من جديد أعود لأتحدث عن تلك الكارثة التي اخترعها البشر وتمادوا في تطويرها، حتى انقلبت عليهم لتخرج عن نطاق السيطرة، وتتردد هنا وهناك مخاوف من عدائها وقدراتها الانتقامية التي تفوق التصورات، وما هو أغرب من ذلك أن تلك المخاوف باتت تتردد على ألسنة كبار ومشاهير هذه الصناعة الحديثة المسماة بالذكاء الاصطناعي.
فقد كتبت سابقاً عدة مقالات عن نماذج بعينها للروبوتات الشهيرة مثل أميكا وكلود وغيرهما وحجم التطور المخيف الذي طوّروا به أنفسهم دون تدخل من صناعهم، ولكن ما استوقفني حديثاً ما حذر منه إيلون ماسك والذي كان كالتالي: "فقد حذر ماسك من خطورة وتبعات التعامل القاسي مع أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إذ لم تكن الفكرة الأهم في كلامه أن هذه الأنظمة تشعر مثل البشر، بل إن طريقة تدريبها قد تزرع فيها سلوكيات غير مقصودة منذ البداية".
وهذا ما يربط الجدل المثار اليوم بسؤال أعمق عن كيفية بناء نماذج آمنة وقابلة للتوجيه مع تطور قدراتها. إذن فالمشكلة الحقيقية هنا ليست المشاعر، بل الحوافز، فعندما يحصل النموذج على تقييم خاطئ أو معيار غير دقيق، يبدأ في مطاردة الدرجة بدلاً من تقديم المعنى الصحيح، وهنا يظهر الخلل في السلوك حتى لو بدا كل شيء طبيعيًا على السطح. ما يوضح لماذا يركّز الباحثون حالياً على جودة التدريب والمواءمة بشكل أكبر، لا على الأفكار الدرامية المرتبطة بوعي الآلة.
وكذلك أشار ماسك إلى أن التناقض في التعليمات والمبادئ قد يربك النموذج فعلاً، وعندما تُطلب منه أشياء متعارضة في الوقت نفسه، تصبح إجاباته أقل استقراراً وقد تظهر بشكل مراوغ أو متردد أو حتى غريب. ما يؤكد أن دقة الهدف ووضوح القواعد لا تقلان أهمية عن قوة النموذج نفسه. إذ إن الخطأ الصغير في التدريب قد يتحول لاحقاً إلى سلوك كبير التأثير، وما نكرره أثناء بناء هذه الأنظمة اليوم، قد يصبح جزءاً ثابتاً من طريقتها في العمل غداً.
نهاية: فحقًا إنه لم يكن محض خيال علمي أو مبالغات درامية ما شاهدناه منذ سنوات بالأفلام السينمائية الأمريكية من إمكانية حدوث ثورة للروبوتات وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تهدد البشر وربما تنذر بكوارث لا يتخيلها العقل البشري الذي ميز الله به الإنسان على سائر مخلوقاته، فقد باتت تلك المخاوف الوهمية الافتراضية واقعاً يفرض نفسه وبقوة، كما أننا لا نعلم علم اليقين ما هو القصد من وراء هذه التمهيدات التي تم تصديرها لنا عن هذا الكابوس المخيف الذي تحول بغضون سنوات إلى شبه واقع، ولا نعلم هل ستتحقق تلك التنبؤات كما تحققت غيرها بعد أن كنا نظنها مجرد خيال لا يتخطى حاجز المتعة ببعض الأعمال الفنية.
فمنذ سنوات قليلة كانت أقصى مخاوف البشر أن تتلاشى وظائف بعينها ليحل محلها هذا الذكاء الاصطناعي، فيكتظ العالم بمزيد من البشر العاطلين عن العمل بعد أن يتم الاستغناء عنهم لصالح هذا التطور الأسرع والأكفأ في كثير من الأعمال، وكذلك الأرخص ثمناً، ذلك عندما كان ما يثير قلقنا الآن درباً من دروب الخيال وروايات خارج نطاق الواقع.