يشكّل عام 1938 علامة فارقة في تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية، إذ شهد تحولًا جذريًا نقلها من دائرة الدعوة والخير إلى ساحة السياسة والسلاح، ومن العلن إلى السر. ورغم ما تلا ذلك من تحولات فكرية وتنظيمية، يبقى هذا التحول هو الأكثر خطورة وأغلبها إثارة للتساؤلات.
نشأة دعوية بعيدة عن السياسة
يقول طارق أبو السعد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة؛ منذ أن تأسست جماعة الإخوان عام 1928 في مدينة الإسماعيلية على يد حسن البنا، وجاءت لائحتها المعتمدة عام 1930 لتؤكد بشكل قاطع أن الجمعية لا تشتغل بالشؤون السياسية على الإطلاق، ولا بالخلافات الدينية، ولا تنحاز لفريق دون آخر.
وحددت اللائحة أغراض الجمعية في إصلاح أحوال الناس اجتماعيًا وأخلاقيًا، وتشجيع الأعمال الخيرية من مساعدة للفقراء وتجهيز للموتى ودعم للمشروعات النافعة، إضافة إلى بناء المساجد والكتاتيب ومحو الأمية. هذا الخطاب المعتدل جعل المجتمع المصري يستقبل الجماعة بترحاب، وينضم إليها دون تحفظ.
قرار مفاجئ بلا مشاورة
وبعد عشرة أعوام فقط، فاجئ حسن البنا الجميع بإعلان دخول جماعته معترك الحياة السياسية، في ذلك يقول طارق أبو السعد: اتخذ البنا هذا القرار دون أي حوار مع قيادات الجماعة أو مشاركة مع القواعد، وزعم أن هذه الأهداف ليست جديدة، بل هي أهدافه الحقيقية التي آمن بها منذ أن أسس الجماعة.
وتابع الباحث: أعلن هذا التحول في المؤتمر الخامس عام 1938، حيث صرّح بأن الوصول إلى الحكم هدف وغاية للجماعة، لأن الحكم في معتقد الإخوان ركن من أركان الإسلام. كما أعلن بصورة ما استخدام العنف، قائلاً: جماعة الإخوان سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضى وارتياح.
ادعاءات لا تصمد أمام الوقائع
وأكد أبو السعد؛ أن البنا قدّم مبررات واهية لتبرير هذا التحول. ويستشهد بكتاب "أوراق من تاريخ الإخوان" لجمعة أمين، الذي يؤكد أن خطاب الإخوان خلال العقد الأول كان مقتصرًا على الوعظ الديني وبناء المساجد والمدارس وتقوية الفضائل الخلقية والتحذير من الاندفاع وراء المدنية الحديثة، دون أي محاولة لتثقيف الأتباع سياسيًا أو تقريبهم من عالم الأحزاب، مضيفًا: لم يُعرف عن البنا ولا عن أتباعه أي خبرة سياسية، فكيف يمكن أن نصدق أنه كان يضمر العمل في السياسة طوال هذه السنوات؟ الأقرب إلى المنطق أنه استقدم جهة ما للعمل في السياسة كظهير شعبي.
حرب على الأحزاب بأفراد غير مؤهلين
وأضاف "أبو السعد" أن هناك مفارقة واضحة، حيث أن "البنا" أعلن دخوله عالم السياسة من باب الحرب على الأحزاب، حربًا لا هوادة فيها، فهل من المنطقي أن يخوض حربًا سياسية بأفراد لم يمارسوا السياسة قط، ولم يُعرف عنهم أي ميل للعمل السياسي؟ وهل من المنطقي أن يقود عملًا سياسيًا وهو ذاته لم يمارس عملًا سياسيًا أو ثوريًا من قبل؟ من المؤكد أن هناك سرًا غامضًا دفع البنا لهذا التحول.
تجهيز متعجل وتنظيم سري
ويشير" أبو السعد" إلى أن البنا حاول تجهيز جماعته للمهمة الجديدة، لكن ذلك جاء متعجلًا وغير مكتمل. ففي عام 1937 أسس "قسم الاتصال بالعالم الخارجي"، ثم كوّن "النظام الخاص المسلح" عام 1938، وعقد مؤتمرًا لطلبة الإخوان في فبراير 1938، وكتب "رسالة المنهج" في أبريل من العام نفسه، ثم نقل المركز العام إلى ميدان العتبة، وأنشأ مجلة "النذير" التي كتب في عددها الأول شرحًا جديدًا لمفهوم شمولية الإسلام.
ويقول أبو السعد: في العدد الأول من مجلة النذير، خاطب البنا الإخوان قائلاً: إلى الآن، أيها الإخوان، لم تخاصموا حزبًا ولا هيئة، كما أنكم لم تنضموا إليهم، أما اليوم فستخاصمون هؤلاء جميعًا، سواء في الحكم أو خارجه، خصومة شديدة، فإن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجًا يسيرون عليه، فإما ولاء وإما عداء، كاشفًا أن البنا كتب بعد ذلك رسالة "التعاليم" في يوليو 1938، وهي رسالة سرية للتنظيم المسلح، شرح فيها بصورة خاصة مفهوم البيعة والعمل في الجماعة. ثم عقد مؤتمرًا في المنصورة وآخر في أسيوط لتمهيد تحولاته خشية الهجوم عليه أو تفكك الجماعة، قبل أن يختتم مساره بالمؤتمر الخامس في فبراير 1939.
أسئلة بلا إجابات
وأضاف " طارق أبو السعد" أن البنا لم يجهّز الجماعة ولم يعدّها للعمل السياسي، وانحصر نشاطه في الخطب والمحاضرات، ودخوله لعالم السياسة جاء سريعًا متعجلًا وخطابيًا انفعاليًا، دون تخطيط أو مرحلية، وعندما أراد تجهيز الجماعة، جهّزها تنظيميًا على عجل. ومعلوم أن البنا كان حصيفًا ولم يكن مغامرًا، فما السر وراء هذا التغيير السريع الذي كاد أن يهدم الجماعة ذاتها، والذي دفع البنا حياته بعد عشرة أعوام ثمنًا له؟"
وتساءل الباحث في شؤون الحركات المتطرفة؛ هل كان البنا قادرًا على اتخاذ كل هذه الخطوات المتسارعة إن لم يكن له ظهير قوي يحميه ويؤيده؟ ولماذا يبدو وهو يهاجم الأحزاب آمنًا مطمئنًا؟ من المستفيد من دوره الوظيفي الذي أعلنه بنفسه ويتلخص في هدم الأحزاب أو التحريض عليها؟ ومن المستفيد من إطفاء جذوة الروح الوطنية التي بدأت تدب في مصر؟