أوروبا تستعد لحرب روسية خفية مع اقتراب الانتخابات.. اختراقات إلكترونية وتخريب وتضليل إعلامي تهدد استقرار القارة وتختبر قدرة الناتو على الرد.. مخاوف من استغلال موسكو الانقسامات السياسية لإضعاف الاتحاد الأوروبي

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لحرب روسية خفية مع اقتراب الانتخابات.. اختراقات إلكترونية وتخريب وتضليل إعلامي تهدد استقرار القارة وتختبر قدرة الناتو على الرد.. مخاوف من استغلال موسكو الانقسامات السياسية لإضعاف الاتحاد الأوروبي أوكرانيا - أرشيفية

فاطمة شوقى

تتصاعد مخاوف  الاتحاد الأوروبي من اتساع نطاق الهجمات الروسية الهجينة داخل القارة، بالتزامن مع اقتراب موسم انتخابي بالغ الأهمية يبدأ من إسبانيا، وسط تحذيرات من محاولات زعزعة استقرار الدول الأوروبية واختبار قدرة حلف شمال الأطلسي، الناتو،  على الرد، في مرحلة حساسة لمستقبل المشروع الأوروبي المشترك، في ظل استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات الأمنية بين موسكو والعواصم الغربية.

وذكرت صحيفة «الباييس» الإسبانية، أن ما يُعرف بالتهديدات الهجينة أصبح أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا، إذ تمتد تداعيات الحرب إلى أراضي الدول الأوروبية عبر أنشطة تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية، وتشمل التخريب والهجمات الإلكترونية وعمليات التأثير والتضليل الإعلامي، بما يثير مخاوف من اتساع المواجهة إلى جبهات غير عسكرية.

التهديدات الهجينة.. حرب خفية تربك الحسابات الأوروبية
 

وأشار التقرير إلى حوادث أثارت القلق في مطار لايبزيج بألمانيا خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب مشكلات استهدفت شبكة السكك الحديدية في بولندا، في وقت تتكرر فيه الحوادث الأمنية التي تثير مخاوف دول البلطيق وعدد من دول أوروبا الشرقية.

وتنظر الحكومات الأوروبية بقلق إلى هذا النوع من التهديدات، بسبب صعوبة تحديد طبيعته والجهة المسؤولة عنه في بعض الحالات، فضلًا عن إمكانية تنفيذه عبر أطراف وسيطة أو وسائل لا تبدو في ظاهرها مرتبطة مباشرة بمؤسسات الدولة التي يُشتبه في وقوفها وراءه.

وبحسب التقديرات التي عرضتها الصحيفة، تهدف هذه العمليات إلى إبقاء الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام غير واضحة، وزيادة الضغط على الحكومات الأوروبية من خلال حوادث قد تتسبب في تعطيل الخدمات أو إرباك المؤسسات أو إثارة مخاوف المواطنين بشأن أمنهم.

وتكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة عسكرية واسعة حتى تحقق تأثيرًا سياسيًا؛ إذ يمكن لهجوم إلكتروني يستهدف مؤسسة عامة، أو عملية تخريب تطال شبكة نقل، أو حملة تضليل واسعة، أن تفرض أعباء إضافية على السلطات وتثير جدلًا بشأن قدرتها على حماية المواطنين والبنية التحتية.

كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي سقوط ضحايا خلال إحدى هذه العمليات إلى تصعيد خطير، يضع الحكومات الأوروبية وحلف شمال الأطلسي أمام اختبارات سياسية وأمنية معقدة، خصوصًا إذا تعذر تحديد الجهة المسؤولة بصورة قاطعة أو اختلفت الدول بشأن طبيعة الرد المناسب.

الانتخابات الأوروبية تتحول إلى ساحة قلق أمني
 

تكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع اقتراب سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية في أوروبا، إذ تخشى بروكسل استغلال الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الدول الأعضاء للتأثير في النقاش العام، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وزيادة الاستقطاب بين القوى السياسية.

وتشمل المخاطر المحتملة حملات تضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر معلومات مضللة في توقيتات حساسة، إلى جانب محاولات اختراق مؤسسات عامة أو جهات مرتبطة بالعملية الانتخابية. ويمكن لهذه الأنشطة أن تخلق حالة من الارتباك والشك لدى الناخبين، حتى من دون تغيير مباشر في آليات التصويت أو وجود دليل على التدخل في النتائج.

وتخشى دول أوروبية أن تتجاوز أهداف هذه التحركات التأثير في انتخابات بعينها، لتصل إلى إضعاف قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات مشتركة بشأن الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها استمرار تقديم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لأوكرانيا.

فكلما اتسعت الخلافات داخل الدول الأعضاء بشأن الإنفاق الدفاعي أو المساعدات المقدمة لكييف أو العلاقة مع موسكو، ازدادت صعوبة التوصل إلى مواقف أوروبية موحدة. ولهذا، تنظر المؤسسات الأوروبية إلى حماية المجال المعلوماتي والعملية الديمقراطية باعتبارهما جزءًا من حماية الأمن الجماعي، وليس مجرد ملف تقني منفصل عن السياسة الخارجية.
ومع ذلك، فإن وجود مخاوف من التدخل الخارجي لا يعني أن كل حادث إلكتروني أو واقعة تخريب أو معلومة مضللة تقف وراءها جهة واحدة؛ إذ يتطلب إسناد المسؤولية إلى روسيا أو غيرها أدلة وتحقيقات مستقلة، خصوصًا في العمليات التي تعتمد على وسطاء أو تُنفذ بطرق تجعل مصدرها المباشر غير واضح.

موسكو والناتو.. اختبار حدود الرد الأوروبي
 

تتمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في المخاوف من أن تؤدي الهجمات الهجينة إلى اختبار قدرة حلف شمال الأطلسي على تحديد طبيعة التهديدات والاتفاق على كيفية الرد عليها. فالهجوم العسكري التقليدي يكون عادة أكثر وضوحًا من حيث الجهة المنفذة وحجم الأضرار، بينما قد تتخذ العمليات الهجينة شكل تخريب محدود أو هجوم إلكتروني أو حملة تضليل، بما يثير تساؤلات بشأن مستوى الخطورة والإجراءات المناسبة.

وتزداد صعوبة الموقف عندما تستهدف العمليات بنية تحتية مدنية، مثل السكك الحديدية والمطارات وشبكات الطاقة والاتصالات، إذ يمكن أن تتسبب في تعطيل الخدمات أو إرباك حركة النقل، من دون أن تصل بالضرورة إلى مستوى الهجوم العسكري المباشر.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق بين الدول الأوروبية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب تطوير آليات مشتركة للاستجابة للحوادث وحماية البنية التحتية الحيوية. كما يتطلب التعامل مع هذه التهديدات تحديد المسؤولية بصورة موثوقة، لتجنب ردود غير متناسبة أو تصعيد لا يستند إلى أدلة كافية.ولا يعني وقوع هجوم هجين تفعيل بند الدفاع الجماعي في معاهدة حلف شمال الأطلسي بصورة تلقائية؛ إذ يعتمد تقييم كل واقعة على طبيعتها وحجمها والظروف المحيطة بها، فضلًا عن القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء. لكن تكرار الهجمات أو سقوط ضحايا قد يزيد الضغط على الحلف لتوضيح حدود الردع وكيفية التعامل مع الاعتداءات التي تقع دون مستوى الحرب التقليدية.

التخريب والبنية التحتية.. جبهة أخرى للصراع
 

تمثل حماية البنية التحتية الحيوية أحد أبرز التحديات أمام الحكومات الأوروبية، في ظل اعتماد المجتمعات الحديثة على شبكات مترابطة للنقل والطاقة والاتصالات والخدمات الرقمية. فأي اضطراب في هذه المنظومات يمكن أن يؤثر في حركة المواطنين والتجارة، ويرفع تكاليف التشغيل، ويزيد الضغوط على الأجهزة الأمنية والخدمات العامة.

وتزداد حساسية هذا الملف مع استمرار الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت خطوط الإمداد والنقل والمنشآت المرتبطة بالطاقة والدفاع جزءًا من الحسابات الأمنية الأوروبية. ولهذا، لا تقتصر الاستعدادات على مواجهة الهجمات بعد وقوعها، بل تشمل أيضًا رفع قدرة المؤسسات على اكتشاف التهديدات مبكرًا، وتقليل نقاط الضعف، واستعادة الخدمات سريعًا عند حدوث اضطراب.

ويحتاج ذلك إلى تعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، لأن جانبًا مهمًا من شبكات الاتصالات والطاقة والتكنولوجيا تديره شركات ومؤسسات غير حكومية. كما يتطلب تبادل المعلومات بين أجهزة الأمن والجهات التنظيمية، وتدريب العاملين على اكتشاف محاولات الاختراق والتخريب، ووضع خطط واضحة للتعامل مع حالات الطوارئ.

أوروبا تبحث عن استجابة مشتركة
 

تعكس التحذيرات الأوروبية اتساع مفهوم الأمن القومي، الذي لم يعد يقتصر على حماية الحدود والقوات المسلحة، بل بات يشمل أمن البيانات والانتخابات والبنية التحتية والثقة العامة بالمؤسسات. وفي هذا الإطار، يمكن للهجمات الإلكترونية والتضليل والتخريب أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي واستراتيجي، حتى في غياب مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا والدول الأوروبية.

ويتمثل التحدي أمام بروكسل في بناء استجابة مشتركة قادرة على حماية المؤسسات الديمقراطية والخدمات الحيوية، مع الحفاظ على التوازن بين الإجراءات الأمنية والحقوق المدنية، وعدم التعامل مع كل خلاف سياسي أو معلومة متداولة باعتبارها تدخلًا أجنبيًا.

كما أن حماية الانتخابات تتطلب تعاونًا بين الحكومات والهيئات الانتخابية وشركات التكنولوجيا ووسائل الإعلام، إلى جانب إتاحة معلومات موثوقة للناخبين والتعامل السريع مع محاولات التلاعب المنظم بالمعلومات. وتظل الشفافية والتحقق من الأخبار عنصرين أساسيين في الحد من تأثير حملات التضليل، من دون المساس بحرية التعبير أو تحويل الخلاف السياسي الطبيعي إلى قضية أمنية.

وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو أوروبا أمام اختبار مزدوج: حماية أمنها الداخلي من التهديدات التي تتجاوز ساحات القتال، والحفاظ على قدرتها على اتخاذ قرارات مشتركة بشأن مستقبل الحرب وعلاقاتها مع موسكو.

وبينما تتزايد التحذيرات من مخاطر المرحلة المقبلة، يبقى التحدي الرئيسي أمام الدول الأوروبية هو تنسيق جهودها والاستجابة بصورة موحدة، من دون السماح للهجمات المحدودة أو حملات التضليل بإحداث انقسامات أعمق داخل الاتحاد الأوروبي أو إضعاف تماسكه السياسي ودعمه لأوكرانيا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة