من قلب الحقول فى مصر إلى كبرى بيوت الأزياء العالمية، يعود القطن المصري ليخوض جولة جديدة لاستعادة مكانته على خريطة صناعة «الذهب الأبيض» عالميًا، مستندًا إلى ميزة تاريخية لا تزال تضعه في مقدمة الأقطان الفاخرة، وهي جودة التيلة وطولها ونعومتها وتجانسها، بالتوازي مع خطة تستهدف تطوير الأصناف ورفع الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة بدلًا من الاكتفاء بتصدير القطن الخام.
وفي اليوم العالمي للقطن، الذي يوافق السابع من أكتوبر من كل عام، تبرز التجربة المصرية باعتبارها نموذجًا يجمع بين الحفاظ على السمعة التاريخية للقطن طويل التيلة، وتطوير منظومة الإنتاج والتسويق والتصنيع، بما يفتح الطريق أمام عودة القطن المصري إلى موقع أكثر قوة في الأسواق العالمية.
202 ألف فدان.. خريطة جديدة لزراعة القطن المصري
وتبلغ المساحة المنزرعة بالقطن في مصر خلال الموسم الحالي نحو 202 ألف فدان، يستحوذ الوجه البحري على النصيب الأكبر منها بنحو 191.7 ألف فدان، مقابل نحو 10.3 ألف فدان في الوجه القبلي.
وتتركز المساحات المنزرعة في عدد من المحافظات الرئيسية، وفي مقدمتها كفر الشيخ والبحيرة والشرقية والدقهلية والغربية والفيوم، وسط توقعات بوصول الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون قنطار.
وتعكس هذه الأرقام أهمية القطن كمحصول استراتيجي في الزراعة المصرية، ليس فقط باعتباره محصولًا تصديريًا، وإنما باعتباره حلقة رئيسية في سلسلة تبدأ من الحقل ولا تنتهي إلا بالمنتج النهائي في صناعة الغزل والنسيج.
سر التفوق.. القطن طويل التيلة
ويحتفظ القطن المصري طويل التيلة بمكانة خاصة في الأسواق العالمية بفضل مجموعة من الصفات التي تميزه عن كثير من الأقطان المنافسة، وعلى رأسها طول التيلة والنعومة والمتانة والتجانس.
وتمنح هذه الخصائص القطن المصري قدرة على الدخول في الصناعات النسيجية عالية الجودة، وهو ما يجعله مطلوبًا لدى الشركات والعلامات التي تبحث عن خامات فاخرة قادرة على إنتاج أقمشة ذات مواصفات متميزة.
لكن الحفاظ على هذه المكانة لا يعتمد على السمعة التاريخية وحدها، وإنما يحتاج إلى تطوير مستمر للأصناف، ورفع الإنتاجية، والحفاظ على نقاء القطن وعدم خلط الأصناف، إلى جانب بناء منظومة تسويق وتصنيع أكثر كفاءة.
أصناف جديدة.. مصر تراهن على البحث العلمي
وتتحرك مصر في هذا الاتجاه من خلال تطوير أصناف جديدة تجمع بين الجودة والإنتاجية والتبكير في النضج، إلى جانب تحسين كفاءة استخدام مياه الري.
وتضم أصناف الوجه القبلي جيزة 95 وجيزة 98، بينما تشمل أصناف الوجه البحري سوبر جيزة 86 وسوبر جيزة 94 وسوبر جيزة 97، إلى جانب الأقطان طويلة التيلة الممتازة، ومنها إكسترا جيزة 45 وإكسترا جيزة 93 وإكسترا جيزة 96.
ولا تتوقف خريطة التطوير عند هذه الأصناف، إذ يستعد معهد بحوث القطن لإطلاق صنف جديد يحمل اسم «إكسترا جيزة 99»، يتميز وفق البيانات الواردة عنه بطول التيلة والنعومة والتبكير في النضج وارتفاع الإنتاجية.
وتعكس هذه التحركات اتجاهًا نحو إنتاج أصناف تستطيع الجمع بين الجودة التي اشتهر بها القطن المصري، والقدرة على مواجهة التحديات الجديدة، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الإنتاج ومحدودية الموارد المائية والتغيرات المناخية.
من «سعر القنطار» إلى بناء سوق أكثر شفافية
ولم تعد معركة القطن المصري مرتبطة بالإنتاج وحده، وإنما امتدت إلى طريقة تسويق المحصول والحفاظ على جودته منذ لحظة جمعه وحتى وصوله إلى الأسواق.
ومنذ عام 2019، طبقت مصر منظومة جديدة لتسويق وتداول القطن، تستهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية وربط المزارع بالسوق، إلى جانب الحفاظ على جودة الأقطان ومنع الخلط بين الأصناف.
وتبدأ المنظومة من عمليات التجميع باستخدام أكياس جوت تحمل علامات مميزة لكل صنف، ثم عمليات الفرز وتحديد الرتبة والتصافي بواسطة الجهات المختصة، قبل طرح المحصول في مزادات علنية تحدد الأسعار وفق آليات السوق والمؤشرات العالمية.
وتستهدف هذه المنظومة تحسين العائد الذي يحصل عليه المزارع، وفي الوقت نفسه الحفاظ على جودة القطن المصري وسمعته في الأسواق الخارجية.
المحالج الحديثة.. حماية «الهوية المصرية» للقطن
ويأتي تطوير المحالج ضمن المحاور الرئيسية للحفاظ على جودة القطن، من خلال تقليل الشوائب ومنع الخلط بين الأصناف، بما يضمن وصول المنتج إلى الأسواق بالمواصفات التي اشتهر بها القطن المصري.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للأقطان طويلة التيلة، التي تعتمد قيمتها السوقية بصورة كبيرة على الحفاظ على خصائصها منذ عملية الجمع وحتى مراحل التصنيع.
كما تتكامل عمليات تطوير المحالج مع جهود تحديث صناعة الغزل والنسيج، بما يسمح بتحويل جزء أكبر من القطن المصري إلى منتجات مصنعة بدلًا من الاعتماد على تصدير المادة الخام.
الرهان الأكبر.. لا تصدر «الذهب الأبيض» خامًا
وتبقى القيمة المضافة هي الرهان الأهم في المرحلة المقبلة؛ فالمعادلة الجديدة لا تستهدف فقط زيادة صادرات القطن، وإنما زيادة العائد من كل قنطار عبر التوسع في الغزل والنسيج والملابس الجاهزة.
وتحويل القطن من خام يتم تصديره إلى منتجات نهائية يعني خلق فرص عمل إضافية، وزيادة العائد من العملة الأجنبية، وتعزيز قدرة الصناعة المصرية على المنافسة، فضلًا عن ربط المزارع المصري مباشرة بسلسلة إنتاج تمتد حتى الأسواق العالمية.
مصر أمام فرصة جديدة
وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للقطن، تواجه صناعة القطن تحديات مشتركة، من تغيرات المناخ وتقلبات الأسعار إلى المنافسة الدولية والحاجة إلى تمويل الاستدامة وتطوير التكنولوجيا.
لكن مصر تمتلك ميزة يصعب تكرارها؛ وهي تاريخ طويل واسم تجاري عالمي ارتبط لعقود بالقطن فائق الجودة.
ومن هنا، فإن استعادة عرش «الذهب الأبيض» لن تكون بمجرد زيادة المساحة المزروعة، وإنما عبر معادلة متكاملة تجمع بين صنف أفضل، وإنتاجية أعلى، وتسويق أكثر شفافية، ومحالج حديثة، وتصنيع محلي وقيمة مضافة أكبر.