نُقشت قصيدة، مكونة من 19 سطراً، على لوح حجري في جبانة بئر الشغالة قبل 1700 سنة، وقد وضعها رجل من مصر القديمة رثاء لوالده، بينما وصف أحد الباحثين هذه المرثية بأنها "قصيدة أدبية رفيعة المستوى ومبتكرة".
القصة بدأت قبل نحو 1700 عام، حيث دُفن زوجان في مقبرة ذات شكل هرمي في واحة الداخلة، وهي بقعة خصبة تقع في الصحراء الغربية بمصر كان الرجل، الذي يُدعى "بيسيختيس" (Pisechtes) أو "سيكتيس" (Psychtis)، يشغل -على الأرجح- منصب قاضٍ؛ وإذا ما استدللنا بالقصيدة القديمة المنقوشة على لوح جنائزي وُجد في مقبرته، فيبدو أنه كان يحظى بمحبة كبيرة وحزن عميق من قِبل ذويه.
ويوضح أنجيلوس تشانيوتيس، المتخصص في الدراسات الكلاسيكية بمعهد الدراسات المتقدمة في نيوجيرسي لموقع "لايف ساينس" (Live Science)، أن النقش -المكتوب باللغة اليونانية القديمة على اللوح الحجري- يصف "بيسيختيس" بأنه كان "مستشاراً في حياته"، وعُرف بطيبته وحكمته وفي الأسطر الأخيرة من المرثية، يخاطب "سارابيون" والده "بيسيختيس" مباشرة قائلاً: "اسمع يا أبي!" ويضيف تشانيوتيس أن "سارابيون" يطلب منه في الأبيات "قبول القرابين الجنائزية وسكائب الماء التي يقدمها أبناؤه المفجوعون".
ويشير تشانيوتيس -وهو باحث لم يشارك في عمليات التنقيب الأخيرة- إلى أن القصيدة المنقوشة على اللوحة، والتي تتألف من 19 سطراً، تُعد "نصاً أدبياً رفيع المستوى ومبتكراً".
ومن السمات المثيرة للاهتمام في هذا النقش استخدام علامات تشكيلية (مثل علامات النبر)، مما يدل على "المستوى التعليمي العالي" لكاتبها.
تاريخ القصيدة الرثائية
يعود تاريخ هذه القصيدة الرثائية إلى أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الميلادي؛ وهي "تقدم دليلاً مهماً على ازدهار الحياة الأدبية والثقافية في الواحات" خلال تلك الحقبة.
وكان علماء آثار من المجلس الأعلى للآثار في مصر قد اكتشفوا مؤخراً مقبرة "بيسيختيس" المبنية من الطوب اللبن، وذلك أثناء أعمال التنقيب في جبانة "بئر الشغالة"، وهي موقع دفن كان مخصصاً للنخبة من سكان "موثيس" (Mothis)، العاصمة القديمة للواحة. وإلى جانب اللوح الحجري، تحتوي المقبرة على مائدة قرابين من الحجر الرملي، وحوض للتطهير، ومجموعة متنوعة من الأواني الفخارية، وعملة برونزية تحمل صورة الإمبراطور الروماني قسطنطين.
وتتواصل أعمال التنقيب في الموقع الجنائزي منذ عام 2002 وتكشف المكتشفات عن مزيجٍ متنوع من التأثيرات التي شهدتها المنطقة؛ بدءاً من حقبة الفراعنة الشهيرة في الدولة الحديثة بمصر، مروراً بالإرث الهيليني لليونان القديمة، وصولاً إلى الفترة التي أصبحت فيها مصر ولايةً رومانية، وهي الحقبة التي بدأت عام 30 قبل الميلاد بوفاة كليوباترا.
وفي بيانٍ صادر عن وزارة السياحة والآثار المصرية، قال هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار: "تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العناصر المعمارية الفريدة للمقبرة، وما تحويه من نقوشٍ ونصوصٍ جنائزية؛ إذ تقدم معلوماتٍ قيّمة حول الطقوس الجنائزية والحياة الثقافية والدينية في واحة الداخلة خلال العصر الروماني".
مقبرة موقع "بئر الشغالة" الجنائزي
يقع مدخل المقبرة في نهاية درجٍ مكوّنٍ من 14 درجة. وقد شُيّد المدخل من الحجر الرملي، وزُيّن بنقوشٍ هيروغليفية صُممت لحماية الموتى وإرشادهم في العالم الآخر، إلى جانب زخارف أخرى؛ مثل قرص الشمس المجنح، واثنين من الكوبرا، ونقشٍ على هيئة حزمةٍ من نبات البردي أو القصب.
أما العتبة التي تعلو الباب، فتصور مشهداً من "الساعة السابعة" في كتاب "الإمدوات" (Amduat) -وهو نصٌ جنائزي من عصر الدولة الحديثة يصف رحلة إله الشمس المصري "رع" عبر العالم السفلي-. ووفقاً لـ "صندوق المجموعات الملكية" (Royal Collection Trust)، يظهر في هذا الجزء الإله "رع" وهو يواجه "أكثر كائنات العالم السفلي رعباً؛ وهو الثعبان العظيم ’أبوفيس‘ الذي يسد طريقه"، والذي يمثل تجسيداً لـ "الفوضى والشر". وفقاً للبيان، يُعد هذا التصوير الأول من نوعه الذي يتم الكشف عنه في موقع "بئر الشغالة".
وتضم المقبرة قاعة ذات سقف مقبب انهار جزء منه، وتقع بجوار غرفتي دفن مبنيتين من الطوب اللبن، يعلوهما جزء علوي على شكل هرم أما بالنسبة للوحة "بيسيتشيس" (Pisechtes)، فقد عثر الباحثون عليها مثبتة في الجدار الجنوبي للبناء.