في الوقت الذي كانت تراهن فيه جماعة الإخوان الإرهابية على منصاتها الرقمية والإعلامية الموجهة من الخارج لاختراق الوعي الجمعي المصري وإحداث حالة من الفوضى والاضطراب، تكشف المؤشرات الميدانية والتحليلات المتخصصة عن فشل ذريع لهذه الاستراتيجية، وتراجع متسارع في تأثيرها أمام وعي شعبي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
الحيلة البصرية.. استراتيجية مكشوفة
وتعتمد المنصات التابعة للجماعة على ما يمكن وصفه بـ"الحيلة البصرية"، هذا ما أكده طارق البشبيشي الباحث في شؤون الحركات المتطرفة؛ حيث قال أنها منظومة من الأدوات الرقمية تهدف إلى خلق انطباع زائف بحضور جماهيري واسع وتأثير عميق في الرأي العام.
وتشمل هذه الأدوات، وفق تقارير متخصصة، إعادة تدوير مقاطع الفيديو القديمة وبثها كأنها أحداث راهنة، واجتزاء التصريحات من سياقها، وتضخيم وقائع محدودة عبر شبكات من الحسابات الوهمية والوسوم الموجهة؛ مؤكدًا" تقوم هذه الاستراتيجية على استغلال الأحداث التي تحظى باهتمام المواطنين، خاصة في الملفات الاقتصادية والخدمية، وتحويلها إلى مادة تحريضية، أملاً في صناعة حالة من الغضب والاحتقان داخل المجتمع .
لكن هذه المحاولات اصطدمت بواقع مغاير، إذ لم تعد الشائعة قادرة بمفردها على فرض رواية واحدة على الرأي العام، في ظل تزايد الوعي الرقمي لدى الجمهور وقدرته على التحقق من المعلومات عبر المصادر الرسمية .
شهادة من الداخل: 30 سلاحًا كفيلة بأن تنيم البلد
وأضاف طارق؛ أن التحليلات حول تراجع تأثير الجماعة تكتسب مصداقية إضافية عندما تصدر عن باحثين درسوا التنظيم من الداخل، فإن الإخوان آلة تدليس وكذب كبرى، وأنهم “يقتاتون على المظلومية بغرض تشويه الحكومات التي أحبطت مخططهم مضيفًا؛ أن الجماعة “تعاني من حالة فقدان التوازن والإحباط ورهاناتها تآمرية فاشلة.
واتضح هذا عندما سأل أحد مسؤولي الجماعة عن سبب رفض الناس لهم بعد وصولهم إلى السلطة، فكان الرد: لماذا قلبك ضعيف إلى هذا الحد؟ 30 سلاحًا آليًا كفيلة بأن "تنيم البلد" من المغرب، مؤكدًا أن هذه العقلية كشفت له حجم التفكير العدائي داخل التنظيم، وأن الجماعة “لم تكن ترى في المجتمع سوى خصم يجب إخضاعه بالقوة".
من تنظيم مركزي إلى دكاكين متناثرة
ويستخدم البشبيشي مصطلح “الدكاكين” لوصف الكيانات الصغيرة التي أنشأها الإخوان بعد 2013 كواجهات مدنية تحمل أسماء حقوقية أو بحثية أو إعلامية، لكنها في جوهرها أدوات لخدمة أجندة الجماعة.
ويشير إلى أن هذه الدكاكين لا تمثل قوة حقيقية على الأرض، بل هي نتيجة طبيعية لانهيار التنظيم الأم، الذي تحول من هيكل مركزي متماسك إلى شبكة من الكيانات المتناثرة، كل منها يحاول أن يقدم نفسه بديلاً عن الآخر . مؤكدًا؛ أن هذا الاعتماد على المنصات الخارجية والملاذات الأجنبية دليل على ضعفهم، لا على قوتهم، مضيفًا أن الحركة التي تحتاج إلى حماية أجنبية لتبقى على قيد الحياة، هي حركة فقدت جذورها في وطنها .
الوعي الشعبي.. الحائط الأخير
وفي تحليله لأسباب فشل الحملات الرقمية للجماعة الإرهابية، يركز البشبيشي على عامل محوري: الوعي الشعبي. ويقول في تصريحات إن الجماعة بعد فقدانها تأثيرها في الشارع وتراجع الاهتمام الشعبي بها، أصبحت تعتمد بشكل أكبر على منصات التواصل الاجتماعي، لكنه يشدد على أن “هذه الحملات، رغم توفير الأموال والكفاءات لها، تواجه رفضًا من قطاعات واسعة من المصريين، معتبرًا أن الوعي الشعبي يمثل عاملًا أساسيًا في إفشال تلك المحاولات.
مضيفًا؛ أن المناعة المجتمعية في مصر ارتفعت بشكل ملحوظ، فبعد سنوات من الاضطراب والإرهاب، وأصبح المصريون أكثر وعيًا بطبيعة الإخوان ‘الحربائية’، وأدركوا أن دعوتهم للديمقراطية كانت مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، لا أكثر. وحين كتشف الناس هذا التناقض، فقدت الجماعة قدرتها على التعبئة .
استهداف الوعي.. وصفة الفشل
ومن هنا يكشف البشبيشي عن اختلاف جوهري في الخطاب الذي توجهه الجماعة للداخل عن ذاك الموجه للخارج. ففي حين تقدم نفسها للغرب باعتبارها فصيلًا ديمقراطيًا تعرض للاقصاء، فإنها تعتمد في الداخل على خطاب يستهدف إحداث الفرقة والوقيعة بين الشعب ومؤسسات الدولة وبين أفراد المجتمع.
ويشير إلى أن الجماعة توظف المرجعية الدينية لإضفاء شرعية على مواقفها السياسية، مستخدمة الدين في إطار مشروع سياسي؛ لكن هذا الاستغلال للدين، كما أوضحه الباحث؛ أصبح أقل فاعلية مع تزايد الوعي بألاعيب الجماعة، منوها بأن تأثيرها على الشباب تراجع مقارنة بما كان عليه قبل عام 2013، مشددًا على أن مواجهة هذا النوع من الخطاب تتطلب تعزيز التفكير العلمي ورفع مستوى الوعي الثقافي والتعليم .
سقوط الرهان على الوعي
وكشف البشبيشي أن استراتيجية الإخوان الرقمية، القائمة على "الحيلة البصرية" والتضليل المنظم، قد اصطدمت بجدار من الوعي الشعبي المتصاعد. فكلما حاولت الجماعة استغلال أزمة أو صناعة حالة من الجدل عبر منصاتها، اصطدمت بوعي شعبي أكثر قدرة على التمييز بين الخبر الحقيقي والدعاية، لتبقى رهاناتها على اختراق الشارع المصري محدودة التأثير أمام تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على التعامل مع حملات التضليل.
وشدد أن الجماعة، التي راهنت طويلاً على “الحيلة البصرية” لإعادة إنتاج حضورها داخل مصر، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد هو وعي شعبي لم يعد قابلًا للاختراق بسهولة، وتحول في بنيتها التنظيمية من مركزية متماسكة إلى دكاكين متناثرة، وفقدان متسارع لأي تأثير حقيقي في الشارع . مؤكدًا؛ إن مصر أقوى من دكاكين الإخوان، والوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول أمام محاولات التأثير والتضليل.