الحرب الإقليمية تهدد 3.64 مليون وظيفة فى الدول العربية.. 120 إلى 194 مليار دولار خسائر محتملة للاقتصادات العربية جراء الأحداث.. ومنظمة العمل العربية: الحرب تهدد ملايين الوظائف وتدفع قرابة 4 ملايين شخص للفقر

الجمعة، 16 أكتوبر 2026 09:00 ص
الحرب الإقليمية تهدد 3.64 مليون وظيفة فى الدول العربية.. 120 إلى 194 مليار دولار خسائر محتملة للاقتصادات العربية جراء الأحداث.. ومنظمة العمل العربية: الحرب تهدد ملايين الوظائف وتدفع قرابة 4 ملايين شخص للفقر عمال - أرشيفية

كتبت آية دعبس
  • منظمة العمل العربية: المنشآت الصغيرة والعمالة غير المنظمة الأكثر هشاشة أمام تداعيات

  • منظمة العمل العربية تدعو إلى دعم الأجور وحماية الوظائف

 

تواجه أسواق العمل العربية مخاطر متزايدة مع امتداد تداعيات الحرب الإقليمية إلى حركة التجارة والطاقة والاستثمار، وسط تقديرات بخسائر محتملة في الناتج المحلي الإجمالي العربي تتراوح بين 120 و194 مليار دولار، وفقدان ما يصل إلى 3.64 مليون وظيفة، وفق دراسة أصدرتها منظمة العمل العربية بعنوان «تداعيات الحرب الإقليمية الراهنة على أسواق العمل العربية»، أعدها الدكتور كنان البهنسي، ورصدت خلالها التأثيرات المحتملة للأزمة على معدلات البطالة والأجور والدخول والتحويلات المالية، محذرة من أن العمالة غير الماهرة والفئات الأكثر هشاشة ستكون في مقدمة المتضررين.

وأوضحت الدراسة أن المنطقة العربية دخلت في 28 فبراير 2026 مرحلة جديدة من التصعيد العسكري الإقليمي، تحولت سريعا من مواجهة ذات طابع أمني إلى صدمة إقليمية واسعة الأثر بسبب تشابك الاقتصادات العربية مع ممرات التجارة والطاقة والتمويل والنقل الجوي والبحري.

وأشارت إلى أن وقف إطلاق النار المعلن في 7 أبريل 2026 يمثل خطوة مهمة نحو خفض التصعيد، لكنه لا ينهي حالة عدم اليقين. وشددت على أن الحرب ليست صدمة واحدة متجانسة، بل مجموعة من الصدمات المتداخلة تختلف شدتها بحسب موقع كل اقتصاد وبنية سوق العمل فيه.

 

خسائر الناتج والوظائف

وبحسب التقديرات التي استندت إليها الدراسة، وفي مقدمتها محاكاة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد تخسر الاقتصادات العربية بين 3.7% و6% من ناتجها المحلي الإجمالي مجتمعة، أي ما يعادل 120 إلى 194 مليار دولار بالأسعار الثابتة لعام 2015، وتقدر الدراسة أن ترتفع البطالة الإقليمية بما بين 1.8 و4 نقاط مئوية، بما يعادل 1.61 إلى 3.64 مليون وظيفة مفقودة، وأن تزيد نسبة الفقر بنحو 0.7 إلى 1%، وهو ما قد يدفع ما بين 3.05 و3.96 مليون شخص، أي قرابة 4 ملايين، إلى الفقر، وأكدت المنظمة أن هذه الأرقام نطاقات إرشادية لا توقعات حتمية، لأن التكيف الفعلي في سوق العمل قد يجري عبر الأجور وساعات العمل والهجرة والمشاركة الاقتصادية، وليس عبر التسريح الظاهر فقط، وهو ما قد يخفض البطالة المعلنة من دون أن يخفض الكلفة الاجتماعية الفعلية.

