في زمن لم تعد فيه الحروب تُدار بالبارود فقط، تخوض الدولة ومؤسساتها مواجهة شرسة من نوع جديد وهو الإرهاب الرقمي، فلم يعد الخصم يملك الجرأة للنزول إلى الميدان أو مواجهة الواقع بل لجأ إلى كواليس الغرف المغلقة والشاشات المظلمة، متسلحاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي لفبركة مشاهد وهمية وتلفيق تجمعات في الشوارع لا وجود لها إلا في مخيلة من يمولونها.
الوضع هنا ليس مجرد منشور مضلل أو صورة مفبركة، بل إنه سقوط أخلاقي وسياسي تُجسده تلك الحملات التي تستهدف تزييف الوعي واختطاف اسم جيل كامل حاول المغرضون إلباسه ثوب الاحتجاج وصناعة زخم زائف باسمه عبر آلاف الحسابات الموجهة ورسائل الكتائب الإلكترونية.
سيناريو الفبركة.. شوارع من جرافيك وشعارات من وهم
تعتمد هذه الحملات الخبيثة على حيل مكشوفة ورخيصة لم تعد تنخدع بها الأعين الواعية، حيث يتم توليد تجمعات وهمية بالذكاء الاصطناعي واستخدام صور عالية الدقة لشوارع وميادين تُدمج فيها وجوه وأجساد شباب تم إنتاجها عبر البرامج الرقمية ليظهر الشارع وكأنه يغلي، بينما الحقيقة أن الميدان هادئ والناس تمارس حياتها بشكل طبيعي.
ولا يقف الأمر عند حدود الصور الثابتة، بل يمتد إلى استغلال تقنيات التزييف العميق لتركيب الصوت والتلاعب باللقطات وتغيير معالم الخلفيات حيث تُستغل المقاطع القديمة لفعاليات رياضية أو تجمعات احتفالية ويتم تعديل الإضاءة والافتات الظاهرة فيها لإيهام المتلقي بوجود حراك سياسي في قلب العاصمة والمحافظات.
سطو على اسم جيل Z
محاولة مفضوحة لاستغلال الرموز الرقمية ولغة الشباب لإعطاء انطباع زائف بأن الحراك شبابي ومستقل، بينما تحركه أجهزة ولجان معروفة بالإفلاس الميداني تقوم بضخ آلاف الصور المزيفة في وقت واحد بهدف خلق حالة من الإيهام الجمعي بأن هذا هو الواقع، وهو الواقع الذي يريدونه من أجل إرضاء مموليهم ولكنه غير موجود سوى في مخيلاتهم.
فالسطو على اسم جيل يمثل قمة العجز والمراهقة السياسية لهذه الجماعة الإرهابية فقد أدرك التنظيم الإرهابي أن خطابه التقليدي بات مهجوراً ومثيراً للسخرية بين الشباب، فلجأ إلى سرقة لغة وتصاميم ورموز جيل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، محاولاً اختراق صفوفهم وادعاء الحديث باسمهم، بينما هذا الجيل بالذات هو الأكثر قدرة على تمييز الزيف ورصد المحتوى الاصطناعي بحكم تعايشه اليومي مع التقنية.
خريطة التمويل.. خوادم خارجية وحسابات وهمية
خلف هذه الشاشات المظلمة تقف شبكات معقدة وممولة تسعى لصناعة الفوضى الانطباعية حيث تُدار هذه الحملات عبر مزارع إلكترونية متواجدة خارج حدود الوطن تُنفق عليها مبالغ طائلة لرفع "الهاشتاجات" المصنوعة وتثبيتها في صدارة منصات التواصل الاجتماعي، وتُدار هذه العملية عبر غرف عمليات رقمية تستخدم برمجيات أوتوماتيكية لتكرار إعادة النشر والتعليق في أوقات متزامنة تماماً، لإيهام الخوارزميات بوجود "تريند" حقيقي، وهو ما يكشف حجم الاستثمار المالي المشبوه الذي تضخه الجماعة الإرهابية لتسويق بضاعتها الكاسدة.
حرب العقول.. لماذا يستهدفون وعي الشباب؟
الخطورة الحقيقية لا تكمن في صورة مزيفة على منصة تواصل الاجتماعي، بل في المخطط الممنهج لتزييف الوعي الوطني وبث الإحباط في قلوب المواطنين وإيهام الرأي العام بوجود انقسام أو حراك وهمي، مستغلين سرعة تداول الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي.
إن المعركة الحقيقية اليوم هي حرب عقول وادعاءات محبوكة لتدمير الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته حيث تراهن الجماعة الإرهابية على التأثير النفسي ومحاولة دفع الشباب نحو حالة من التشكيك المستمر في كل ما يرونه حولهم من إنجازات وواقع آمن ومستقر.
ولكن ما يغفله صناع الوهم أن الشباب المصري والجيل الجديد بات أكثر وعياً وفهماً لهذه الألاعيب، فالأدوات التي يستخدمها المضللون لإنتاج الزيف هي نفسها الأدوات التي يستخدمها الشباب اليوم للبحث العكسي وكشف التلاعب في ثوانٍ معدودة.
معركة الوعي مستمرة.. الشارع الحقيقي يحسم الرهان
سقطت الأقنعة وتلاشت المظاهرات المصنوعة على الأوراق الرقمية والشاشات الملونة، وبقي الشارع المصري آخذاً بالاتزان والأمان بوعي أبنائه وبسالة مؤسساته، فالميدان الحقيقي اليوم يشهد على حركة البناء والعمل، وتظل هذه "القنابل الفوتوشوبية" مجرد فقاقيع صابون تترسب وتتلاشى أمام أول شعاع للحقيقة والواقع الميداني الصلب.
وفي هذا الإطار قال ماهر فرغلي الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن كل ما تفعله الجماعة الإرهابية تنفيذا لخطة مرسومة منذ عام 2013 والخطة تسمى "الإرباك" وهدفها إرباك الدولة المصرية وكيفية يأس وإحباط المواطن.
وأضاف "فرغلى" أن أدوات الخطة متاحة لديهم سواء الأستوديوهات أو السكريبت أو التمويل فبخطوات بسيطة يستطيعوا تصوير فيديو في الأستوديو ويعلنوا أنه من مصر وهو ما يتكرر على مدار السنوات الماضية، وذلك بخلاف فبركة الصور التي تخدم الخطة الموضوعة، مشيرا إلى أن الجماعة الإرهابية أثبتت إفلاسها أمام الجميع فما كان عليها إلا أن تعيش في وهم الذكاء الإصطناعى للحفاظ على التمويل.