كذبة واحدة قد تتحول إلى مئات المنشورات، وعنوان مفخخ يبدأ بكلمة عاجل قد يشعل موجة من القلق قبل أن يعرف أحد أين الحقيقة وأين الفبركة، بهذه الخلطة تحاول منصات جماعة الإخوان الإرهابية تحويل مواقع التواصل إلى مصنع مفتوح للشائعات، تُفبرك فيه الروايات، وتُخفى فيه المصادر، وتُحشد الحسابات لتضخيم الأكاذيب حتى تبدو وكأنها وقائع لا تقبل الشك، لا دليل يسبق الاتهام، ولا مصدر موثوق يسند الادعاء، ولا مساحة للتراجع المهني، هذه الأمور لا يعلم عنها الإخوان وإعلامهم ولجانهم الإلكترونية شيئا فالمطلوب أن تنتشر الكذبة أولا، وأن يتولى الخوف مهمة الترويج لها، وأن يصل التضليل إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين قبل أن تظهر الحقيقة وتفضح اللعبة.
فالمعركة هنا تستهدف الوعي قبل المعلومة وتراهن على أن الصدمة أسرع من التفكير وأن العنوان المثير قادر على دفع المتابع إلى المشاركة قبل أن يسأل عن المصدر أو يبحث عن أصل الحكاية، وبين كلمة "عاجل" تُستخدم خارج سياقها، ورواية مجهولة يجري تقديمها باعتبارها حقيقة مؤكدة، تتحول الشائعة إلى أداة لمحاولة إثارة البلبلة وتوسيع دائرة الشك، بينما تتولى حسابات إعادة النشر مهمة تضخيم المشهد وصناعة ضجيج لا يساوي بالضرورة قيمة ما يُنشر أو صحته.
عاجل الإخوانية.. اضرب الحقيقة بالشائعة واترك الجمهور في دوامة القلق
تبدأ اللعبة بعنوان صادم، لا يشرح ولا يفسر، لكنه يجيد استدراج المتابع إلى محتوى قد لا يحمل من الخبر سوى شكله الخارجي وكلمة واحدة تكفي لجذب الانتباه خصوصا عندما يرتبط المنشور بملفات حساسة تمس الاقتصاد والأسعار والسلع والخدمات وهي موضوعات بديهي أن تحظى باهتمام المواطنين.
وبدلا من تقديم معلومة مكتملة يمكن فحصها، يجري إطلاق ادعاء مبتور أو رواية مجهولة في صورة تطور مؤكد، وكأن وضع كلمة "عاجل" أعلى المنشور يعفي ناشره من تقديم المصدر والدليل والسياق، وهي حيلة تقوم على تسويق الانفعال قبل المعلومة وإشعال الأسئلة قبل تقديم الإجابات ودفع الجمهور إلى التفاعل مع عنوان يتبين لاحقا أنه لا يستند إلى وقائع ثابتة أو أنه من وحي خيال الممول.
والأخطر أن هذا الأسلوب يمنح الشائعة فرصة للتأثير قبل التحقق منها فقد ينتشر الادعاء على نطاق واسع بينما لا يزال المتابعون يبحثون عن مصدره، وهكذا تتحول سرعة النشر من ميزة صحفية إلى أداة ضغط، ويصبح المواطن محاصرا برسائل مثيرة تطالبه ضمنيا بأن يغضب أولا، ثم يبحث عن الحقيقة لاحقا.
مصادر مطلعة في الظلام.. أكاذيب تبحث عن اسم يحميها من الأسئلة
وعندما يفتش المتابع عن أصل الحكاية، تظهر العبارات الجاهزة وهي "مصادر مطلعة"، و"مصادر خاصة"، و"أنباء متداولة"، من دون أسماء واضحة أو وثائق منشورة أو معلومات تتيح اختبار صحة الادعاء وكأنه يكفي ذكر هذه المصطلحات لإضفاء مصداقية للخبر المفبرك لعرقلة الوصول مبكرا حول حقيقة الخبر، فكل ما عليهم استخدام هذه العبارات الفضفاضة ونشرها على نطاق واسع وتداولها في كل الوسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة لتحاصر المواطن بشائعة من صنع يديهم ثم يبدأ الجمهور رحلة البحث عن الحقيقة بعدما يكون المنشور قد حصد ما يريده من انتباه وتفاعل، وتكون الرواية قد وجدت طريقها إلى حسابات وصفحات أخرى.
كتائب إعادة النشر.. حين تتولى الحسابات مهمة نفخ الروح في الكذبة
لا تتوقف الحكاية عند المنشور الأول فالشائعة تحتاج إلى من يكررها ويعيد تدويرها ويدفع بها إلى مساحات أوسع وعندما تتكرر الرواية نفسها عبر حسابات متعددة أو تظهر صياغات متقاربة في توقيتات متزامنة، يصبح من الضروري فحص طبيعة هذا النشاط ومدى وجود تنسيق وراءه، بدلا من التعامل مع كثافة التداول باعتبارها دليلا على صحة المحتوى.
وتكمن الحيلة في محاولة صناعة مشهد مزدحم يوحي بأن الجميع يتحدث عن الواقعة، وأن انتشارها الواسع يعني بالضرورة أنها صحيحة لكن آلاف المشاركات لا تعوض غياب المصدر ومئات التعليقات لا تصنع واقعة وتكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة مهما ارتفع مستوى الضجيج المحيط به.
إنها معركة على انتباه الجمهور، تحاول فيها ماكينة التضليل أن تجعل الشائعة أكبر من حجمها، وأن تمنحها بالتكرار وزنا لا تستحقه وكلما انشغل الناس بتداول الادعاء اتسعت المساحة التي يتحرك فيها، وأصبح تصحيح المعلومة أكثر صعوبة، خصوصا عندما تنتقل إلى صفحات جديدة بعيدا عن سياقها الأصلي.
الاقتصاد والخدمات في مرمى الشائعات.. مخاوف المواطنين وقود للتضليل
تبلغ هذه الممارسات درجة أكبر من الخطورة عندما تستهدف ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين، عبر ادعاءات بشأن الأسعار أو السلع أو الخدمات أو القرارات الاقتصادية فهذه الموضوعات تحظى باهتمام واسع، ويمكن لأي معلومة مضللة بشأنها أن تثير القلق وتربك فهم الجمهور لما يجري، حتى قبل التأكد من وقوع الحدث الذي يتحدث عنه المنشور.
وقد يكتفي ناشر الادعاء بجملة مبتورة أو معلومة قديمة أعيد تقديمها أو رواية بلا مصدر، ثم يترك الباقي للتعليقات والتخمينات وإعادة النشر وبهذه الطريقة، يتحول المحتوى المضلل إلى شرارة قد توسع دائرة القلق.
الحقيقة لا تحتاج إلى كتائب.. الوعي يسقط بدلة الخبر عن الشائعة
أخطر ما في معركة التضليل ليس مجرد وجود معلومة خاطئة على مواقع التواصل، بل محاولة إغراق الجمهور في سيل من الادعاءات بما يجعل التمييز بين الحقيقة والوهم أكثر صعوبة ولذلك تبدأ المواجهة من سؤال بسيط لكنه حاسم: أين المصدر الأصلي؟ ثم تأتي مراجعة تاريخ النشر، والبحث عن الوثيقة أو التصريح، ومقارنة المعلومات بما أعلنته الجهات المعنية والمصادر المهنية الموثوقة.
كما أن التوقف عن إعادة نشر المحتوى المشكوك فيه يحرم الشائعة من الوقود الذي تحتاج إليه كي تنتشر ويمنح التحقق فرصته قبل أن يتحول الادعاء إلى موجة تداول واسعة فالمشاركة ليست فعلا محايدا دائما إذ قد تسهم حتى عندما يكون هدفها التحذير في زيادة وصول المنشور المضلل إلى جمهور جديد.
فقد ترتدي الشائعة بدلة خبر وقد تتصدر الشاشة بكلمة "عاجل" وقد تحاصر المتابع بمئات المشاركات لكنها تظل عاجزة عن إثبات صحتها إذا غاب المصدر والدليل فالجماعة التي تراهن على الضجيج لا تستطيع أن تجعل من الصراخ حقيقة، ولا من التكرار برهانا، ولا من خوف المواطنين شهادة تصديق، فالعاجل الحقيقي هو ما تثبته الوقائع، أما ما عداه فمجرد ادعاء ينتظر الدليل.