وراء كل موهبة قصة تستحق أن تُروى، ووراء كل فكرة طموح ينتظر الفرصة المناسبة حتى يرى النور، لكن الطريق من اكتشاف الموهبة إلى تحقيق النجاح ليس سهلًا دائمًا، فهناك شباب يمتلكون قدرات كبيرة وأفكارًا واعدة، لكنهم يحتاجون إلى من يكتشفهم، ويؤمن بإمكاناتهم، ويفتح أمامهم الطريق لتحويل أحلامهم إلى واقع، فالفرق كبير بين موهبة تمتلك القدرة على النجاح، وموهبة تجد من يساعدها على اكتشاف قدراتها واستثمارها والوصول بها إلى أبعد مدى.
من هنا تأتي أهمية جلسة "الشباب والرياضة: من إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير" ضمن منتدى مصر 2026، التي تلقيت دعوة للمشاركة فيها، حيث تفتح باب النقاش حول كيفية الانتقال من اكتشاف مواهب الشباب إلى تمكينهم من تحقيق إنجازات ملموسة. فالقضية لا تتعلق فقط بإتاحة الفرص للمشاركة، وإنما بكيفية استثمار قدرات الشباب، وتطوير أفكارهم، ومساعدتهم على تحويل طموحاتهم إلى نتائج حقيقية يستفيد منها المجتمع.
الاهتمام بالشباب ليس مجرد واجب اجتماعي، بل استثمار في المستقبل، لأن ما يمتلكونه من طاقات وأفكار يمكن أن يتحول إلى قوة تدفع المجتمع إلى الأمام، إذا وجدوا الرعاية والتوجيه والفرصة المناسبة. وتزداد أهمية هذا الاستثمار عندما لا يتوقف عند اكتشاف الموهبة، بل يمتد إلى تأهيل صاحبها، ومساعدته على تطوير قدراته، وفتح مسارات حقيقية أمامه للتعلم والعمل والإبداع.
على أرض الواقع، تقدم الرياضة نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة، فخلف كل لاعب يصل إلى منصة التتويج سنوات من التدريب والالتزام والتضحيات، إلى جانب منظومة تساعده على التطور وتمنحه فرصة المنافسة، فالنجاح الرياضي لا يتحقق بالموهبة وحدها، وإنما يحتاج إلى اكتشاف مبكر، وتدريب مستمر، ورعاية حقيقية، وبيئة تمنح اللاعب القدرة على التطور والوصول إلى أفضل مستوياته.
كما أن الرياضة لا تصنع أبطالًا في الملاعب فقط، بل تسهم في بناء الشخصية، وتعزز قيم العمل الجماعي وتحمل المسؤولية واحترام المنافس، وهي قيم تمتد آثارها إلى مختلف جوانب الحياة، وتجعل الاهتمام بالرياضة جزءًا مهمًا من الاهتمام ببناء الإنسان، وإعداد جيل قادر على مواجهة التحديات والمشاركة بفاعلية في المجتمع.
لكن الموهبة، مهما كانت كبيرة، لا تكفي وحدها لصناعة النجاح، فهي تحتاج إلى التدريب المستمر والتأهيل والدعم، وإلى القدرة على التعلم من الأخطاء وتجاوز الصعوبات. وهنا تظهر أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في توفير الفرص المناسبة، حتى لا تظل المواهب حبيسة الإمكانات الفردية، وإنما تجد الطريق إلى التطور وتحقيق الإنجازات.
لا تقتصر هذه المعادلة على الرياضة، بل تمتد إلى الابتكار وريادة الأعمال ومختلف المجالات التي يستطيع الشباب من خلالها تقديم أفكار جديدة والمساهمة في مواجهة التحديات. فالفكرة الواعدة تحتاج إلى من يساعدها على التطور، والموهبة تحتاج إلى فرصة حقيقية حتى تتحول إلى إنجاز يمكن أن يراه الجميع، وهو ما يجعل الاستثمار في قدرات الشباب ضرورة لبناء المستقبل، وليس مجرد خيار يمكن تأجيله.
من المهم أيضًا أن يكون الشباب شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد مستفيدين من المبادرات والبرامج، وذلك من خلال الاستماع إلى أفكارهم، ومنحهم مساحة للتجربة، وتشجيعهم على تقديم الحلول والمشاركة في تطوير مجتمعاتهم، فالشاب الذي يجد من يثق في قدراته ويمنحه فرصة لإثبات نفسه يصبح أكثر استعدادًا للمبادرة وتحمل المسؤولية، وتتحول طاقته من مجرد طموح إلى عمل يحقق نتائج ملموسة.
هنا يأتي دور الإعلام في تسليط الضوء على المواهب والتجارب الناجحة، والتعريف بالمبادرات التي تفتح أمام الشباب آفاقًا جديدة. فمهمة الإعلام لا تقتصر على نقل الفعاليات والأخبار، بل تمتد إلى إبراز النماذج الملهمة، وإيصال الأفكار الجيدة إلى الجمهور، ومنح التجارب الواعدة مساحة تستحقها من الاهتمام والنقاش، وقد تكون قصة نجاح واحدة سببًا في تشجيع شاب آخر على اكتشاف موهبته، أو تحويل فكرة ظل يحتفظ بها إلى مشروع يبدأ خطواته الأولى نحو النجاح.
تستحق جهود الدولة في دعم الشباب واكتشاف مواهبهم وأفكارهم أن تحظى بالاهتمام والتقدير، خاصة عندما تتيح لهم فرصًا حقيقية للتعبير عن قدراتهم وتحويل طموحاتهم إلى إنجازات. فنجاح هذه الجهود لا يقاس فقط بحجم المبادرات أو عدد المشاركين فيها، وإنما بمدى تأثيرها في حياة الشباب، وقدرتها على فتح أبواب جديدة أمامهم للتعلم والعمل والإبداع.
تأتي أهمية المنتديات التي ترعاها الدولة، وفي مقدمتها منتدى مصر 2026، الذي أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي انطلاقه خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري بالعاصمة الإدارية الجديدة، بمشاركة 8000 مشارك مصري، وحضور 150 صانع قرار، من خلال 16 جلسة نقاشية تناقش نهضة مصر بين الواقع والمستقبل، وطموحات مصر العظيمة وآمال شبابها.
تتيح هذه المنتديات جمع الأفكار والتجارب، وفتح المجال أمام الحوار وتبادل الخبرات، وتسليط الضوء إعلاميًا على المبادرات التي تستحق الانتشار، بما يمنح قضايا الشباب مساحة أوسع للنقاش، ويساعد على التعريف بالطاقات الواعدة، ويشجع على تبادل التجارب التي يمكن البناء عليها وتطويرها، وتزداد قيمة هذه اللقاءات عندما تتحول الأفكار المطروحة خلالها إلى خطوات عملية، تفتح فرصًا جديدة أمام الشباب وتساعدهم على تحقيق طموحاتهم.
يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطًا بما تحققه على أرض الواقع، وليس فقط بعدد الفعاليات أو المشاركين، فالمعيار الحقيقي يتمثل فيما يكتسبه الشباب من مهارات، وما يتاح أمامهم من فرص للتعلم والعمل، ومدى قدرتهم على تطوير مواهبهم وتحويل أفكارهم إلى إنجازات ملموسة، فكل فرصة حقيقية يحصل عليها شاب، وكل موهبة تجد الرعاية المناسبة، يمكن أن تمثل بداية لقصة نجاح جديدة تضيف إلى المجتمع.
تطرح الدولة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، باستمرار أفكارًا ومبادرات تستهدف رعاية الشباب ودعمهم في مختلف المجالات، وهو ما يؤكد أهمية استمرار التعاون بين المؤسسات المختلفة، حتى لا تتوقف رحلة الموهبة عند الاكتشاف، بل تمتد إلى التدريب والتأهيل، ثم الإنتاج وتحقيق النجاح المنشود، فالتكامل بين جهود الدولة والمؤسسات الرياضية والتعليمية والإعلامية من شأنه أن يمنح الشباب فرصًا أوسع لإثبات قدراتهم، ويحول الطاقات الواعدة إلى إنجازات يستفيد منها الجميع.
في النهاية، يفتح منتدى مصر 2026 الباب أمام نقاش مهم حول كيفية الانتقال من إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير، ومن اكتشاف المواهب إلى تحقيق الإنجازات، فبناء المستقبل لا يتحقق بمجرد امتلاك الطاقات، وإنما بالقدرة على اكتشافها ورعايتها وتوفير البيئة المناسبة لها كي تنمو وتقدم أفضل ما لديها.
إن الشباب يمتلكون الطموح والأفكار والقدرة على التغيير، وما يحتاجونه هو فرصة حقيقية ودعم مستمر ومساحة تسمح لهم بإثبات أنفسهم، وعندما تتكامل جهود الدولة والمؤسسات والإعلام، تصبح هذه الفرص أكثر قدرة على الوصول إلى أصحاب المواهب، وتتحول قصص النجاح الفردية إلى نماذج تلهم الآخرين وتضيف إلى مسيرة الوطن.. مصلحة مصر من وراء القصد.