# #

رنا أمين

كيف تستهدف جماعة الإخوان الإرهابية وعي الشباب بوقائع قديمة؟

الأحد، 11 أكتوبر 2026 12:22 م


لم تعد معركة جماعة الإخوان الإرهابية على السوشيال ميديا مقتصرة على مخاطبة من عاصروا الأحداث السياسية في مصر، بل امتدت إلى جيل جديد لم يعش تلك الوقائع، ولم يشاهد تفاصيلها بنفسه، وإنما يتعرف عليها من خلال مقاطع الفيديو والمنشورات والصور المتداولة عبر المنصات الرقمية. وهنا تبرز خطورة إعادة تقديم الماضي لجمهور لا يمتلك بالضرورة خلفية كاملة عن سياق الأحداث، خاصة عندما تتحول الوقائع المعقدة إلى محتوى قصير يسهل تداوله، لكنه قد لا يكشف الصورة كاملة.

فالجماعة التي تسعى إلى الوصول إلى جمهور جديد لا يدرك خطورتها أو تاريخها الدموى تواجه تحديًا مختلفًا مع الشباب الذين لم يعاصروا مراحل صعودها وسقوطها، ولا يمتلكون بالضرورة ذاكرة مباشرة عن الأحداث التي شكلت صورتها لدى أجيال سابقة. ومن هنا تأتي أهمية تفكيك خطابها الرقمي، ورصد الطريقة التي تُقدَّم بها الوقائع القديمة، وكيف يمكن إعادة توظيفها في رسائل تستهدف التأثير في فهم الشباب للحاضر والماضي.

من استدعاء الماضي إلى مخاطبة جيل جديد

تفرض طبيعة السوشيال ميديا أساليب مختلفة في تقديم الرسائل السياسية؛ فالمحتوى الذي يصل إلى الشباب لم يعد بالضرورة مقالًا طويلًا أو خطابًا تقليديًا، بل قد يكون مقطعًا قصيرًا أو صورة مصحوبة بتعليق أو مشهدًا قديمًا يُعاد نشره في سياق جديد. وهذه الأدوات ليست مضللة في حد ذاتها، لكن خطورتها تظهر عندما تُستخدم لانتقاء أجزاء من الوقائع وإغفال تفاصيل أساسية تساعد المتلقي على فهمها.

وفي تحليل خطاب جماعة الإخوان الإرهابية، تبرز أهمية متابعة كيفية تناولها للأحداث التي ارتبطت بتاريخها، ومدى اعتماد الرسائل المنشورة على عرض الوقائع كاملة أو تقديم قراءة انتقائية لها. فإعادة نشر مشهد قديم لا تعني بالضرورة تزويره، لكن تقديمه بعيدًا عن زمنه وظروفه، أو إرفاقه بتفسير لا تدعمه الوقائع، قد يغيّر الطريقة التي يستقبل بها الشباب الحدث، ويعتبر تزويرا فجا في حد ذاته، وهو ما دأبت عليه الجماعة الإرهابية.

وتكمن المشكلة في أن الجيل الذي لم يشهد هذه الأحداث قد يتعامل مع المحتوى المتداول باعتباره نافذته الأساسية إلى الماضي، خصوصًا إذا صادفه أكثر من مرة، أو شاهده مصحوبًا بتعليقات تقدم تفسيرًا واحدًا دون إتاحة مساحة للمقارنة والتحقق.

كيف تتغير لغة الجماعة أمام جمهور المنصات؟

تختلف مخاطبة الشباب عبر المنصات الرقمية عن الخطاب السياسي التقليدي؛ فالمحتوى السريع والعناوين اللافتة واللغة اليومية تمنح الرسائل قدرة على الوصول إلى مستخدمين قد لا يتابعون النقاشات السياسية المطولة. ولهذا، فإن دراسة خطاب جماعة الإخوان الإرهابية تتطلب الانتباه إلى مضمون الرسائل وطريقة تقديمها، وليس فقط إلى الشعارات التي تتضمنها، ولذلك فإن تفنيد إدعاءات الإخوان يؤدى إلى كشف شائعاتهم المضللة ورسائلهم المغلوطة.

ويصبح السؤال هنا: هل تقدم الرسالة معلومات تساعد الشباب على فهم الحدث، أم تكتفي باستدعاء مشاعر الغضب أو الحنين أو المظلومية؟ وهل تعرض الوقائع في سياقها الكامل، أم تختار أجزاء بعينها لتدعيم تفسير محدد؟ وهل تسمح للمتلقي بمراجعة الأدلة، أم تدفعه إلى تبني استنتاج مسبق؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بشكل المنشور وحده، بل بمضمونه ومدى اتساقه مع الوقائع الموثقة. كما أن انتشار رسالة ما لا يكفي وحده لإثبات أن الجماعة تقف وراءها، ولا أن الجمهور اقتنع بها؛ فالتقييم يحتاج إلى فحص الحسابات والمحتوى والأدلة المتاحة، بعيدًا عن الاستنتاجات غير المدعومة.

إعادة تدوير الروايات.. حين تصبح الذاكرة مادة للصراع

تكتسب الأحداث القديمة أهمية جديدة عندما تعود إلى التداول في لحظة سياسية مختلفة. فقد يُعاد نشر مقطع من سنوات سابقة، أو تُستدعى صورة من أرشيف قديم، أو يُقتطع تصريح من سياقه، ثم يُقدَّم للجمهور باعتباره تفسيرًا لما يحدث اليوم.

وفي حالة جماعة الإخوان الإرهابية، تبرز ضرورة فحص الروايات التي تتناول تاريخ الجماعة وعلاقتها بالأحداث السياسية في مصر، ومقارنتها بتسلسل الوقائع والوثائق والتصريحات الكاملة. فالماضي ليس مادة مفتوحة لإعادة التشكيل وفق الرغبات السياسية، بل سجل من الأحداث التي ينبغي فهمها في ظروفها وتفاصيلها.

ولا تعني مواجهة الروايات التي تطرحها الجماعة الاكتفاء برفضها أو إطلاق أحكام عامة عليها؛ بل تتطلب كشف أوجه التناقض، وتوضيح المعلومات التي قد تكون غائبة عن المتلقي، والفصل بين الواقعة التاريخية والتفسير الذي يُقدَّم لها. فكلما كانت الأدلة واضحة، أصبح من الأسهل على الشباب تقييم الرسائل السياسية بأنفسهم.

لماذا يمثل الجيل الجديد هدفًا مهمًا في معركة الوعي؟

لأن الشباب لا يحملون جميعًا الذاكرة نفسها عن الأحداث الماضية، فإن طريقة تعرفهم على التاريخ تؤثر في الأسئلة التي يطرحونها وفي قدرتهم على تقييم الخطابات السياسية. وإذا كانت المعرفة تأتي من مقاطع مجتزأة أو منشورات منفصلة، فقد يجد المتلقي صعوبة في ربط الأحداث ببعضها أو فهم أسبابها ونتائجها.

وهنا لا تكون المواجهة الحقيقية بمنع الشباب من متابعة المحتوى السياسي، وإنما بتعزيز قدرتهم على فحصه. وزيادة الوعى لدى الشباب لكى يتمكن من التفريق بين الغث والسمين، فالشاب الذي يعرف كيف يصل إلى المصدر الأصلي، ويقارن بين الروايات، ويفصل بين الخبر والتعليق، يصبح أقل اعتمادًا على الانطباع الأول وأكثر قدرة على تكوين موقف يستند إلى المعرفة، وهو ما يجب أن يتم حث الشباب عليه، لمواجهة الرواية الإخوانية المهترأة والبعيدة عن الحقيقة.

وفى إطار خطة الوعى لدى الشباب، فإن تقديم التاريخ للأجيال الجديدة يحتاج إلى محتوى جذاب ودقيق في الوقت نفسه؛ محتوى يستفيد من الفيديوهات القصيرة والمنصات الحديثة، لكنه لا يختزل الأحداث في مشاهد عاطفية أو عناوين مثيرة. فترك المساحة الرقمية خالية من الشرح الوافي لا يساعد على بناء الوعي، بل يجعل الجمهور أكثر اعتمادًا على ما يصادفه عشوائيًا.

استعادة الوعي تبدأ من استعادة السياق

تواجه محاولات التأثير في الشباب مسؤولية مشتركة بين الإعلام والتعليم والمؤسسات الثقافية، تتمثل في تقديم الوقائع التاريخية بصورة واضحة، وإتاحة المعلومات التي تساعد على فهمها، وعدم الاكتفاء بردود الفعل السريعة على المحتوى المتداول.

وفي التعامل مع خطاب جماعة الإخوان الإرهابية، يصبح التحقق من الرسائل ومصادرها ومضامينها أكثر فاعلية من الاكتفاء بتكرار الاتهامات. فالمعلومة الدقيقة، والتوثيق، والمقارنة بين الروايات، هي الأدوات التي تسمح بكشف أي انتقائية أو تناقض، وتمنح الجمهور فرصة للحكم على المحتوى بناءً على الأدلة، وتعطى المتلقى الفرصة الكافية في الوصول إلى حقيقة ما قامت الجماعة الإرهابية بفبركته وتفسير الوقائع في غير سياقها الحقيقى.

إن التحدي الحقيقي ليس فقط أن يعرف الجيل الجديد ماذا حدث، بل أن يفهم كيف حدث، ولماذا حدث، وكيف تُقدَّم له رواياته اليوم. فحين تتحول السوشيال ميديا إلى إحدى بواباته الرئيسية لمعرفة الماضي، تصبح حماية الوعي مرتبطة بقدرته على التمييز بين التاريخ كما تكشفه الوقائع، والرواية السياسية التي تحاول جماعة الإخوان دسها بين السطور للعمل وفق أهدافها غير الوطنية.
ومعركة الوعي لن تُحسم بمجرد الوصول إلى الشباب، بل بامتلاك القدرة على إقناعهم بالمعلومة الصحيحة، وفتح المجال أمامهم لفهم الوقائع كاملة، حتى لا تتحول ذاكرة جيل لم يشهد الأحداث إلى مساحة تتنافس عليها الروايات المتعارضة دون تدقيق أو تمحيص.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة