في سوق "النخاسة الإعلامي" الذي تديره جماعة الإخوان الإرهابية عبر شاشاتها الهاربة، لكل أزمة تاجر، ولكل شائعة سمسار، ولكل لقطة "سعر إعلاني" يُقبض بالدولار، هنا لم تعد الشاشة منصة لعرض الأفكار، بل تحولت إلى "دكان فضائي" يُعرض فيه الوطن للبيع بالقطعة، وتُحول فيه أزمات الناس إلى بضاعة رائجة تُباع لمن يدفع أكثر في مزاد النفاق والارتزاق.
في أستوديوهاتهم المكيفة بالخارج، تُصنع الأكاذيب على مقاس "السبوبة"، ويُعاد تدوير الأكاذيب القديمة بعد وضع طلاء جديد عليها لتخرج للمشاهد في ثوب جديد، والهدف استثمار رخيص في وجع المصريين، وتحويل آلام الشارع إلى وقود تشغيل لميكروفونات تصرخ على الهواء ليلاً، وتراجع حساباتها البنكية صباحاً.
تجار الوهم.. ورشة تجميل للشائعات المنتهية الصلاحية
لدى ماكينة التضليل الإخوانية وصفة شديدة التوفير والإفلاس: "لماذا نتعب أنفسنا في البحث عن واقعة حقيقية، ما دام الأرشيف ممتلئاً والأكاذيب مجانية؟"، هكذا تُسحب المقاطع المصورة من أرفف النسيج، وتُنزع من سياقها الأصلي، ثم تُدخل إلى "ورشة تجميل الشائعات"، عبارة غامضة من نوعية "مصدر مطلع يكشف" مع نبرة صوت درامية للمذيع يوحي بأن القيامة ستطرق الباب بعد الفاصل، والأطرف من ذلك أن الأكذوبة التي يروجونها بلهجة واثقة تتهاوى أمام أول سؤال عقلاني من طفل صغير: متى حدث هذا؟ وأين المصدر؟ هل الصورة مرتبطة بالواقعة بالفعل؟ وهل نشرت الجهة المنسوب إليها التصريح ما يؤكده؟ أسئلة بسيطة، لكنها كفيلة بإفساد المزاد كله.
خبراء بالطلب.. "سوبر ماركت" التحليل السياسي
وعلى شاشات المزاد تجد ظاهرة الخبير الشامل الذي يبدل أقنعته أسرع من بدلاته، نفس الوجه الهارب يطل عليك في الحادية عشرة صباحاً بصفته خبيراً اقتصادياً يفتي في أسعار الصرف، وفي السادسة مساءً كـ "محلل عسكري استراتيجي"، وفي الساعات المتأخرة يرتدي عباءة المصلح الاجتماعي، ميكروفونات مفتوحة للبيع لمن يصرخ أعلى، وضيوف يُستجلبون بالطلب لترديد نفس الاتهامات المعلبة، الإعلام الجاد يختبر الرواية قبل أن يعلنها، أما إعلام "المزايدة والنخاسة" فيصدر الحكم والاتهام أولاً، ثم ينزل إلى الشارع ليقصقص من الوقائع ما يناسب مقاس اتهامه الفاسد.
مزاد مفتوح على الوعي، تتصدره أبواق اعتادت ارتداء عباءة الدفاع عن الشعب، بينما تختزل مشكلاته في مادة للتحريض والمزايدة، وتتعامل مع كل تطور باعتباره فرصة جديدة لإعادة تدوير الخطاب ذاته، تتغير العناوين، وتتبدل الوجوه، وتتعدد المنصات، لكن الوصفة تظل محفوظة: تضخيم، واجتزاء، واتهامات بالجملة، ثم انسحاب هادئ عندما تصطدم الرواية بالوقائع، وفي هذا السوق يصبح الضجيج هو العملة الرائجة، بينما تُترك الحقيقة واقفة على باب المزاد تبحث عمن يمنحها حق الكلام.
وعلى شاشات الجماعة الإرهابية لكل أزمة فقرة جاهزة، ولكل تطور مجموعة اتهامات محفوظة، ولكل ملف معقد إجابة مختصرة لا تحتاج إلى بحث أو تدقيق، يتحول الميكروفون من أداة لمناقشة الوقائع إلى منصة لتوزيع الأحكام، ويصبح الضيف الذي يرفع صوته أكثر قدرة على خطف المشهد من صاحب المعلومة التي تحتاج إلى شرح وتفاصيل.
في هذه الوصفة، لا تبدو الأولوية لفهم ما حدث، بل لتحديد الزاوية التي تخدم الرواية المعدة سلفا، فإذا ظهرت معلومة لا تناسب الخطاب، يجري تجاهلها أو التشكيك فيها قبل فحصها، وإذا برزت واقعة يمكن استغلالها، تتصدر الشاشة وتُحمل فوق طاقتها، ثم تُعاد صياغتها مرارا حتى تبدو وكأنها الدليل القاطع على كل أكاذيبهم.
وهكذا يصبح الخطاب الإعلامي للجماعة الإرهابية أشبه بمسرح تتكرر فيه الأدوار نفسها، مذيع يرفع درجة الحرارة، وضيف يستدعي الاتهامات ذاتها، وشريط أخبار يطارد انتباه المشاهد، ثم إعادة تدوير للمشهد على المنصات، أما الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات حقيقية، والأرقام التي تحتاج إلى مصادر، والوقائع التي تستحق فحصا مستقلا، فتظل خارج الكادر.
الولاء لمن يدفع
في سوق الشعارات، تتغير اللافتات أسرع من أسعار السلع، ويصبح المبدأ قابلا لإعادة التغليف كلما تغيرت الخصومة أو تبدلت الأولويات، اليوم تُرفع راية، وغدا تُرفع أخرى، أما الثابت الوحيد فهو البحث عن رواية تخدم المعركة السياسية الدائرة، حتى لو اضطرت المنصات إلى تغيير نبرة الخطاب أو تجاهل تناقضات الأمس.
المفارقة أن الخطاب الذي يوزع شهادات الوطنية على الآخرين، ويحتكر لنفسه الحديث باسم الشعب، يحتاج أولا إلى الإجابة عن سؤال بسيط: أين ثبات المبادئ عندما تتغير الحسابات؟ فالوطنية ليست بطاقة تمنحها شاشة لنفسها، ولا شعارا يعلو صوته كلما احتاج صاحبه إلى تغطية تناقضاته.
الشعب شماعة المزايدة.. معاناة المواطنين تتحول إلى وقود للشاشات
الشعب هو الضيف الدائم على شاشات الجماعة الإرهابية المزايدة، حتى عندما لا يجد المواطن نفسه في الرواية التي تتحدث باسمه، تُستدعى معاناته عند كل أزمة، وتُرفع شكواه في مقدمة المشهد، ثم تتحول تفاصيل حياته إلى مادة لتغذية الخصومة السياسية، وكأن المطلوب إبقاء المشكلة أمام الكاميرا أكثر من البحث عن أسبابه أو مناقشة سبل التعامل معه.
كل مشكلة قابلة للتحول إلى عنوان ناري، وكل شكوى يمكن اقتطاعها من سياقها، وكل صورة يمكن تقديمها باعتبارها اختصارا لمشهد كامل، أما الأرقام التي تشرح حجم المشكلة، والبيانات التي تضعها في سياقها، والتفاصيل التي تفرق بين حالة فردية وظاهرة عامة، فقد لا تجد المساحة نفسها التي تحصل عليها "طبخات" الإعلام الإرهابي.
بضاعة بلا مصداقية.. ضجيج على الهواء وحساب الحقيقة مؤجل
المشكلة الكبرى في هذا السوق أن البضاعة قد تُباع قبل فحصها، لكن فاتورة التضليل لا تختفي بمجرد انتهاء الحلقة أو انتقال المنصة إلى موضوع آخر، فكل معلومة مغلوطة تترك أثرا، وكل صورة خارج سياقها تزرع التباسا، وكل اتهام بلا دليل يضيف طبقة جديدة من التشويش إلى المجال العام، وحين تظهر الحقيقة، يكون الجمهور قد استُنزف في مطاردة روايات متضاربة، بينما يواصل أصحاب المزايدة البحث عن أزمة جديدة.
ولذلك فإن سوق النخاسة الإعلامي يبيع الوهم في عبوة الخبر، ويعرض المواقف على رفوف المصالح، ويستعير اسم الشعب لتسويق بضاعة لا يضمن جودتها لكن اختبار المصداقية يظل قائما أمام كل منصة: من أين جاءت المعلومة؟ ما الدليل؟ هل نُقلت الواقعة كاملة؟ وهل تلتزم المنصة بتصحيح ما ثبت خطؤه، أم تترك الأكذوبة في التداول وتنتقل إلى غيرها؟
ولكن لا تحتاج الحقيقة إلى مذيع يصرخ نيابة عنها، ولا إلى عنوان مفخخ يمنحها قيمة زائفة، ولا إلى كتائب تكررها حتى تبدو حقيقة ولكنها تحتاج فقط إلى دليل واضح، ومصدر يمكن مساءلته، وعقل يرفض أن يشتري الوهم مهما كان غلافه جذابا، فالوطن ليس سلعة في مزاد، ومعاناة الناس ليست ورقة للمساومة، والوعي المصري أكبر من أن يُترك لتجار الأكاذيب يحددون له ما يرى وما يصدق.