بينما الجميع سواء فى الإقليم أو على المستوى الدولى منشغلا بالحرب الأمريكية الإيرانية وتوابعها على أمن الممرات البحرية، وخصوصا فى البحر الأحمر، وسوق الطاقة، بجانب تطور الحرب الروسية الأوكرانية، وتأثيرها على دول الجوار الأوروبية، تنفذ إسرائيل مشروعها الاستعمارى بسرعة من خلال التهام الأراضى والتمدد فى الضفة الغربية، وجنوب لبنان؛ لكن الأخطر هى التحركات الإسرائيلية فى جنوب سوريا والتى لم تعد مجرد توغلات عسكرية أعقبت سقوط نظام بشار الأسد فى ديسمبر 2024؛ وإنما صار التهاما للأراضى بشكل مستعر، فالصور القادمة تكشف حجم الحفر وشق الطرق العسكرية، وإقامة السواتر الترابية ونقاط المراقبة، داخل العمق السورى، ,وهو أمرا مرعبا، يؤشر إلى تثبيت الوجود الإسرائيلى ميدانيا.
ومن بين ما تنفذه إسرائيل مشروع يحمل اسم «سوفا 53»، فبحسب تقرير مصور لوكالة رويترز والذى بثته منذ أيام، وتحديدا يوم 7 أكتوبر 2026، يكشف قيام القوات الإسرائيلية بحفر خنادق عسكرية قرب بلدة الرفيد فى ريف القنيطرة الجنوبى، باستخدام معدات ثقيلة، على أراض زراعية ومناطق للرعى.
ويذكر التقرير مشروع «سوفا 53» بأنه عبارة عن طريق عسكرى وسواتر ترابية وخنادق ومواقع مراقبة وتمركز، وأن حجم الخندق الواحد يصل فى بعض أجزائه إلى نحو ثمانية أمتار عرضا وخمسة أمتار عمقا.
الغريب أن وكالة الأنباء السورية، نشرت تقريرا فى 9 أكتوبر 2026، كشفت فيه امتداد الأعمال عبر مناطق عدة فى ريف القنيطرة، من محيط حضر وجباثا الخشب والحميدية، مرورا بالقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة، وصولا إلى العشة والقطاع الجنوبى؛ كما تحدث التقرير عن استئناف أعمال الحفر وتسوية الأراضى فى محيط العشة والرفيد، باستخدام أكثر من سبع جرافات وآليات ثقيلة.
بعض المحللين العسكريين يصفون مشروع سوفا 53 بخط بارليف جديد، فى ثوب أحدث، وأكثر تعقيدا؛ فالطريق مدعم بالخنادق والسواتر لتعزيز الحماية، ومواقع مراقبة توسع القدرة على الرصد، فيما تمنح النقاط الثابتة القوات المنتشرة قدرة أكبر على البقاء؛ ووفق النظريات العسكرية فإنه عندما تجتمع هذه العناصر، يصبح الانسحاب أكثر تعقيدا من الناحية العسكرية والسياسية، حتى لو لم يصدر إعلان رسمى بضم الأرض أو تغيير الحدود.
وحيثيات التشبيه بين خط بارليف وسوفا 53 تكمن فى الاعتماد على التحصينات الهندسية والمواقع الثابتة والطرق العسكرية لتقوية السيطرة على منطقة حساسة؛ لكن الاختلافات بين المشروعين تتمثل فى أن خط بارليف كان دفاعيا ذا وظيفة محددة على جبهة مواجهة بين جيشين نظاميين، بينما خط سوفا 53 عبارة عن تحصينات إسرائيلية فى سوريا ضمن بيئة متغيرة، تتداخل فيها السيطرة الميدانية مع الدوريات والتوغلات والضربات الجوية والمفاوضات الأمنية.
مشروع سوفا 53 أو ما يطلق عليه خط بارليف الجديد فوق الأراضى السورية، يأتى ضمن سلسلة مشروعات التوسع الاستيطانى والعسكرى الإسرائيلى بدءا من السيطرة على الجولان ثم جبل الشيخ، ثم مخطط تنفيذ مشروع ما يطلق عليه «ممر داود» بجانب الوقائع الموثقة عن توغلات إسرائيلية كثيرة؛ ومن ثم يمكن الربط بين هذه المشروعات بهدف أوسع يتمثل فى إنشاء نطاق نفوذ يمتد من الجولان إلى مناطق أخرى داخل العمق السورى، ما يخلق واقعا يصعب تغييره لاحقا، وأن الجنوب السورى قد يواجه تحولا طويل الأمد فى ميزان السيطرة، حتى من دون إعلان رسمى عن ضم الأراضى.
هذه التوسعات والسيطرة والاستحواذ، تمثل مخاطر جدية فى تثبيت وجود طويل الأمد يضغط على السيادة السورية؛ وبالرغم من أن إقامة إسرائيل لمثل هذه المواقع العسكرية داخل الأراضى السورية تتعارض بقوة مع مبدأ احترام السيادة ووحدة الأراضى، وانتهاك صارخ للاتفاقيات الموقعة بين سوريا وإسرائيل، وفى مقدمتها اتفاق فض الاشتباك عام 1974، إلا أن حكومة تل أبيب تسارع فى تنفيذ مخططاتها وضرب القوانين الدولية عرض الحائط.
هذه الانتهاكات الإسرائيلية داخل العمق السورى، تبعث برسائل خطيرة للشعوب الغافلة، مفادها أن الفوضى واندثار أمن واستقرار الدول، يفتح كل الأبواب على مصراعيها لتمكين الأعداء لتنفيذ مخططاتهم، واعتبارها غنيمة.