لحظاته الأخيرة، موضحة أن ابنها وصل إلى نقطة تفتيش في الموقع، وبعدما لم يعثر الجنود على شيء بحوزته، طُلب منه العودة، فتراجع باتجاه منطقة الزوايدة.
هناك، تعرض محمد لإطلاق نار من طائرة مسيرة من طراز "كواد كابتر"، أصابته في منطقة الفخذ من الخلف، وتشير والدته أن نجلها تمكن من الاتصال بوالده، وظل على تواصل معه، فيما جرت محاولات للتواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أجل إسعافه هو وابن عمه.
الوقت لم يكن في صالحهما، فبينما كان ابن عمه يحاول مساعدته، وقبل وصول الإسعاف، تعرضا لاستهداف آخر، ليفقد الاثنان حياتهما، ولم تكن المأساة مقتصرة عليهما، حيث تشير هدى إلى أن شابا آخر كان في طريقه لمساعدتهما، من دون أن يعرفهما، استشهد هو الآخر، كما سقط أطفال وشهداء آخرون في تلك الليلة الدامية.
اللحظة انكسر فيها قلب الأم
لم يصل إلى هدى في البداية خبر استشهاد ابنها، بل تلقت نبأ إصابته، كانت الساعة، كما تتذكر، قرابة المساء، حين شعرت بأن الزمن توقف من حولها، حاولت أن تستجمع قواها وتجهز نفسها للوصول إليه، مدفوعة بغريزة الأم التي لا تريد سوى أن ترى ابنها وتطمئن عليه، لكن الخبر الذي تلا ذلك بدد كل أمل.
تقول هدى، مستعيدة تلك اللحظات بوجع: "تجمدت من الصدمة، وحاولت أجهز نفسي وأوصله، لكن قضاء الله وقع، ووصلني خبر استشهاده، كانت الفاجعة التي حطمت فؤادي على نجلي الشاب. الحمد لله على كل حال، بلحظة راح مني، تتخيل ما هو شعور الأم في هذه اللحظة؟ كأنها جسد بلا روح، فقدت قطعة من قلبي".
لم يكن محمد بالنسبة إليها مجرد ابن فقدته في الحرب، كان شابا في مقتبل العمر، لم يمهله الزمن ليعيش فرحة نجاحه، أو يخطط لمستقبله، أو يحقق أحلامه، رحل في لحظة واحدة، تاركا خلفه أما تحاول استيعاب ما حدث، وأسرة مثقلة بالفقد، وأحلاما توقفت قبل أن تبدأ.
وتضيف هدى أن ما يزيد ألم تلك الليلة أن الضحايا لم يكونوا محمد وابن عمه وحدهما، بل سقط أطفال وآخرون كانوا في المكان، بينهم الشاب الذي حاول مساعدتهما، مشهد تختلط فيه المأساة الفردية بالفاجعة الجماعية، ويصبح فيه الموت حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى في اللحظات التي يحاول فيها الإنسان إنقاذ حياة إنسان آخر.
40 شهيدا من العائلة ووجع يتجاوز حدود الفقد
لم تتوقف خسائر هدى عند استشهاد ابنها محمد، حيث تشير إلى أنها فقدت ما يقارب 40 شهيدا من أفراد العائلة خلال الحرب، رقم يحمل وراءه عشرات الحكايات والوجوه والذكريات، وعائلات انقلبت حياتها في لحظات، وأماكن غابت عنها أصوات أصحابها إلى الأبد.
وفي بيت لم ينج من وجع الحرب، بقيت هدى أما لابنين آخرين وثلاث بنات، تحاول أن تحمل ألمها وتواصل حياتها من أجل أبنائها الذين ما زالوا بحاجة إليها، فالأم التي فقدت أحد أبنائها مطالبة أيضا بأن تبقى سندا لمن تبقى منهم، وتواجه يوما جديدا في واقع لا يمنحها دائما فرصة للحزن أو الراحة.
فقدان محمد لا يمكن فصله عن سلسلة الخسارات التي عاشتها الأسرة، أو تجربة النزوح التي فرقت أفرادها، أو الظروف التي دفعت شابا طموحا إلى العمل في سن مبكرة، ثم جعلت حلم العودة إلى غزة طريقا محفوفا بالمخاطر انتهى بمقتله.

هدى فائق حمدية
صحفية تحمل الكاميرا وذاكرة الفقد
على الرغم من المأساة التي عاشتها، تبقى تجربة هدى فائق مثالا على التداخل القاسي بين الحياة الشخصية والعمل الصحفي في غزة، فهي لا توثق معاناة الآخرين من موقع بعيد، بل تعيش آثار الحرب في حياتها وأسرتها، وتعرف معنى الخوف على الأبناء، ومرارة النزوح، والانتظار القلق للأخبار، والصدمة التي تأتي حين يتحول الخوف إلى فقد حقيقي.
غيرت الحرب مسار عملها، وحرمتها من ظروف التغطية الطبيعية، لكنها لم تفصلها عن واقع شعبها، وبين التحرير والنشر ومحاولات توثيق ما يجري، تحمل هدى ذاكرة شخصية لا تنفصل عن المشهد العام، ذاكرة أم فقدت ابنها، وأسرة تفرقت في النزوح، وعائلة فقدت عشرات من أفرادها، وشعب يحاول التمسك بالحياة وسط القصف والخوف.
ولا تعني مواصلة العمل أن الجرح قد التأم، أو أن الصحفية قادرة على تجاوز ألمها بسهولة، فخلف كل محاولة لنقل الخبر، هناك أم تستعيد تفاصيل ابنها، وتستحضر اللحظات الأخيرة التي لم تتمكن فيها من الوصول إليه، وبين واجب التوثيق وحقها في الحزن، تظل هدى شاهدة على تجربة لا تختصرها الأرقام وحدها، بل تحكيها وجوه الضحايا وأحلامهم التي لم تكتمل.
محمد لم يكن رقما في حصيلة الحرب بالنسبة إلى أمه، بل كان ابنا وشابا طموحا، ونجاحا لم تكتمل فرحته، ومستقبلا لم يُكتب له أن يعيشه، أما هدى، فتبقى قصتها حكاية أم تحاول أن تتعايش مع غياب ابنها، وصحفية تدرك أن وراء كل خبر حياة كاملة، وتوثيق المأساة يبدأ من الإنسان، من اسمه وحكايته وأحلامه، ومن حقه في ألا يُنسى.
لا يمكن اختزال تجربة هدى في خسارة ابنها أو تكرار نزوحها، بل ينبغي النظر إليها بوصفها حكاية أم فلسطينية وصحفية تواجه الحرب على جبهتين، جبهة شخصية تحاول فيها التعايش مع الفقد، وجبهة مهنية تسعى فيها إلى نقل الحقيقة وحفظ الذاكرة، فالكاميرا التي تحملها لا تلغي حزنها، والتزامها بالتوثيق لا يعني أن ألمها قد خف، لكنها تذكرنا بأن وراء كل شهادة صحفية إنسانا له عائلة وأحلام وذكريات، وتوثيق المأساة هو أيضا محاولة لحماية حق الضحايا في أن تُروى حكاياتهم وألا يُنسوا.