بعد 12 عامًا من اكتمال بنائه دون أن يستقبل حركة المرور المنتظمة، تستعد الصين وكوريا الشمالية لافتتاح جسر نهر يالو الجديد، غدًا الخميس، في خطوة تستهدف تعزيز حركة التجارة والنقل بين البلدين، وتعيد إلى الواجهة مشروعًا ظل لسنوات رمزًا للفجوة بين الاستثمارات الاقتصادية الصينية والحسابات السياسية والأمنية في كوريا الشمالية.
ويربط الجسر، الذي يبلغ طوله نحو ثلاثة كيلومترات، مدينة داندونغ الصينية بمدينة سينويجو الكورية الشمالية، وقد شُيّد بتمويل صيني واكتمل عام 2014، لكنه بقي خارج الخدمة بسبب تأخر استكمال الطرق والمنشآت الجمركية على الجانب الكوري الشمالي، قبل أن تتداخل مع تعطيله التوترات السياسية والعقوبات الدولية وإغلاق الحدود خلال جائحة كورونا.
ولا تكمن أهمية افتتاحه في إضافة معبر جديد بين البلدين فحسب، وإنما في توقيته أيضًا، بعدما شهدت العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع توسع التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا، في مشهد يعيد طرح التساؤلات بشأن موقع التجارة والبنية التحتية في حسابات التحالفات الإقليمية.
جسر اكتمل.. وطريق لم يكتمل
بدأ العمل في جسر نهر يالو الجديد عام 2011، في إطار مساعٍ صينية لتطوير حركة النقل والتجارة مع كوريا الشمالية، خصوصًا أن مدينة داندونغ تمثل أحد أهم منافذ التبادل التجاري بين البلدين. وكان المشروع يستهدف تخفيف الضغط عن جسر الصداقة الصيني الكوري القديم، الذي ظل لعقود أحد أبرز شرايين الحركة التجارية عبر الحدود، مع توفير معبر أكثر قدرة على استيعاب الشاحنات والمركبات الحديثة.
لكن اكتمال الجسر لم يكن كافيًا لبدء تشغيله، إذ لم تنجز كوريا الشمالية البنية التحتية اللازمة لربطه بشبكة الطرق المحلية وتشغيل مرافق الجمارك، لتبقى المنشأة قائمة فوق النهر دون أن تؤدي الوظيفة التي أُنشئت من أجلها.
ومع مرور السنوات، تحول الجسر إلى مثال على محدودية قدرة المشروعات الاقتصادية على تجاوز الاعتبارات السياسية، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الكوري الشمالي والعقوبات الدولية المفروضة على بيونغ يانغ.
لماذا تأخر الافتتاح 12 عامًا؟
لم يكن تعطيل الجسر نتيجة عامل واحد، فإلى جانب التأخر في استكمال الطرق والمنشآت الحدودية، مرت العلاقات الصينية الكورية الشمالية بفترات من التوتر، خاصة مع تصاعد التجارب النووية والصاروخية لبيونغ يانغ، ومشاركة بكين في تطبيق عقوبات دولية عليها.
كما أثارت مشروعات الربط الاقتصادي الواسعة تساؤلات بشأن حجم الاعتماد الكوري الشمالي على الصين، التي تمثل الشريك التجاري الأكبر لبيونغ يانغ، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى تفسير بطء تنفيذ المشروع في ضوء حسابات السيادة الاقتصادية والأمنية.
ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف عقبة جديدة، بعدما فرضت كوريا الشمالية قيودًا صارمة على حدودها وحركة السفر والتجارة، ما ساهم في استمرار تعطيل المشروع حتى بعد مرور سنوات على اكتماله. وبذلك أصبح الجسر، الذي كان يفترض أن يختصر زمن انتقال البضائع، شاهدًا على مرحلة امتدت فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية إلى البنية التحتية نفسها.
الافتتاح في توقيت مختلف
يأتي التحرك نحو تشغيل الجسر وسط تطورات في العلاقات الإقليمية، إذ شهدت العلاقات الصينية الكورية الشمالية تقاربًا خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين بيونغ يانغ وموسكو. وقد اكتسبت العلاقات الكورية الشمالية الروسية أهمية إضافية منذ الحرب في أوكرانيا، خاصة بعد توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين البلدين عام 2024، وما تبعها من خطوات لتعزيز التعاون ووسائل الربط والنقل.
وفي هذا السياق، يضيف تشغيل الجسر الصيني منفذًا جديدًا أمام كوريا الشمالية، لكنه لا يعني بالضرورة تحولًا في تحالفاتها أو منافسة مباشرة بين الصين وروسيا، إذ لا تزال بكين الشريك التجاري الرئيسي لبيونغ يانغ، بينما تحكم العلاقات الثلاث مصالح أمنية واقتصادية متداخلة.
كما أن افتتاح المعبر لا يلغي القيود المفروضة بموجب العقوبات الدولية، ولا يضمن بمفرده ارتفاعًا كبيرًا في حجم التجارة، إذ يتوقف ذلك على طبيعة السلع المسموح بتبادلها ومدى انتظام حركة النقل والإجراءات الحدودية.
عندما تنتظر التجارة قرار السياسة
تكمن المفارقة في أن بناء الجسر استغرق سنوات قليلة، بينما احتاج تشغيله إلى أكثر من عقد، رغم أن البلدين يرتبطان بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة. فالصين استطاعت توفير التمويل وإنجاز المنشأة الهندسية، لكنها لم تستطع تحويلها إلى معبر تجاري فعال دون استكمال الجانب الكوري الشمالي للطرق والمنشآت اللازمة واتخاذ قرار التشغيل.
ولهذا، فإن افتتاح جسر نهر يالو الجديد لا يمثل مجرد إضافة إلى شبكة النقل بين البلدين، وإنما نهاية مرحلة طويلة ظل فيها مشروع اقتصادي مكتمل معطلًا بسبب عوامل تجاوزت الهندسة والتمويل. وبعد 12 عامًا من الانتظار، يصبح السؤال الأهم ليس كيف تمكنت الصين وكوريا الشمالية من بناء جسر فوق النهر، وإنما لماذا احتاجتا كل هذه السنوات حتى تسمح الظروف السياسية والاقتصادية بعبوره؟