وتبين الدراسة، أن الصدمة تفاقمت لأنها وقعت على أسواق عمل تعاني اختلالات هيكلية قائمة. فقد تراجع النمو في المنطقة، بحسب تقديرات البنك الدولي التي أوردتها الدراسة، من نحو 4% في 2025 إلى 1.8% متوقعة في 2026، أي أقل ب2.4 نقطة مئوية من توقعات يناير، وأشارت الدراسة إلى تقدير صندوق النقد الدولي لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان عند 1.4%، أي أقل ب2.3 نقطة مئوية من توقعات أكتوبر 2025، في السيناريو المرجعي الذي يفترض استئناف التجارة وتطبيع الإنتاج بحلول منتصف 2026، وأضافت أن أسواق العمل العربية كانت تعاني قبل الأزمة ارتفاع البطالة بين الشباب، وضعف مشاركة النساء، واتساع العمل غير المنظم، وضعف قدرة القطاع الخاص على توليد وظائف كافية، ومحدودية نظم الحماية الاجتماعية، وتفاوت القدرات المالية بين الدول.

 

قنوات انتقال الصدمة

وحددت الدراسة سبع قنوات رئيسية تنتقل عبرها آثار الحرب إلى سوق العمل: تراجع النشاط الاقتصادي، واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد، وارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة، وتراجع الاستثمار والاستهلاك، وتأثر القطاعات كثيفة العمالة، وزيادة البطالة والعمل غير المنظم، وتفاقم أوضاع الفئات الهشة، وأضافت قنوات تتعلق بالمالية العامة والحماية الاجتماعية، وبتنقل الأيدي العاملة والتحويلات، وميزت بين أثر مباشر يتمثل في توقف النشاط أو تراجع النقل والسياحة والتجارة، وأثر غير مباشر ينتقل عبر الأسعار وسلاسل الإمداد والاستثمار والمالية العامة، وأثر ممتد يظهر في تراجع خلق الوظائف وتدهور المهارات واتساع العمل غير المنظم وضعف الحماية الاجتماعية وتغير مسارات الهجرة والتحويلات.

وفي قناة التجارة والطاقة، ذكرت الدراسة أن مضيق هرمز كان يمر عبره قبل الأزمة نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط البحرية العالمية، وأوردت بيانات البنك الدولي التي تشير إلى أن متوسط عبور السفن بين 2 و22 مارس/آذار 2026 انخفض إلى نحو خمس سفن يوميا مقارنة بنحو 96 سفينة في الفترة نفسها من العام السابق، أي بتراجع يقارب 95%، ونقلت عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن حركة الناقلات عبر المضيق انهارت بأكثر من 90% خلال الأيام الأولى، وعن تقرير دولي أن مخاطر الملاحة والهجمات على الناقلات قلصت حركة الشحن عبر المضيق بأكثر من 70% في فترات التوتر. وفي النقل الجوي، انخفضت طاقة الشحن الجوي العالمية على المسارات التي تربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا بنحو 40% بين 28 فبراير و3 مارس 2026.

 

الأجور والدخل الحقيقي

وأشارت الدراسة إلى أن الصدمة تظهر في الأجور الحقيقية قبل أن تظهر في التسريح الواسع، فارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمدخلات الوسيطة يضعف قدرة المنشآت على الحفاظ على الأجور الفعلية، بينما ترتفع كلفة المعيشة على الأسر. ورجحت أن يتجسد ذلك في ثلاثة أنماط متزامنة: تثبيت الأجور الاسمية مع تراجع الأجر الحقيقي، وخفض ساعات العمل والمكافآت والعمل الإضافي بدلا من الفصل المباشر، وانتقال جزء من العمالة إلى أعمال أكثر هشاشة وأقل حماية.

وذكرت أن أسعار الأسمدة العالمية قد تبقى أعلى بنحو 15 إلى 20% خلال النصف الأول من 2026 إذا استمرت الأزمة، وأن أسعار اليوريا ارتفعت بنحو 60 إلى 90 دولارا للطن في أوائل مارس، مع زيادة الأسعار القياسية في مصر بنحو 25%. وأضافت أن مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء في يونيو/حزيران 2026 يظهر استمرار الضغوط على بعض السلع الأساسية المرتبطة بإنفاق الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل.

 

تتحمل العمالة غير الماهرة الحصة الأكبر من فقدان الوظائف

وبحسب الدراسة، تتحمل العمالة غير الماهرة الحصة الأكبر من فقدان الوظائف، فعلى المستوى الإقليمي، ترتفع بطالة العمالة غير الماهرة بنحو 3 إلى 4.5 نقطة مئوية في السيناريوهات عالية الشدة، مقابل 2.5 إلى 3.5 نقطة للعمالة الماهرة، وعلى المستوى دون الإقليمي، تزداد بطالة العمالة غير الماهرة في دول الخليج بنحو 4 إلى 10 نقاط مئوية، بما يعادل ما بين 1.3 مليون وما يزيد على مليوني عاطل إضافي، وفي المشرق العربي يبدو الارتفاع أكثر اعتدالا، بما يتراوح بين 150 و250 ألف عاطل إضافي، مع تركز الآثار في العراق والأردن ولبنان، أما في شمال أفريقيا فتبدو الزيادات في معدلات البطالة أقل حدة، لكنها تبقى كبيرة بالأعداد المطلقة بسبب الحجم السكاني، وخاصة في مصر، وفي الدول المتأثرة بالنزاعات أو التي تعاني عدم استقرار، وفي مقدمتها اليمن والسودان، تبدو الزيادات أصغر نسبيا، لكنها أشد وطأة اجتماعيا بسبب هشاشة السوق أساسا.

وفيما يتعلق بالعمالة الماهرة، أوضحت الدراسة أنها ليست بمنأى عن الأثر، إذ يواجه المهندسون والفنيون والعاملون في تكنولوجيا المعلومات والمال والصحة والتعليم ضغوطا مهنية ونفسية واحتمالات للهجرة من المناطق عالية المخاطر، لكن الفارق يكمن في قدرتهم على امتصاص الصدمة والانتقال إلى وظائف بديلة، وبالنسبة للشباب، قالت الدراسة إن أسواق العمل العربية تستقبل نحو 2.8 مليون داخل جديد سنويا، بينما يجد عملا نحو 1.61 مليون فقط، ما يعني أن الحرب تضرب سوقا كان يعاني أصلا ضعف الاستيعاب. وأضافت أن تجميد التوظيف الجديد يطال الشباب أولا، وأن فقدان فرص التدريب والعمل الأول يترك أثرا ممتدا على المهارات والأجور المستقبلية.

 

العمالة الوافدة والتحويلات

وأفردت الدراسة حيزا لقناة العمالة الوافدة والتحويلات، موضحة أن العمالة المهاجرة تشكل أكثر من 40% من إجمالي قوة العمل في الخليج، وأن الدول العربية استضافت في 2019 أكثر من 24 مليون عامل وافد شكلوا 41.4% من إجمالي العمال فيها، وهي أعلى نسبة عالمية. وأي تباطؤ في النشاط الخليجي في قطاعات البناء والخدمات والنقل والتجارة قد يتحول إلى تراجع في الدخل والتحويلات أو إلى عودة اضطرارية أو طوعية للعمال.

وتعتمد دول عربية بدرجات متفاوتة على تحويلات العاملين في الخارج، إذ تمثل نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان، و8 إلى 9% في الأردن، و6 إلى 8% في مصر، ونحو 6% في المغرب، بحسب تقديرات البنك الدولي التي استندت إليها الدراسة، وأشارت إلى أن الأثر في هذه الحالة يتجاوز الدول المضيفة ليصل إلى دول المنشأ عبر الاستهلاك المحلي والسيولة الأسرية وسوق الصرف والقدرة على تحمل تكلفة المعيشة. وتتضاعف هشاشة العمالة الوافدة، بحسب الدراسة، بسبب ضعف المدخرات والقيود المرتبطة بالإقامة والعمل ومحدودية الوصول إلى الحماية الاجتماعية، وتزداد مخاطر العمال المنزليين، وأغلبهم من النساء، لأن مكان العمل هو نفسه مكان الإقامة.

وعلى المستوى القطاعي، قالت الدراسة إن قطاعات النقل البحري والموانئ والخدمات اللوجستية، والطيران والشحن الجوي، والسياحة والضيافة، تأتي في مقدمة القطاعات الأكثر تعرضا للأثر المباشر، تليها الصناعات كثيفة الطاقة والزراعة والبناء والتجارة. ففي الموانئ، يؤدي انخفاض الحركة أو تذبذبها إلى عدم انتظام ساعات العمل والدخل لدى عمال الموانئ والتخليص الجمركي والتخزين والنقل البري، وفي الطيران، أدت قيود المجال الجوي إلى إعادة توجيه رحلات الركاب والشحن وإطالة زمن الرحلات وزيادة استهلاك الوقود، وتتأثر شركات الطيران وخدمات المناولة الأرضية والصيانة ووكالات السفر والضيافة الجوية. وفي السياحة، يظهر الأثر في خفض ساعات العمل والدخل قبل أن يظهر في بيانات البطالة الرسمية، وتتأثر المنشآت الصغيرة مثل المطاعم والمقاهي ومحال الحرف والنقل السياحي بدرجة أكبر لعدم امتلاكها احتياطيات مالية كافية.

وفي قطاع الطاقة، لا تقتصر الخسارة على العاملين المباشرين، بل تمتد إلى شركات الخدمات النفطية والبتروكيماوية والمقاولين والنقل والتخزين، إذ تميل الشركات إلى تجميد عقود الصيانة غير العاجلة وتقليص العمل الإضافي، وينعكس ذلك على العمال الوافدين وذوي المهارات المتوسطة والمنخفضة قبل العمالة الفنية الأساسية، وفي الدول المصدرة قد تعوض الأسعار المرتفعة جزءا من الخسائر المالية دون أن تلغي أثر تعطل الكميات المصدرة وارتفاع التأمين وتراجع الاستثمار، بينما تنتقل الصدمة في الدول المستوردة مباشرة إلى كلفة النقل والكهرباء والإنتاج، وفي الصناعة التحويلية، تميل الشركات إلى تقليص الورديات وساعات العمل أو تجميد التوظيف والتدريب أو نقل ارتفاع التكاليف إلى الأسعار، وقد تتحول الصدمة إلى تسريح للعمالة المؤقتة وغير النظامية قبل العمالة الأساسية.

أما في الزراعة، فتنتقل الصدمة عبر أسعار الطاقة والأسمدة والأعلاف والنقل والتبريد، وتشير الدراسة إلى أن أغلب دول الخليج تعتمد على الاستيراد في ما بين 70 و90% من إمداداتها الغذائية، وقدر البنك الدولي، بحسب الدراسة، أن نقص الأسمدة قد يخفض الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة تصل إلى 8% للذرة و5% للأرز و6% للبطاطس إذا امتد الاضطراب إلى موسم الزراعة، وأن ذلك قد يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع بنحو 15%، وفي البناء، يؤدي تراجع الاستثمار وارتفاع كلفة مواد البناء والطاقة إلى تأجيل المشروعات، وينعكس ذلك على العمالة الوافدة ومنخفضة المهارة والمقاولين الصغار، وفي الصحة والتعليم، ذكرت الدراسة أن التصعيد في لبنان أدى إلى إغلاق 43 مركزا للرعاية الصحية الأولية ومستشفيين، وأن سلطات في بعض الدول المتأثرة أمرت المدارس بالانتقال إلى التعليم عبر الإنترنت خلال فترات التوتر، بما ينعكس على عمل المعلمين وعمال المدارس والرعاية.

 

المنشآت الصغيرة والاقتصاد غير المنظم

وبينت الدراسة أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة حلقة مركزية في نقل الصدمة إلى العمالة اليومية، لأنها تعمل بهوامش ربح محدودة وتعتمد على تدفقات نقدية قصيرة الأجل وتواجه صعوبة في الحصول على التمويل عند ارتفاع المخاطر، أما الاقتصاد غير المنظم فيتأثر بحدة أكبر، لأن العمال فيه يفتقرون غالبا إلى عقود مكتوبة وتأمين ضد البطالة وتعويض عن إصابات العمل، ولا يظهر تراجع دخولهم بالكامل في مؤشرات البطالة لأنه يتخذ شكل انخفاض ساعات العمل أو الدخل اليومي، ولفتت إلى أن منصات التوصيل والنقل والعمل الحر قد تشهد زيادة في الطلب على بعض الخدمات أثناء الاضطراب، لكنها تنقل جزءا كبيرا من كلفة الوقود والتأمين والمخاطر إلى العامل نفسه، وقد ترتفع ساعات العمل المطلوبة لتحقيق الدخل ذاته بينما تنخفض الأجور الحقيقية.

وقالت الدراسة إن النساء يتأثرن عبر ثلاث قنوات رئيسية: تركزهن في قطاعات خدمية واجتماعية معرضة للاضطراب مثل التعليم والصحة والضيافة والتجارة الصغيرة، وارتفاع أعباء الرعاية غير المدفوعة عند إغلاق المدارس أو ضغط الخدمات الصحية، وصعوبة العودة أو الاستمرار في العمل عندما تتراجع الأسر والمنشآت عن تحمل كلفة النقل والرعاية. وأضافت أن العاملات في الاقتصاد غير المنظم والمنشآت الصغيرة أكثر عرضة لفقدان الدخل دون ظهور ذلك في سجلات البطالة الرسمية، وتناولت الدراسة كذلك اللاجئين والنازحين الذين يتأثرون بفقدان فرص العمل الهشة وتعطل المساعدات وارتفاع أسعار الغذاء والوقود وزيادة القيود على الحركة، والأشخاص ذوي الإعاقة الذين تتضاعف مخاطرهم مع تعطل النقل العام والخدمات الصحية والتعليمية، مشيرة إلى أنه لا تتوافر حتى الآن تقديرات كمية مخصصة لأثر الحرب عليهم.

 

ثلاثة سيناريوهات لتطور الأزمة

ووضعت الدراسة ثلاثة سيناريوهات لتطور الأزمة، مؤكدة أنها أداة تحليلية لتقدير النطاق المحتمل للتداعيات لا تنبؤات قطعية، يفترض السيناريو الأول، «الاحتواء النسبي»، استمرار وقف إطلاق النار وعودة تدريجية لحركة التجارة والطيران والنقل البحري مع بقاء بعض القيود الأمنية والتأمينية، وفيه يتوقع أن يتجلى الأثر في تباطؤ خلق الوظائف أكثر من خسارة واسعة للوظائف القائمة، مع تآكل محدود في الدخل الحقيقي، ويفترض السيناريو الثاني، «الأزمة الممتدة»، استمرار التوترات والقيود التجارية والبحرية لفترة أطول مع تذبذب أسعار الطاقة والغذاء، وهو المسار الذي تعده الدراسة الأكثر احتمالا لإنتاج آثار عميقة ومتراكمة، عبر قنوات الطلب والكلفة والأجور الحقيقية والهجرة والتحويلات.

وقد تصل خسائر الأجور الحقيقية في القطاعات كثيفة التجارة والطاقة إلى 7.5%، على أن تظهر آثار التشغيل عادة بعد ربع أو ربعين، ويفترض السيناريو الثالث، «التصعيد»، تجدد العمليات أو توسعها بما يضاعف اضطراب الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، وفيه قد تقترب خسائر الوظائف من النطاق الأعلى البالغ 3.64 مليون وظيفة، مع احتمال عودة واسعة للعمالة الوافدة وانخفاض كبير في التحويلات وضغط شديد على المالية العامة وشبكات الأمان.

وتختلف الآثار بين المجموعات الإقليمية، وفق الدراسة، ففي دول مجلس التعاون الخليجي تتوقف النتائج على مدى استمرار اضطراب الطاقة والتجارة والطيران والسياحة والمشروعات الكبرى، وتستطيع هذه الدول غالبا تخفيف الأثر في سيناريو الاحتواء عبر الإنفاق العام والاحتياطيات المالية، بينما يصبح الانكشاف أكبر في سيناريوهي الأزمة الممتدة والتصعيد. وتواجه دول المشرق العربي مزيجا من ضغوط التجارة والطاقة والنزوح وتراجع السياحة وارتفاع تكاليف التمويل وضعف الحيز المالي، وفي شمال أفريقيا تبدو الآثار أكثر تباينا، إذ قد تستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة جزئيا من ارتفاع الأسعار، لكن ذلك لا ينتقل تلقائيا إلى سوق العمل إذا بقيت القطاعات كثيفة التشغيل تحت ضغط ارتفاع التكاليف وتراجع الطلب الخارجي، وأوضحت الدراسة أن زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط الخام قد تخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المستوردة للنفط بنحو 0.5 نقطة مئوية وترفع التضخم بنحو نقطة مئوية كاملة، وفق تقدير صندوق النقد الدولي.

 

التوصيات

واقترحت الدراسة حزمة من سبعة تدخلات مترابطة: حماية الوظائف في القطاعات كثيفة العمالة عبر أدوات مؤقتة مثل دعم الأجور الجزئي أو ترتيبات العمل القصير، وتوسيع الحماية الاجتماعية النقدية والغذائية للفئات المتأثرة وخاصة العمال غير المنظمين والأسر المعتمدة على التحويلات، ودعم السيولة وتمويل رأس المال العامل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وحماية أوضاع العمالة الوافدة ومنع تحول خفض النشاط إلى أزمة إنسانية أو موجة عودة قسرية غير مدارة، ومراقبة انتقال الأسعار إلى المستهلك وتفعيل المنافسة والرقابة في السلع الأساسية، وتخصيص برامج نشطة لسوق العمل موجهة للشباب والنساء، وبناء آلية عربية للإنذار المبكر وتبادل البيانات حول التشغيل والأجور والتحويلات، وبحسب الدراسة، تتفق توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين على تجنب الدعم العام غير الموجه والتركيز على التحويلات النقدية المؤقتة والموجهة ودعم الأسر والمنشآت الأكثر تضررا، مع الحفاظ على استدامة الدين والحيز المالي.

وحددت الدراسة مؤشرات للمتابعة المبكرة، منها عدد السفن العابرة لمضيق هرمز ودرجة نشاط الموانئ الإقليمية، وأسعار برنت والغاز والأسمدة، وتكاليف الشحن والتأمين الجوي والبحري، وحجوزات السفر والسياحة وإشغال الفنادق، ومؤشرات أسعار الغذاء والطاقة والنقل محليا، وبيانات ساعات العمل والأجور المتأخرة، ومؤشرات التوظيف والشواغر في القطاعات الحساسة، وتدفقات التحويلات المالية، وعدد المستفيدين الجدد من برامج الحماية الاجتماعية والمساعدات النقدية.

وفي تقديمه للدراسة، قال المدير العام لمنظمة العمل العربية فايز علي المطيري إن الحوار الاجتماعي بين الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال يظل ركيزة أساسية لبناء استجابات متوازنة وفعالة، وإن المشاركة الفعلية لأطراف الإنتاج الثلاثة في تقييم التداعيات وصياغة السياسات تضمن مراعاة احتياجات العمال والمنشآت والاقتصادات الوطنية، وأكدت المنظمة أهمية تكثيف التنسيق العربي وتبادل المعلومات والخبرات والممارسات الناجحة، وبناء آليات مشتركة لرصد التحولات في أسواق العمل ودعم قدرات الدول العربية على حماية فرص العمل والدخل وتعزيز صمود المنشآت والعمال.

ولفتت الدراسة إلى أن مستقبل أسواق العمل العربية سيتحدد بمدى سرعة الانتقال من حالة عدم اليقين إلى الاستقرار، وبقدرة الدول على منع تحول الصدمة المؤقتة إلى تراجع طويل الأمد في التشغيل والدخل، وأنه كلما تأخرت الاستجابة زاد احتمال تحول خسائر الدخل المؤقتة إلى بطالة طويلة الأمد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة