في 13 أكتوبر 1988، أُعلن فوز الأديب المصري نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب، ليصبح أول كاتب عربي يحصل على الجائزة، في لحظة فارقة في تاريخ الأدب المصري والعربي. لكن المفارقة أن صاحب «الثلاثية» لم يستقبل الخبر وسط مظاهر الاحتفال أو الاستعدادات الرسمية، بل كان نائمًا بعد تناول الغداء، ولم يصدق في البداية أن الجائزة التي طالما تحدثت زوجته عن أحقيته بها أصبحت حقيقة.
«كفاية أحلام بقى».. البداية من قيلولة الظهيرة
يروي الناقد رجاء النقاش، في كتابه «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، تفاصيل اللحظات الأولى لوصول الخبر إلى الأديب الكبير. فقد تناول محفوظ غداءه، ثم دخل غرفة النوم ليستريح، قبل أن توقظه زوجته، عطية الله زافًا إليه نبأ اتصال جريدة «الأهرام» لإبلاغه بفوزه بجائزة نوبل.
وحكى محفوظ عن رد فعله قائلًا إن زوجته أيقظته في لهفة وهي تردد: «قوم.. قوم.. الأهرام اتصلوا بيك وبيقولوا إنك أخذت جائزة نوبل». لكنه استيقظ غاضبًا، معتقدًا أن الأمر لا يتجاوز أحلام زوجته، التي اعتادت الحديث عن استحقاقه للجائزة منذ سنوات.
وأوضح محفوظ أنه كان يطلب منها أن «تعقل»، مؤكدًا أن جائزة نوبل ليست سهلة المنال، وأنه لا يفكر فيها، وهو ما جعله يتعامل مع الخبر الأول باعتباره أمرًا يصعب تصديقه.
مكالمة «الأهرام» لم تبدد شكوكه
لم تتوقف محاولات إقناع محفوظ عند كلام زوجته؛ إذ رن الهاتف، وكان المتصل الصحفي محمد باشا من جريدة «الأهرام»، الذي بادره بالتهنئة. لكن محفوظ، بحسب روايته، لم يقتنع بسهولة، ورد عليه بعبارة «خير إن شاء الله».
وعندما أكد له الصحفي فوزه بالجائزة، أعطى الهاتف إلى سلامة أحمد، مدير تحرير «الأهرام»، الذي هنأه بدوره قائلًا: «مبروك يا أستاذ.. شرفتنا، جاءتنا نتائج جائزة نوبل وأنت فزت بجائزة الآداب».
ومع ذلك، ظل محفوظ يشك في أن الأمر مجرد مزحة، وقال إنه اعتقد أن محمد باشا يدبر دعابة، وربما استعان بشخص آخر يقلد صوت مدير التحرير. ولم تتبدد شكوكه إلا مع وصول زائر غير متوقع إلى منزله.
سفير السويد يفاجئ صاحب «الثلاثية»
وفقًا لرواية محفوظ، دق جرس باب الشقة، ففتحت زوجته الباب وهي ترتدي ملابس المطبخ، ودخل رجل طويل بصحبة عدد من المرافقين. نهض الأديب من فراشه متجهًا إلى الصالة مرتديًا «البيجامة»، ظنًا منه أن الزائر صحفي جاء لنقل الخبر.
لكن المفاجأة كانت أن أحد المرافقين قدم الزائر باعتباره سفير السويد وزوجته، جاءا لتقديم التهنئة الرسمية. عندها فقط أدرك محفوظ أن الأمر حقيقي، فاستأذن ضيوفه ودخل غرفته لارتداء ملابس مناسبة لاستقبالهم.
البصل الأخضر حاضر في يوم نوبل
وفي كتابه «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة»، يروي الكاتب الصحفي محمد شعير جانبًا آخر من تفاصيل ذلك اليوم، مشيرًا إلى أن محفوظ كان قد تناول غداءه ومعه حزمة من البصل الأخضر، بناءً على نصيحة صديقه المخرج توفيق صالح، الذي أخبره بفائدته لمرضى السكري.
وبحسب رواية شعير، كان محفوظ قد دخل إلى غرفته لاختلاس قيلولته المعتادة عندما اتصل محمد باشا بزوجته لإبلاغها بخبر الفوز. وحين حاولت إيقاظه، جاء رده الساخر: «كفاية أحلام بقى.. دعيني أنام».
لكن دقائق قليلة كانت كافية لتغيير أجواء المنزل؛ إذ امتلأ بالمراسلين والكاميرات ووكالات الأنباء من مختلف أنحاء العالم، ووصل السفير السويدي للتهنئة رسميًا. ويضيف شعير أن محفوظ ظل منشغلًا بالبصل الأخضر أثناء استقبال السفير، واضعًا يده على فمه.