حازم حسين

ترويض الشاة الشاردة

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 02:00 م


تهديد فاستدراك، ورسائل عن استعدادٍ لتجديد القتال؛ ثم إرجاء من أرفع مستوى لِمَا بعد الانتخابات.
المعنى وضدّه فى نفس اليوم، وأحيانًا فى بيانٍ واحد؛ كما لو أنها محاولة ترويض لا ترويع!
ومثلما بُنِيَت علاقة تخادُمٍ عميقة بين نتنياهو وحماس، فالحال مُتكرّرة على مقياس أوسع من واشنطن لطهران.

وما المُناكفة الأخيرة إلّا رقصة شريكين، وعراك مصارين البطن، وإعادة ضبطٍ للعبة؛ وليست نقضًا لها بالكامل.
ولا أقصدُ أنها تمثيلية، ولا أنها آمنة من الانقلابات الحادة، ومن سوء الحساب وعوارض الأخطاء.

إنما المُراد أنها حركة جيوسياسية مُذخّرة، تُشبه زحزحة صفائح الأرض التكتونية، من غير أن تُبدّل الزلازل خصائص المادة، ولا أن تُبدّد الروابط بين مكوّناتها.
سُرِّب للصحافة العبرية؛ أن المفاوضات مستمرة مع واشنطن لتوجيه ضربة جديدة لإيران. ويدور الكلام فى نطاق التفويض لا الشراكة.
وأميل إلى أنها مناوشات عابرة، قد تقع لحسابات تخصّ الظرف، وما يُقبِل عليه البَلدَان من استحقاقٍ، يلعبُ الصراع فيه دورًا مُزدوجًا ومتضادًّا فى آن.
الإدارة الجمهورية منقسمة، وقد يُريد بعضها التصعيد؛ غير أنهم يخشون العواقب.

أمّا نتنياهو فيُريد، وسيستفيد؛ إمّا باستعادة سردية القوّة والأمن، أو بتوفير مظلّة تسمح له بتأجيل السباق.
وباعث ترامب حال سمح لصديقه؛ فأنْ يُحمّله أعباء تحريك الجبهة الموشكة على التجمُّد، من دون أن يتكبّد شيئًا فى الاقتصاد والمكانة.
وذلك؛ مع هامش أن يستحوذ على النتائج باعتباره الراعى وصاحب المظلّة، وأن يتحلّل من التداعيات باعتبارها نتاج حليفه المُنفلت.
الضربة الآن خطيرة على سيد البيت الأبيض، ومفيدة قطعًا لسفّاح تل أبيب.

والموازنة بينهما ستجرى بحساباتٍ دقيقة، مع إبقاء الباب مُوارَبًا، وفتح مساراتٍ للعودة، وعدم السماح بأن يطغى التكتيك على الاستراتيجية.
وما بين الثابت والمُتحرّك، يبدو النزاع مع الدولة الأُصوليّة القائمة منذ خمسة عقود، أعقد مِمّا يتراءى للناظرين فيه من كلِّ جانبٍ، ومن شريط الحياد الضيّق بين الضفّتين.

القضيّة ليست فى النووى، وقد تصالحت فيه واشنطن مع الهند وباكستان، وحتى كوريا الشمالية الأشد خطرا من إيران.
كما تتعدّى نطاق الطموحات المُتضخّمة، وترجمتها بالتوسُّع واختراق الجوار، وهذا مِمّا تفعله إسرائيل بلا هوادة.

إذن؛ فالمأخذ فوق البندقية، والأصبع المُلامس للزناد، ومحوره الوجهة والقرار، ومع أى طرفٍ تصطف، ولأيّة جهةٍ تذهب العوائد.
ما يزال المشهد سائلاً، ومفتوحًا على احتمالات شتّى. وستتعثّر القراءات ما لم يُنظَر لأصل المشكلة، ومَرامى مراكز القرار العميقة فى الولايات المتحدة من الحرب.

ما كان تحريض نتنياهو فقط، ولا إغراء ترامب واستدراجه بالنَّفع والدعاية. المهمّة أكبر منهما؛ وإن تعاونا فى توفير سياقها، وتذليل ما تعذّر فى السابق، وعجّلته اللواحق.

وليست مصادفةً أن يُستَبَق فتح الجبهة باختطاف مادورو، ووضع اليد على نفط فنزويلا.

بُنِيَت الثانية على الأُولى، وعزّزت أثرها المُتحقّق بالنائبة ديلسى رودريجز، وحزام المُعارضة الموالى لواشنطن، وتمكين شركاتها من الخزّان اللاتينى العملاق.
أمريكا أكبر مُنتجى النفط، وتتطلّع لتوظيف ورقة الطاقة فى معركة القطبية المتصاعدة. لا تُريد تجفيف تدفّقات إيران؛ إنما أن تُحيّدها، وتُجيّرها لصالحها، وتستعيد الدولة كله للحظيرة الغربية.

وعليه؛ فلا تسعى إلى شطب الهضبة الفارسية من مُعادلة الإقليم، بقدر ما تشتغل على إعادة تحرير دورها، ودفعها نحو تموضعٍ مُغاير.
تحنُّ إلى زمن الشاه، عندما كان شُرطيًّا للخليج، من دون التخلِّى عن مكاسبها من نظام الخمينى بنكهته اللاذعة، وإتقانه دور الخارج على القانون.
باختصار؛ تنصرفُ الرغبة غالبًا إلى استعادة إيران من جنوحها، وضمّها مُجدّدًا للعائلة. وهما قريبان على كلِّ حال؛ والخلاف على حدود المحافظة والتغيّر، والهيئة التى سيُقبَل به البلد العريق فى عصرٍ جديد.

الفكرة جليّة على خطّ الزمن، بدءا من المُهادنة فى وقائع كانت تستدعى الصدام، مثل رهائن السفارة وقتلى تفجيرين كبيرين فى بيروت.
وإلى الدعم فى حرب العراق، ثمّ تسليمه لها لاحقًا، والرعاية بالحياد لتمدُّدها حتى سيطرت على أربع عواصم.

لأسبابٍ أقل كثيرًا؛ انعقدت القبضةُ الأمريكية وهَوَت ببطشٍ على رؤوس آخرين. بينما بدَتْ لَيّنةً وَدودًا مع إيران؛ كأنها تحفظ عهدًا، أو تدّخرها لغرضٍ.
وعنوان الاستعادة تردّد بصورٍ عِدّة من مُحلِّلين، وألمح إليه المذيع اليمينى تاكر كارلسون فى بادئة الجولة التى لم تنطفئ بعد. وهكذا؛ تبدو العُقدة الدرامية فى انتظار تسويةٍ ما.

قد ينجح الحُكم القائم فى سدّ الثغرات، وإعادة إنتاج نفسه بعد هيكلةٍ شاملة، يرضى بها الواقفون على الباب، وتكونُ أسبقَ إلى إقناعهم من وصول أصابعهم لصواعق التفجير.

وقد يُخفِق، أو يصرّ على ما هو فيه؛ فيرسم لعدوّه مسارًا اضطراريًّا نحو أهدافٍ لا محيد عنها.

القرار يقبع فى طهران، على عكس ما يفترض الناظرون من أيّة ضفة مُقابلة لجمهورية العَرق والمذهب.

غير أنه ليس على الصورة التى يراها صقورُ المُرشديّة من العمائم والجنرالات. إذ المُفاضلة ليست بين ربحٍ وخسارة؛ وإنما بين بقاءٍ وفناء.
يمكن أن يحتفظ الملالى بهيكلهم الدينى، وأن تتوسَّع أو تضمر مساحةُ حَرَس الثورة.

العبرة ليست بالوجوه والأسماء؛ ولكن بأن يتقوّم السلوك، وينضبط على معيارية مُغايرة، ليس الفاصل فيها أن تكون جارًا أطيب، ولا أقل إثارة للمشكلات.
وإذا أُبرِمَت الصفقة؛ فقد يتراجع ترتيب الحلفاء الإقليميين فى الاهتمام، ويُعاد وصل المنقطع بين طهران وتل أبيب، وتتقدّم الدولة العبرية خطوةً أوسع نحو محورٍ تُهيمنُ عليه، يمتلك القوّة، ويُحيّد فاعلية الثروة.

أمّا إنْ استحالت؛ فسيُصار إلى إنجاز الغاية من طرقٍ أُخرى، وهنا مأزق النظام المُعَمّم بسرديّته الدينية الثورية: سيُعصَر ويُمسَخ لو لَانَ، وسيُكسَرُ ويُنَحَّى إنْ تَصَلَّب. وغريمه ماضٍ لوجهته فى كلِّ الأحوال.

ولا نعدم الشواهد على سوء القصد، وانحراف التخطيط. فأُصول البحرية الأمريكية انتفضت ضد الحوثيِّين عندما هدّدوا إسرائيل؛ لكنها تراقب تعدّيهم على السعودية بصمتٍ.

ورفض ترامب التدخُّل المباشر، وتردّد فى تصريحاته ورجالِه بين أخذٍ ورَدٍّ، وجعجعةٍ بلا طَحْنٍ، ومشاهد استعراضيّة تذرّ الرماد فى العيون.
وقد يَبقَى على موقفه، أو يتحوّل عنه. على أنَّ المحطة ذاتَها قد يُوصَلُ إليها من مساراتٍ عِدّة، وما التقديم والتأخير، والاختلاف بين السِّكَك؛ إلَّا للمُناورة والخداع وتضييع معالم الحبكة المقصودة.

عندما قال نتنياهو إنه سيُعيد رسم المنطقة؛ ما كان يقصدُ قطعًا أنه سيشطُب زهاء المليون وستمائة ألف كيلو متر مربع من الجغرافيا، وفوق ثمانين مليونًا من الديموغرافيا. إذ لا طاقة له ولا للأمريكيين بتلك المهمّة المًستحيلة.

البلاد باقية فى صيرورة، والعباد يتأطّرون بالغلاف الجامع وتوزناته. والتطرُّف إن ازداد؛ فقد يُقرّب المُتنافرين عند أقاصى أفكارهم؛ كما لو أنهما طرفان لحدوة حصان.

وعلى كلِّ التأجيج الحادث اليوم؛ فمساحة التلاقى بين الملالى والتوراتيين، وفوقهما دُعاة العظمة الأمريكية «أنصار ماجا»، أكبر مِمّا يُوحى به ظاهر الصورة.
ولا ننسى أن طائرات إسرائيل حملت صواريخ أمريكا، من تل أبيب إلى طهران، قبل أربعة عقود فقط؛ لتضرب العراق.. والزمن ماكرٌ، وساخر كبير، وكثيرًا ما يُعيد إنتاج أسخف مشاهده، بالوفاق مرّة، وبالشِّقاق مرّات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة