بين جدران مهدمة وبيوت تحولت إلى أنقاض، وفي أماكن كانت يوما تضج بالحياة قبل أن تترك الحرب بصمتها القاسية عليها، تتجمع عيون صغيرة أمام شاشة كبيرة، تتابع شخصيات كرتونية ملونة، وتلاحق أحداثا خيالية تنقلها مؤقتا من واقع الخوف إلى عالم آخر، أكثر أمانا وبهجة، هناك، وسط الركام ومخيمات النزوح ومراكز الإيواء، يحاول فريق ترفيهي أن يمنح أطفال غزة لحظات من الفرح، ويعيد إلى وجوههم بعضا من ابتسامات غابت طويلا تحت وطأة الحرب.
ليست قاعة سينما فاخرة، ولا مقاعد مريحة أو جدران مزينة، بل شاشة تنصب في مساحة متاحة، وجهاز عرض محمول، وأطفال يجلسون متقاربين، تتجه أنظارهم نحو الصور المتحركة، وكأنهم يعثرون وسط المشهد القاسي على نافذة صغيرة تطل على عالم مختلف، لا تسمع فيه أصوات القصف، ولا يضطر فيه الطفل إلى التفكير في النزوح أو فقدان المنزل أو الخوف من الغد.
سينما الأجنحة الصغيرة
من هذه الفكرة انطلقت مبادرة "سينما الأجنحة الصغيرة"، التي أطلقتها مؤسسة رشيد المشهراوي في غزة، لتكون سينما متنقلة تصل إلى أطفال القطاع في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، وحتى بين البيوت المدمرة، في محاولة للتخفيف من الآثار النفسية الصعبة التي خلفتها الحرب، وخلق مساحة إنسانية تسمح للأطفال بالضحك والخيال واللعب، ولو لساعات قليلة.
شاشة صغيرة في مواجهة واقع قاس
في غزة، لم تعد طفولة كثير من الأطفال تشبه ما يعرفه أقرانهم في أماكن أخرى، فبدلا من الذهاب إلى المدارس واللعب في الحدائق ومشاهدة الرسوم المتحركة داخل منازلهم، وجدوا أنفسهم وسط ظروف استثنائية، تحاصرهم مشاهد الدمار، وتثقل أيامهم مشاعر الخوف والقلق وعدم الاستقرار.
أطفال اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وآخرون فقدوا أماكنهم المألوفة، فيما يعيش كثيرون في مخيمات ومراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الطبيعية، وفي مثل هذه الظروف، لا تكون الحاجة إلى الغذاء والماء والمأوى وحدها هي ما يشغل حياة الصغار، بل تمتد أيضا إلى حاجتهم للشعور بالأمان، والحصول على لحظات من الراحة النفسية، وممارسة أنشطة تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم واستعادة شيء من طفولتهم.
الأطفال يتابعون أفلام الكرتون
هنا تحاول "سينما الأجنحة الصغيرة" أن تقدم استجابة مختلفة، تعتمد على الفن والترفيه بوصفهما وسيلة للتواصل مع الأطفال، وفتح مساحة للخيال وسط واقع شديد القسوة، فمن خلال شاشات كبيرة وأجهزة عرض محمولة، ينتقل الفريق بين أماكن وجود الأطفال، من دون الحاجة إلى قاعات سينمائية ثابتة أو تجهيزات معقدة، ويكفي العثور على مساحة مناسبة، وتجهيز الشاشة، وبدء العرض، حتى يتحول المكان لبعض الوقت إلى مساحة تجمع الأطفال حول حكايات وشخصيات كرتونية تحملهم بعيدا عن مشاهد الدمار المحيطة بهم.
حين يصبح الضحك مساحة للأمل
لا تتوقف المبادرة عند عرض الأفلام الكرتونية، بل تتضمن فعاليات ترفيهية أخرى، من بينها الرسم على الوجوه، في محاولة لجعل التجربة أكثر قربا من عالم الأطفال واحتياجاتهم.
ألوان على الوجوه، وشخصيات كرتونية على الشاشة، وعيون تتابع الأحداث بشغف، تفاصيل تبدو بسيطة في الظروف العادية، لكنها تكتسب معنى مختلفا في مكان أنهكته الحرب، فهذه اللحظات تمنح الأطفال فرصة للتفاعل واللعب والتواصل مع أقرانهم، بدلا من البقاء أسرى أجواء التوتر والعزلة التي قد تفرضها ظروف النزوح.
لا يمكن لعرض سينمائي أن يمحو آثار الحرب أو يعوض الأطفال عما فقدوه، لكنه يستطيع أن يخلق مساحة مؤقتة للتنفس، ويذكرهم بأنهم ما زالوا يستحقون الفرح والاهتمام، وطفولتهم لا ينبغي أن تختصر في صور الدمار والخوف، كما تحمل المبادرات الفنية والترفيهية أهمية خاصة عندما تُنفذ في بيئات النزوح، حيث يحتاج الأطفال إلى أنشطة آمنة ومنظمة تساعدهم على استعادة الإحساس بالحياة اليومية، وتتيح لهم التعبير عن أنفسهم بعيدا عن الضغوط المستمرة.
سينما الأجنحة الصغيرة
سينما بلا جدران تصل إلى الأطفال
تتميز المبادرة بطبيعتها المتنقلة، حيث لا تنتظر أن يأتي الأطفال إلى قاعة سينما، بل تسعى إلى الوصول إليهم في أماكن وجودهم، مهما كانت الظروف صعبة، فالشاشة يمكن أن تُنصب في مخيم نزوح، أو مركز إيواء، أو مساحة بين مبان مدمرة، لتصبح السينما تجربة متاحة للأطفال الذين حرموا من كثير من الأنشطة الترفيهية المعتادة.
وتستمر العروض لساعات، بما يمنح الأطفال فرصة لقضاء وقت جماعي في أجواء مختلفة عن روتين النزوح القاسي، وخلال هذه الساعات، تتراجع صور الركام إلى خلفية المشهد، بينما تتقدم الحكايات الكرتونية والألوان والأنشطة الترفيهية إلى الواجهة.
وتحمل هذه المبادرة رسالة تتجاوز حدود الترفيه، مفادها أن الاستجابة لاحتياجات الأطفال في أوقات الحرب لا تكتمل بتوفير الاحتياجات الأساسية وحدها، بل تتطلب أيضا الاهتمام بصحتهم النفسية، وحماية حقهم في اللعب والتعلم والخيال، والعمل على توفير مساحات آمنة قدر الإمكان تساعدهم على تجاوز آثار التجارب الصعبة.
بقعة ضوء وسط الدمار
في مشهد تتراكم فيه الخسائر، تبدو شاشة السينما المتنقلة أشبه ببقعة ضوء صغيرة تحاول مقاومة العتمة، ليس لأنها قادرة على تغيير واقع غزة بمفردها، بل لأنها تذكر بأن الحياة لا تزال تستحق المحاولة، والأطفال الذين تحاصرهم الحرب ما زالوا بحاجة إلى من يمنحهم الاهتمام والوقت والفرصة للابتسام.
ربما تنتهي العروض، وتطوى الشاشة، ويعود الأطفال إلى أماكن إقامتهم وسط ظروفهم الصعبة، لكن الأثر الإنساني لهذه الساعات قد يبقى في ذاكرتهم بوصفه لحظة مختلفة، اجتمعوا فيها حول قصة خيالية، وضحكوا معا، ورسموا ألوانا على وجوههم، واستعادوا شيئا من عالم الطفولة الذي تحاول الحرب انتزاعه منهم.
"سينما الأجنحة الصغيرة" ليست مجرد شاشة تعرض أفلاما كرتونية بين الأنقاض، بل محاولة لفتح نافذة للأمل أمام أطفال يحتاجون إلى أكثر من النجاة الجسدية؛ يحتاجون إلى الشعور بأن طفولتهم ما زالت مهمة، وأحلامهم تستحق أن تُصان، وأن وسط هذا الركام لا يزال هناك من يحاول أن يمنحهم لحظة فرح.
حين تعجز الكلمات عن تخفيف وجع الصغار، قد تمنحهم حكاية كرتونية أو لعبة أو لون مرسوم على الوجه فرصة قصيرة للابتسام، وفي غزة، حيث تتزاحم صور الفقد والدمار، تصبح هذه اللحظات الصغيرة تذكيرا كبيرا بأن حماية الطفولة تبدأ أيضا بمنح الأطفال حقهم في الفرح والأمان والحلم بمستقبل أفضل.
أطفال غزة في مواجهة الموت
تأتي سينما الأجنحة الصغيرة وسط واقع قاسي يعيشه أطفال غزة، خلف كل رقم من الأرقام المعلنة، حكاية طفل فقد حياته، أو أسرة فقدت أحد أبنائها، أو صغير حُرم من مدرسته وبيته وأبسط حقوقه في العيش بأمان، وبين أصوات القصف ومشاهد النزوح والجوع، تتواصل معاناة الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف قاسية تهدد حياتهم ومستقبلهم، بعدما تحولت طفولتهم إلى رحلة شاقة بحثا عن الغذاء والعلاج ومكان آمن للنوم.
وفي أرقام تعكس حجم المأساة الإنسانية، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان صدر بتاريخ 11 سبتمبر، إحصاءات أكد إنها تكشف جانبا من المعاناة التي يعيشها أطفال القطاع خلال الحرب، مشيرا إلى وصول 21 ألفا و976 طفلا شهيدا إلى المستشفيات، بينهم 1125 رضيعا لم يكملوا عامهم الأول، بجانب 612 رضيعا ولدوا واستشهدوا خلال الحرب، وفقا للبيانات التي نشرها المكتب.
هذه الأرقام لا تختصر فقط حجم الخسائر البشرية، بل تكشف عن مأساة تبدأ منذ اللحظات الأولى للحياة، حيث أطفال لم تتح لهم فرصة النمو، ولم تعرف أعينهم من الدنيا سوى أيام قليلة، وأسر وجدت نفسها أمام فاجعة فقدان أبنائها في ظروف لا تملك فيها سوى الانتظار والألم.
لم تتوقف تداعيات الحرب عند الخسائر البشرية، بل امتدت إلى مستقبل مئات الآلاف من الأطفال، بعدما أشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى استشهاد نحو 22 ألف طالب، وحرمان 650 ألف طفل من التعليم.
وخلف هذه الأرقام مدارس غابت عنها أصوات التلاميذ، ومقاعد دراسية لم يعد أصحابها قادرين على العودة إليها، وأطفال كان يفترض أن ينشغلوا بواجباتهم المدرسية وأحلامهم المهنية، لكنهم أصبحوا منشغلين بتأمين احتياجاتهم الأساسية والبحث عن الأمان.
والمدرسة بالنسبة إلى الطفل ليست مجرد مكان لتلقي الدروس، بل مساحة للنمو والتفاعل وبناء الأحلام، وعندما يحرم الأطفال من التعليم لفترات طويلة، فإن آثار ذلك قد تمتد إلى مستقبلهم النفسي والاجتماعي والمعرفي، وتزيد من صعوبة استعادة حياتهم الطبيعية بعد انتهاء الحرب.
وتتضاعف المعاناة مع فقدان الأسرة، حيث ذكر المكتب أن 62 ألفا و247 طفلا أصبحوا أيتاما بفقدان أحد الوالدين أو كليهما، بينهم 2774 فقدوا والديهم معا، وهي مأساة تترك الأطفال في مواجهة الحزن والحرمان، وتضعهم أمام احتياجات إنسانية ونفسية ومعيشية تتطلب رعاية متواصلة.
الجوع يطارد الصغار والرضع في دائرة الخطر
وفي الوقت الذي يحتاج فيه الأطفال إلى الغذاء والرعاية الصحية للنمو، حيث حذر المكتب الإعلامي الحكومي من أن نحو 650 ألف طفل مهددون بالموت نتيجة الجوع وسوء التغذية، بينهم 40 ألف رضيع، وفقًا للأرقام المعلنة.
وأشار البيان إلى استشهاد 164 طفلا بسبب الجوع وسوء التغذية، ووفاة 25 طفلًا نتيجة البرد، في مؤشرات تسلط الضوء على المخاطر التي يواجهها الصغار في ظل نقص الغذاء والاحتياجات الأساسية وصعوبة الحصول على الرعاية المناسبة.
والطفل الذي يعاني الجوع لا يواجه مجرد شعور مؤقت بالحاجة إلى الطعام، بل قد يتعرض لمضاعفات صحية خطيرة تؤثر في نموه ومناعته وقدرته على مقاومة الأمراض، خاصة في سنوات العمر الأولى، كما أن الرضع والأطفال المصابين بأمراض مزمنة يحتاجون إلى تغذية منتظمة ورعاية طبية لا يمكن الاستغناء عنها.
إصابات تغير حياة الأطفال إلى الأبد
ومن بين الجوانب الأكثر قسوة في هذه المأساة، الإصابات التي تترك آثارا طويلة الأمد على حياة الأطفال، حيث أفاد المكتب بأن 972 طفلا يعانون من بتر الأطراف، بما يمثل 18% من إجمالي حالات البتر التي أشار إليها.
وخلف كل حالة طفل يحتاج إلى رعاية طبية وتأهيل جسدي ونفسي، وربما إلى أطراف صناعية ومتابعة مستمرة تساعده على استعادة قدر من الحركة والاستقلالية، كما يحتاج هؤلاء الأطفال إلى بيئة داعمة تتيح لهم مواصلة التعليم والاندماج في المجتمع، رغم التحديات التي فرضتها الإصابة.
وفي الوقت نفسه، أشار المكتب إلى أن 5200 طفل بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل، بينما ينتظر 5803 أطفال السفر لتلقي العلاج، حيث تبرز هذه الأرقام أهمية تسهيل وصول المرضى الصغار إلى الخدمات الطبية المتخصصة، وتوفير الإمدادات اللازمة للمستشفيات، بما يضمن عدم تأخر الرعاية التي قد تتوقف عليها حياة بعضهم.
مرضى صغار يواجهون نقص الدواء
وتزداد المخاطر على الأطفال المصابين بالأمراض المزمنة، حيث ذكر البيان أن 2432 طفلا مصابا بالسكري يواجهون خطرا صحيا بسبب نقص الأنسولين، ويحتاج هؤلاء إلى علاج منتظم ومتابعة دقيقة، لأن انقطاع الدواء أو تعذر الحصول على الرعاية المناسبة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.
كما أشار المكتب إلى تسجيل 12 ألف حالة إجهاض قال إنها ارتبطت بسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية، في مؤشر على امتداد آثار الأزمة إلى الأمهات والأجنة، وما يفرضه ذلك من احتياجات طبية وإنسانية عاجلة، وذكر المكتب كذلك أن الأطفال والنساء والمسنين يمثلون 55% من إجمالي شهداء الحرب، مؤكدا أن الفئات الأكثر ضعفا تتحمل جانبا كبيرا من تبعات الحرب.
نداء إنساني لإنقاذ الطفولة
وفي ختام بيانه، طالب المكتب الإعلامي الحكومي بتدخل دولي عاجل لوقف الحرب، وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي أشار إليها، وبعيدا عن لغة الأرقام والإحصاءات، تبقى الحقيقة الإنسانية الأهم أن وراء كل رقم طفلا له اسم ووجه وحكاية، وأسرة كانت تحلم بأن تراه يكبر ويتعلم ويلعب ويصنع مستقبله، أطفال لا ينبغي أن تكون طفولتهم مرهونة بالحصول على وجبة غذاء أو جرعة دواء أو فرصة للعلاج.