رنا أمين

تجارة المظلومية.. كيف توظف جماعة الإخوان العواطف في معركة الوعى؟

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 11:10 ص


لم تكن معركة جماعة الإخوان يومًا مجرد خلاف سياسي حول إدارة شأن عام أو تباين في وجهات النظر، بل هي في جوهرها حرب ممنهجة على الوعي الجمعي؛ تستهدف إعادة صياغة الحقائق والتلاعب بالعواطف،  فحين يتحول الخطاب السياسي إلى أداة لاستدرار التعاطف وصناعة المظلومية، يغيب المنطق ويصبح التضليل بديلاً عن الحقيقة، مما يضع المجتمع أمام اختبار حقيقي لقدرته على التمييز بين الوقائع الموثقة والدعاية الموجهة.

 

المظلومية.. سلاح في معركة الرواية

ولسنوات طويلة اعتمد الخطاب السياسي المرتبط بجماعة الإخوان، في محطات مختلفة، على تقديم الأحداث من زاوية المظلومية، والتركيز على جوانب بعينها من الوقائع، مع إغفال سياقات أخرى قد تكون ضرورية لفهم الصورة كاملة، وتكمن خطورة هذا الأسلوب في قدرته على تحويل التعاطف الإنساني، وهو شعور طبيعي ومشروع، إلى مدخل لتبني مواقف سياسية من دون التحقق الكافي من المعلومات، فالقضية لا تتعلق بحق أي إنسان في معرفة الحقيقة أو التمتع بضماناته القانونية، بل بكيفية توظيف القضايا في المجال العام، ومحاولة تحويلها إلى مادة للاستقطاب والتعبئة. والفرق كبير بين المطالبة بالمعلومات الموثقة، وبين استخدام رواية غير مكتملة لإصدار أحكام مسبقة أو تأجيج مشاعر الغضب والانقسام، إن أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمع ليس اختلاف الآراء، وإنما اختزال الأحداث المعقدة في رواية واحدة، ثم مطالبة الجمهور بتصديقها من دون أسئلة أو مراجعة.

 

من الداخل إلى الخارج.. معركة تتجاوز حدود الشاشات

تمنح المنصات الرقمية الخطاب السياسي قدرة كبيرة على الانتشار عبر الحدود، وتسمح بإعادة تدوير الرسائل نفسها لجمهور مختلف، مع تغيير اللغة وطريقة العرض بما يناسب كل فئة. وقد تتحول واقعة محددة إلى عنوان عريض يُستخدم في نقاشات أوسع عن الدولة والمجتمع والحريات، قبل أن تتوافر أمام الجمهور كل المعلومات اللازمة للحكم عليها، وفي هذا السياق، لا يكفي النظر إلى المنشور المتداول وحده، بل ينبغي فحص مصدره، وتوقيته، والمعلومات التي يستند إليها، وما إذا كان يعرض الوقائع كاملة أم يكتفي بالجزء الذي يخدم الرسالة المراد تمريرها، كما أن وجود محتوى ينتقد الدولة أو يعارض سياساتها لا يجعله تلقائيًا تضليلًا، تمامًا كما أن تكرار اتهام ما لا يحوله إلى حقيقة. المعيار هو الدليل، والسياق، وإمكانية التحقق المستقل.

 

لا تتركوا عقولكم رهينة للغضب

تراهن الرسائل الدعائية أحيانًا على سرعة الانفعال؛ فكلما كان المحتوى صادمًا أو مستفزًا، زادت احتمالات تداوله قبل مراجعته، ومن هنا تصبح مشاركة المستخدم في نشر المعلومات مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية من أنتجها، ولذلك، فإن مواجهة خطاب جماعة الإخوان الإرهابية لا تكون بمجرد إطلاق الشعارات المضادة، ولا بتبادل الاتهامات على المنصات، وإنما بتقديم المعلومات الموثقة، واستعادة السياق الكامل للأحداث، ومناقشة الادعاءات بالأدلة، ومخاطبة الشباب بلغة يفهمونها بعيدًا عن التلقين والمبالغة، كما أن الدفاع عن الدولة ومؤسساتها لا يتعارض مع المطالبة بالحقيقة أو احترام القانون؛ بل إن قوة أي موقف تقوم على وضوح حجته وقدرته على الصمود أمام الأسئلة والفحص.

 

الوعي هو خط الدفاع الأول

تحتاج معركة الوعي إلى مواطن لا يكتفي بما يظهر أمامه على الشاشة، ولا يسمح للغضب بأن يحدد له ما يصدق، ولا يمنح أي جماعة أو تيار حق احتكار الحقيقة أو التحدث باسم المجتمع كله، فمصر لا تحتاج إلى ضجيج رقمي جديد بقدر ما تحتاج إلى نقاش عام يستند إلى الوقائع، وإعلام يضع المعلومات في سياقها، وشباب يدرك أن الوطنية ليست رفض الأسئلة، وأن التفكير النقدي ليس ضعفًا، وأن التحقق من الأخبار ليس تراجعًا عن المواقف، في النهاية، قد تنجح رواية في جذب الانتباه لساعات، لكن الحقيقة وحدها هي التي تستطيع الصمود أمام الزمن والأدلة،  ومع جماعة الإخوان الإرهابية أو غيرها، يبقى الوعي الحقيقي هو ألا نسمح لأحد بأن يفكر نيابة عنا، أو يحول مشاعرنا إلى أداة في معركة لا نعرف كل تفاصيلها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة