تفشى إيبولا يهدد الأمهات والأطفال فى الكونغو الديمقراطية.. الخوف من العدوى يدفع النساء للولادة فى المنازل ويرفع وفيات الأمهات إلى 70%.. وتراجع تطعيمات الأطفال وانتشار الشائعات ينذران بأزمة صحية طويلة الأمد

الخميس، 15 أكتوبر 2026 04:00 ص
تفشى إيبولا يهدد الأمهات والأطفال فى الكونغو الديمقراطية.. الخوف من العدوى يدفع النساء للولادة فى المنازل ويرفع وفيات الأمهات إلى 70%.. وتراجع تطعيمات الأطفال وانتشار الشائعات ينذران بأزمة صحية طويلة الأمد تفشي فيروس إيبولا

كتبت ريهام عبد الله

لم تعد تداعيات تفشى فيروس الإيبولا فى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية مقتصرة على أعداد المصابين والوفيات الناجمة عن العدوى، بعدما امتدت الأزمة إلى تهديد حياة النساء والأطفال الذين يحجمون عن التوجه إلى المستشفيات والمراكز الطبية، خوفا من الإصابة بالفيروس، فى وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الوباء إلى أزمة صحية ممتدة، تهدد خدمات رعاية الأمومة والطفولة، وتقوض جهود التحصين ضد الأمراض المعدية لسنوات مقبلة.

 

وكشفت بيانات أممية وشهادات عاملين فى القطاع الصحى، نقلتها وكالة رويترز، عن تداعيات مقلقة لتفشى الإيبولا على خدمات الرعاية الصحية الأساسية، مع ارتفاع وفيات الأمهات بنحو 70% فى مقاطعة إيتورى، وتراجع عمليات الولادة داخل المستشفيات بأكثر من 30%، وانخفاض خدمات علاج مضاعفات الولادة بنسبة 50%، بالتزامن مع تراجع حاد فى معدلات تطعيم الأطفال، نتيجة انتشار المعلومات المضللة والمخاوف غير المبررة من انتقال العدوى داخل المنشآت الصحية.

 

وتكشف هذه المؤشرات عن أزمة تتجاوز التأثير المباشر للفيروس، إذ تدفع المخاوف المرتبطة بالإيبولا بعض النساء إلى التخلي عن الرعاية الطبية الضرورية أثناء الحمل والولادة، بينما يحرم بعض الآباء أطفالهم من التطعيمات الروتينية، الأمر الذى يضاعف المخاطر الصحية فى بلد يعانى بالفعل من تفشيات متكررة لأمراض معدية، من بينها الحصبة.

 

ارتفاع وفيات الأمهات 70%.. الخوف من الإيبولا يدفع النساء للولادة فى المنازل

فى مقاطعة إيتورى بشرق الكونغو الديمقراطية، تعكس الأرقام الأممية حجم التأثير غير المباشر لتفشى فيروس الإيبولا على صحة النساء، بعدما ارتفعت وفيات الأمهات بنحو 70% خلال الفترة من مايو إلى يوليو 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

 

ورغم محدودية البيانات المتاحة بشأن التأثيرات الصحية للوباء، فإن هذه الزيادة أثارت قلق العاملين فى المجال الصحى والمنظمات الإنسانية، باعتبارها مؤشرا على تدهور إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الطبية الأساسية، فى ظل أسوأ تفشٍ للإيبولا يسجله تاريخ البلاد.

 

ويؤكد العاملون فى القطاع الصحى أن المخاوف غير المبررة من الإصابة بالفيروس تمثل السبب الرئيسى وراء عزوف النساء عن الحصول على الرعاية الطبية خلال الحمل، واختيار الولادة داخل المنازل بدلا من المستشفيات، ما يزيد احتمالات الوفاة عند حدوث مضاعفات تستدعى تدخلا طبيا عاجلا.

 

وتتفاقم هذه الأزمة بالتزامن مع التخفيضات الحادة فى المساعدات الدولية، التى أدت إلى نقص بعض الأدوية المنقذة للحياة، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على نظام الرعاية الصحية فى المناطق المتضررة.

 

أسرّة فارغة فى أقسام الولادة.. والشائعات تبعد الحوامل عن المستشفيات

فى مدينة بوتيمبو شرقى الكونغو الديمقراطية، تقدم أقسام الولادة صورة واضحة لتأثير الخوف من الإيبولا على سلوك النساء فى طلب الرعاية الصحية.

 

ففى مركز ماسيكى للرعاية الصحية، أفادت الممرضات بأن أعداد الولادات داخل قسم الأمومة انخفضت بصورة حادة منذ الإعلان عن تفشى الوباء فى مايو الماضى.

 

وخلال زيارة أجرتها وكالة رويترز للمركز، لم تكن هناك سوى أم واحدة تستريح إلى جوار مولودها الجديد، وسط صفوف من الأسرّة الخالية، فى مشهد يعكس تراجع إقبال النساء على خدمات الولادة داخل المنشآت الصحية.

 

وقالت ليليان أدرونجا، رئيسة التمريض بالمركز، إن بعض النساء يعتقدن أن الأدوية التى يقدمها العاملون فى المجال الطبى تحتوى على فيروس الإيبولا، مشيرة إلى أن هذه الاعتقادات تمثل واحدة من الشائعات والمخاوف غير المستندة إلى أساس علمى، والمنتشرة بشأن الفيروس والخدمات الصحية.

 

وأوضحت أدرونجا أن النساء كثيرا ما يتجنبن طلب الرعاية الطبية حتى يصبح التدخل متأخرا، مستشهدة بحالة حديثة لامرأة يُعتقد أنها فقدت جنينها أثناء معاناتها من الملاريا دون الحصول على العلاج اللازم.

 

وتبرز هذه الواقعة خطورة تأخر الحصول على الرعاية الصحية، إذ لا يقتصر تأثير الخوف من الإيبولا على التعامل مع الفيروس نفسه، وإنما يمتد إلى أمراض ومضاعفات أخرى يمكن أن تتفاقم فى غياب التدخل الطبى المناسب.

 

انخفاض الولادات بالمستشفيات 30% وتراجع علاج مضاعفات الحمل والولادة للنصف

وبحسب بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، انخفض عدد الولادات داخل المستشفيات بأكثر من 30% خلال الفترة من مايو إلى يوليو، منذ بدء تفشى الإيبولا، فيما تراجعت خدمات علاج مضاعفات الولادة بنسبة 50%.

 

وتكشف هذه الأرقام عن تراجع كبير فى الاستفادة من خدمات صحة الأمومة، فى وقت تحتاج فيه النساء الحوامل إلى المتابعة الطبية المنتظمة والتدخل السريع عند ظهور أى مضاعفات.

 

ويثير انخفاض علاج مضاعفات الولادة إلى النصف مخاوف إضافية بشأن النساء اللاتى قد يواجهن حالات طبية طارئة دون الوصول إلى المستشفيات فى الوقت المناسب.

 

كما تعكس البيانات اتساع الفجوة بين احتياجات السكان الصحية والخدمات التى يحصلون عليها فعليا، فى ظل انتشار الخوف من العدوى وتراجع الثقة فى المؤسسات الطبية.

 

أكثر من 9 آلاف إصابة و4 آلاف وفاة.. الإيبولا ينتشر فى 7 مقاطعات

تأتى هذه التداعيات فى ظل استمرار تفشى الإيبولا فى جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدما امتد الوباء إلى سبع مقاطعات، متسببا فى إصابة أكثر من 9 آلاف شخص ووفاة ما يزيد على 4 آلاف آخرين.

 

ورغم تباطؤ وتيرة الإصابات فى بعض مناطق البلاد، يؤكد المسئولون أن الوباء لا يزال بعيدا عن الاحتواء الكامل.

 

ويزيد استمرار انتقال العدوى من صعوبة استعادة الثقة فى خدمات الرعاية الصحية، خصوصا فى المناطق التى تنتشر فيها معلومات مضللة بشأن المرض وطرق انتقاله والتعامل مع المصابين.

 

وفى الوقت نفسه، تواجه الجهات الصحية والإنسانية تحديات متزايدة فى جمع البيانات بصورة منتظمة، ما يجعل تقييم التأثير الكامل للوباء على الخدمات الطبية الأساسية أكثر صعوبة.

 

تطعيمات الأطفال تتراجع بأكثر من النصف.. ومخاوف من انتشار الأمراض المعدية

ولم تقتصر التداعيات غير المباشرة لتفشى الإيبولا على صحة الأمهات، إذ امتدت إلى برامج التحصين الروتينى للأطفال، وسط انخفاض ملحوظ فى معدلات التطعيم وزيارات الأطفال إلى المنشآت الطبية.

 

وتشير المنظمات الإنسانية إلى أن البيانات المتاحة عن الأشهر الثلاثة الأولى من تفشى الوباء أظهرت تراجعا حادا فى التطعيمات الروتينية وزيارات الأطفال لأقسام طب الأطفال.

 

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، فى أغسطس الماضى، من انخفاض التطعيمات الروتينية بأكثر من النصف فى المناطق الأكثر تضررا من الإيبولا بمقاطعة إيتورى، خلال الفترة من أبريل إلى يونيو.

 

وفى منطقة مونجبوالو، انخفضت معدلات الحصول على الجرعة الأولى من لقاح الحصبة بنسبة 69%، وهو تراجع يثير القلق فى بلد يعانى من تفشيات متكررة للمرض.

 

وبحسب بيانات وزارة الصحة الكونغولية، سجلت البلاد 126 ألف إصابة بالحصبة منذ بداية عام 2026، فى حين تشهد الكونغو الديمقراطية عشرات الآلاف من الإصابات بهذا المرض سنويا.

 

وكشفت يونيسف أن المنشآت الصحية فى مقاطعة إيتورى قدمت خلال مايو ويونيو جرعات تطعيم روتينية أقل بنحو 23 ألف جرعة مقارنة بشهر أبريل.

 

وتعكس هذه الأرقام حجم التأثير الذى أحدثته المخاوف من الإيبولا على برامج الوقاية من الأمراض، فى وقت تزداد فيه أهمية الحفاظ على معدلات التحصين لحماية الأطفال من العدوى.

 

يونيسف تحذر: تداعيات الإيبولا تتجاوز العدوى إلى التغذية وحماية الأطفال

وحذر راؤول كامادجو، خبير طوارئ الصحة العامة بمنظمة يونيسف، من أن المخاطر الناجمة عن تفشى الإيبولا لا تقتصر على الإصابات والوفيات المباشرة المرتبطة بالفيروس.

 

وأكد ضرورة الاهتمام بالتأثيرات غير المباشرة للوباء على الصحة والتغذية وحماية الأطفال والأوضاع الأمنية، مشددا على أن استمرار انتشار المرض لفترات أطول يزيد حجم المخاطر المرتبطة به.

 

الخوف من مراكز علاج الإيبولا يحرم الأطفال من التطعيم

فى مدينة بوتيمبو، لا ترتبط قرارات بعض الأسر بشأن تطعيم أطفالها بتوافر اللقاحات وحده، وإنما تتأثر أيضا بالمخاوف من دخول المنشآت الصحية واحتمال تحويل الأطفال إلى مراكز علاج الإيبولا.

 

وقالت ماسيكا فوراها، وهى أم لثلاثة أطفال، إن أسرتها كانت تتجنب اصطحاب الأطفال إلى المرافق الصحية خشية تحويلهم إلى مركز لعلاج الإيبولا، اعتقادا منهم بأن الوصول إلى تلك المراكز قد ينتهى بالوفاة.

 

وأوضحت أنها قررت فى النهاية تطعيم طفلها الأصغر، بعدما شاهدت أن الأطفال الذين تلقوا اللقاحات ظلوا بصحة جيدة.

 

وتعكس شهادتها تأثير المعلومات المتداولة بين السكان على قرارات الأسر المتعلقة بالرعاية الطبية، وكيف يمكن للمخاوف من الإصابة بالإيبولا أن تتغلب على إدراك أهمية التطعيم فى الوقاية من أمراض أخرى.

 

الشائعات والخرافات تضاعف الأزمة

وفى بوتيمبو أيضا، أكد طبيب الأطفال موبينزى مومبيرى أن المعلومات المضللة تسهم فى تعزيز المخاوف بين الآباء والأمهات، وقد تؤدى فى بعض الحالات إلى عواقب مأساوية.

 

واستعرض الطبيب واقعة لأم انهارت بالبكاء بعدما أحال طفلها إلى المستشفى الرئيسى لإجراء فحص بالأشعة السينية، لأنها اعتقدت أن العاملين فى المستشفى سيأخذون طفلها ويقتلونه باستخدام فيروس الإيبولا.

 

وقال مومبيرى إن تلك الواقعة كشفت له مدى انتشار سوء الفهم بشأن الخدمات الصحية والإجراءات الطبية بين بعض السكان.

 

وأوضح أن كثيرا من الآباء يلجأون فى البداية إلى علاج أطفالهم بأنفسهم أو طلب المساعدة من المعالجين التقليديين، قبل التوجه إلى المستشفيات، وهو ما يؤدى فى بعض الأحيان إلى تأخر العلاج وحدوث مضاعفات خطيرة.

 

وأضاف أن الأطفال يصلون فى أسوأ الحالات إلى المنشآت الصحية وهم فى أوضاع متدهورة للغاية، بحيث لا يتبقى أمام الأطباء سوى القليل مما يمكن تقديمه لإنقاذ حياتهم.

 

وتكشف هذه الشهادات عن دور المعلومات المضللة والمعتقدات الخاطئة فى إضعاف الثقة بين السكان والعاملين فى القطاع الطبى، الأمر الذى يؤثر على فرص الحصول على العلاج فى الوقت المناسب.

 

أزمة تتجاوز الإيبولا.. مخاوف من تداعيات صحية تستمر لسنوات

وتشير البيانات الأممية وشهادات العاملين فى القطاع الصحى إلى أن استمرار تفشى الإيبولا فى شرق الكونغو الديمقراطية يفرض تحديات تتجاوز جهود مكافحة الفيروس واحتواء الإصابات الجديدة.

 

فبينما تتزايد وفيات الأمهات وتتراجع الولادات داخل المستشفيات، تتعرض برامج تطعيم الأطفال لضغوط متصاعدة، فى ظل إحجام بعض الأسر عن زيارة المنشآت الصحية وانتشار الاعتقادات الخاطئة بشأن العدوى والعلاج.

 

وتتزامن هذه التطورات مع نقص بعض الأدوية المنقذة للحياة نتيجة تخفيض المساعدات الدولية، وصعوبات جمع البيانات الصحية بصورة منتظمة، ما يزيد تعقيد جهود تقييم الأزمة والاستجابة لها.

 

ورغم أن البيانات المتاحة لا تزال محدودة، فإن ارتفاع وفيات الأمهات بنحو 70%، وتراجع علاج مضاعفات الولادة بنسبة 50%، وانخفاض بعض تطعيمات الأطفال بنسبة تصل إلى 69%، تمثل مؤشرات مقلقة على حجم التأثير غير المباشر للوباء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة