أحمد يحيى

من سول إلى جاكرتا.. هندسة التوجه الآسيوي للسياسة الخارجية المصرية

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 12:46 م


لا تكمن أهمية الزيارات الرئاسية في عدد العواصم التي تشملها، ولا في مظاهر الحفاوة التي تصاحبها فقط، بقدر ما تكمن في الأسئلة الجوهرية التي تطرحها حول اتجاهات الدولة، وحدود قدرتها على توسيع خياراتها في عالم تتغير موازين القوة فيه بوتيرة متسارعة. ومن هذا المنطلق، أرى أن الجولة الآسيوية الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي — والتي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا خلال الفترة من 6 إلى 11 أكتوبر الجاري — تستحق قراءة استراتيجية تتجاوز متابعة اللقاءات والاتفاقات، لتبحث في دلالة اختيار هذه الدول بالتحديد، وفي موقع الجولة ضمن هندسة السياسة الخارجية المصرية.

فقد أسفرت الزيارات، وفق ما أعلنه الرئيس فور عودته، عن توقيع نحو عشرين اتفاقاً ومذكرة تفاهم تركزت في مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية. وفي تحليلي، فإن الرسالة الأهم هنا هي أن القاهرة لم تعد تقبل بحصر علاقاتها الدولية في مسار واحد، بل تسعى حثيثاً إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات التي تتعدد فيها الأسواق ومصادر التكنولوجيا وفرص التمويل. هذا التحرك لا يعني بالضرورة المفاضلة بين شريك وآخر، ولا يبعث برسائل إشارة أو مواجهة مع أي قوة دولية؛ بل يؤكد منطقاً استراتيجياً صادقاً مفاده أن سيادة القرار الوطني تتناسب طردياً مع اتساع خيارات الدولة وتنوع أدوات تعاونها.

ويكتسب هذا المعنى عمقاً إضافياً إذا وضعنا الجولة في سياقها الجيواقتصادي الأوسع، وتحديداً عقب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة في مطلع سبتمبر الماضي. فبينما جاءت زيارة بكين لتأكيد عمق الشراكة الاستراتيجية وتوطين الصناعات الثقيلة، جاءت المحطات الآسيوية الثلاث لتفتح مسارات تكميلية مع اقتصادات تمتلك خبرات ونماذج تنموية متباينة. فكوريا الجنوبية تتيح فرصاً نوعية في نقل التكنولوجيا المتقدمة وتوطين التصنيع الرقمي، بينما تقدم ماليزيا نموذجاً ملهماً في الاقتصاد الرقمي وحوكمة التعاون المالي، في حين تفتح إندونيسيا — كأكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا — مجالاً واسعاً أمام تعزيز التبادل التجاري وتأسيس استثمارات إنتاجية مشتركة تستهدف الوصول لتبادل بقيمة 5 مليارات دولار بحلول عام 2030.

ولعل من الدلالات النفسية والثقافية التي تستحق التوقف، ما شهدته سيول من احتفاء بالثقافة المصرية، وما أعرب عنه رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم من تقدير صادق للدور التاريخي للأزهر الشريف والجامعات المصرية. وفي تقديري، فإن هذه اللفتات ليست مجرد بروتوكولات إنسانية عابرة؛ إنها تذكير حقيقي بحجم "القوة الناعمة" لمصر في الذاكرة الآسيوية. غير أن القوة الناعمة — مهما بلغت قيمتها المعنوية — تظل مجرد مدخل يمهد الطريق، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء شباك المصالح المادية المتبادلة.

السؤال الفيصلي والحاسم الذي يجب أن يشغل المؤسسات الوطنية اليوم هو: ماذا بعد عودة الوفود وإغلاق دفاتر مذكرات التفاهم؟ إن الوثائق الموقعة لا تتحول تلقائياً إلى مصانع منتجة أو تدفقات نقدية أو فرص عمل للشباب. والمعيار الحقيقي لتقييم نجاح هذه الجولة لن يتأسس على حرارة حرس الشرف أو دقة البيانيات الصادرة، بل سيتحدد عبر قدرة الجهاز التنفيذي على الإجابة الميدانية: كم مشروعاً كورياً أو ماليزياً أو إندونيسياً دخل حيز التنفيذ بالفعل؟ وكيف استطاعت مصر توظيف موقعها الجغرافي كبوابة استراتيجية لإفريقيا والشرق الأوسط لمقايضة "نفاذ الأسواق" بـ "نقل حقيقي للتكنولوجيا"؟

إن السياسة الخارجية الرشيدة ليست هي التي تكثر فيها الأبواب المفتوحة فحسب، بل هي تلك التي تملك الرؤية والمتابعة لتحويل كل باب إلى فرصة عمل، وكل شراكة إلى مصلحة، وكل تقارب سياسي إلى عائد تنموي ملموس يحمي الاقتصاد الوطني ويعزز استقلال القرار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة