ارتبط اسم الملك رمسيس الثاني بعدد من أشهر المعالم الأثرية في مصر، من معبدي أبو سمبل إلى معابد الأقصر والكرنك، لكن علاقته بشرق الدلتا تحمل فصلًا مهمًا من تاريخ حكمه، فقد اختار هذه المنطقة لإقامة عاصمته الملكية "بر رعمسيس"، التي تقع أطلالها في نطاق محافظة الشرقية الحالية، لتصبح مركزًا للحكم والإدارة والنشاط العسكري خلال عصر الأسرة التاسعة عشرة.
وتعود أهمية هذه العلاقة إلى المكانة التي تمتعت بها منطقة الشرقية في مصر القديمة، فقد احتضنت مواقع أثرية بارزة، من بينها قنتير وتل الضبعة وتل بسطة وصان الحجر، وتشير الدراسات الأثرية وبيانات وزارة السياحة والآثار إلى ارتباط هذه المواقع بتاريخ رمسيس الثاني وأسرته، سواء من خلال بقايا العاصمة الملكية أو التماثيل والنقوش التي تحمل اسمه، وبعضها انتقل إلى مواقع أخرى في عصور لاحقة.
قنتير.. عاصمة رمسيس الثاني في الشرقية
تعد منطقة قنتير، التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، من أهم المواقع المرتبطة بالملك رمسيس الثاني، إذ تقع في نطاق المدينة القديمة «بر رعمسيس»، التي اتخذها الملك عاصمة لحكمه، وأصبحت أحد أبرز المراكز الملكية في مصر خلال عصر الرعامسة.
وقد ارتبط اختيار المنطقة بموقعها الاستراتيجي في شرق الدلتا، بالقرب من الطرق المؤدية إلى سيناء وبلاد الشام، وهو ما منحها أهمية كبيرة في إدارة شئون الدولة وتحركات الجيش والتجارة والاتصالات الخارجية.
وتوضح دراسات المعهد النمساوي للآثار أن الحفائر التي أجراها عالم الآثار المصري محمود حمزة سنة 1928 كشفت عن بقايا منشآت ملكية تعود إلى الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين بالقرب من قنتير، وأسهمت في تحديد موقع العاصمة القديمة.
قصور ملكية وإسطبلات للخيول ومصانع للأسلحة
تكشف الحفائر الأثرية في قنتير عن طبيعة الحياة داخل عاصمة رمسيس الثاني، فقد عثر الباحثون على بقايا مبانٍ ملكية وورش لصناعة المعادن والزجاج والقيشاني، إلى جانب منشآت ارتبطت بالخيول والعربات الحربية.
ومن أبرز الاكتشافات إسطبلات كبيرة كانت تتسع لمئات الخيول، ويرتبط وجودها بأهمية العربات الحربية في الجيش المصري القديم، خصوصًا خلال عصر رمسيس الثاني الذي شهد حملات عسكرية بارزة في بلاد الشام.
كما كشفت الحفائر عن ورش لإنتاج البرونز وتجهيز المعدات، فضلًا عن أدلة على صناعة الزجاج الملون، بما يعكس تنوع الأنشطة التي عرفتها العاصمة بين الصناعات العسكرية والحرف الدقيقة.
وتشير نتائج مشروع قنتير الأثري إلى أن الإسطبلات المكتشفة كانت تستوعب ما لا يقل عن 460 حصانًا، وهو ما يقدم صورة عن حجم المنشآت المرتبطة بالخيول والعربات في المدينة
تل بسطة.. تمثال ابنة رمسيس الثاني
ومن قنتير إلى تل بسطة بمدينة الزقازيق، تظهر علاقة أخرى تربط الشرقية بأسرة رمسيس الثاني، حيث تضم المنطقة الأثرية تمثالًا للأميرة مريت آمون، ابنة الملك، التي حملت أيضًا لقب الزوجة الملكية الكبرى.
وكانت تل بسطة، المعروفة قديمًا باسم «بر باستت»، من المدن المهمة في شرق الدلتا، واشتهرت بعبادة المعبودة باستت، واحتضنت عددًا من المعابد والمنشآت التي تعود إلى عصور مختلفة من التاريخ المصري القديم.
ووفقًا للموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار، تضم المنطقة معبد باستت، ومعبد الملك ببي الأول من الأسرة السادسة، وقصر الملك أمنمحات الثالث، إلى جانب تمثال مريت آمون الذي يمثل أحد الشواهد على ارتباط المدينة بالأسرة التاسعة عشرة.
وقد شهدت تل بسطة أعمال حفائر متعددة منذ القرن التاسع عشر، أسهمت في الكشف عن تاريخها الطويل ومكانتها الدينية والحضارية.
صان الحجر.. تماثيل رمسيس الثاني في عاصمة الملوك اللاحقين
ترتبط منطقة صان الحجر بمحافظة الشرقية أيضًا باسم رمسيس الثاني، إذ تضم عددًا من التماثيل والمسلات والكتل الأثرية التي تحمل اسمه، رغم أن المدينة اشتهرت بوصفها عاصمة لمصر خلال الأسرة الحادية والعشرين، أي بعد انتهاء عصر الملك بسنوات طويلة.
وتعرف صان الحجر باسم «تانيس»، وقد نقل ملوك الأسرة الحادية والعشرين إليها عددًا من التماثيل والمسلات والمنشآت الحجرية من العاصمة القديمة «بر رعمسيس»، واستخدموها في إقامة المعابد وتزيين المدينة الجديدة.
وهذه الحقيقة مهمة لفهم علاقة رمسيس الثاني بصان الحجر، إذ أن وجود تماثيله في الموقع يرتبط في جانب كبير منه بإعادة نقل الآثار واستخدامها خلال عصور تالية، وهو ما تؤكده وزارة السياحة والآثار.
وتضم صان الحجر أيضًا بقايا معابد مخصصة للمعبودات آمون وموت وخونسو، إلى جانب المقابر الملكية للأسرة الحادية والعشرين، ومن أشهرها مقبرة الملك بسوسنس الأول.
لماذا اختفت عاصمة رمسيس الثاني؟
مع مرور الزمن، تعرضت المنطقة التي قامت عليها «بر رعمسيس» لتغيرات طبيعية، من بينها تحول مجرى النيل الذي ارتبطت به المدينة، وتراجع أهميتها بوصفها مركزًا للحكم والإدارة.
وقد ساعدت هذه التحولات على انتقال مركز السلطة إلى تانيس، حيث أعيد استخدام كميات كبيرة من أحجار العاصمة القديمة وتماثيلها ومسلاتها في تشييد المنشآت الجديدة.
ولهذا السبب، ظن بعض علماء الآثار الأوائل أن صان الحجر هي الموقع الأصلي لعاصمة رمسيس الثاني، بسبب كثرة الآثار التي تحمل اسمه، قبل أن تساعد الحفائر والدراسات اللاحقة على تحديد موقع «بر رعمسيس» في نطاق قنتير وتل الضبعة.
وتوضح هذه الرحلة كيف انتقلت بعض آثار الملك من عاصمته القديمة إلى مدينة أخرى داخل شرق الدلتا، لتبقى شاهدة على عصره بعد قرون من وفاته.
اكتشاف جديد يعيد الاهتمام بتاريخ رمسيس الثاني
ويأتي الاهتمام بتاريخ الملك رمسيس الثاني في ضوء الكشف الأثري الذي أعلنته وزارة السياحة والآثار، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، أحدهما يعود إلى رمسيس الثاني، فيما يرجح أن يكون الآخر للملك نفسه، بالإضافة إلى كتلة من الجرانيت الوردي تحمل ألقابه الملكية.
ويضاف الكشف الجديد إلى الشواهد الأثرية العديدة التي توثق حضور رمسيس الثاني في مناطق مختلفة من الدلتا، بينما تحتفظ الشرقية بمكانة خاصة في تاريخه، لاحتضانها موقع عاصمته الملكية، وما ارتبط بها من قصور ومنشآت عسكرية وصناعية، إلى جانب آثار أسرته والتماثيل التي انتقلت إلى صان الحجر.
وتكشف هذه المواقع مجتمعة عن جانب مهم من تاريخ رمسيس الثاني، الذي حكم مصر نحو 66 عامًا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتوضح كيف كانت أرض الشرقية الحالية واحدة من المراكز الرئيسية لإدارة الدولة المصرية في عهده.