لم تعد مراكز الإصلاح والتأهيل في مصر مجرد أماكن لتنفيذ العقوبة، بل تحولت إلى منظومة متكاملة لإعادة بناء الإنسان، من خلال برامج تأهيلية وإنتاجية تهدف إلى دمج النزلاء في المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة.
ومن أبرز ملامح هذا التحول المشروعات الزراعية الضخمة التي تُنفذ خلف الأسوار، والتي يشارك فيها النزلاء بزراعة مختلف المحاصيل، في تجربة تعكس فلسفة جديدة تقوم على العمل والإنتاج بدلًا من العزل والتهميش.
من النزيل إلى المنتج.. زراعة ومهن تصنع مستقبلًا جديدًا داخل مراكز التأهيل
ويشارك النزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل في زراعة الخضروات والفاكهة والمحاصيل الحقلية، إلى جانب مشروعات الإنتاج الحيواني والداجني، وفق خطط مدروسة تعتمد على أحدث أساليب الزراعة والإدارة.
وتشمل هذه المشروعات محاصيل متنوعة تلبي احتياجات الاستهلاك اليومي، فضلًا عن فائض يُطرح في الأسواق والمعارض الرسمية، ما يسهم في دعم منظومة الأمن الغذائي، ويعزز مفهوم الاكتفاء الذاتي داخل المراكز.
مشروعات ضخمة خلف الأسوار تعيد تأهيل النزلاء وتدعم أسرهم
ولا يقتصر الدور الإنتاجي على الزراعة فقط، بل يمتد إلى تعليم النزلاء مختلف المهن والحرف، مثل النجارة، والحدادة، وصيانة المعدات، والصناعات الغذائية، بما يفتح أمامهم آفاقًا جديدة للعمل الشريف بعد الإفراج عنهم.
ويتم ذلك من خلال برامج تدريبية منظمة، يشرف عليها متخصصون، وتهدف إلى إكساب النزيل مهارات عملية حقيقية تؤهله لسوق العمل.
وتُعرض منتجات هذه المشروعات في معارض قطاع الحماية المجتمعية، التي تشهد إقبالًا واسعًا من المواطنين، نظرًا لجودة المنتجات وتنوعها وأسعارها المناسبة.
ويحصل النزلاء المشاركون في العملية الإنتاجية على جزء من الأرباح، في خطوة تعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء، وتدعم أسرهم ماديًا، وتسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عنهم.
ويعكس هذا التطور الكبير في فلسفة التأهيل توجه الدولة نحو تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، من خلال توفير بيئة إنسانية للنزلاء، تقوم على الإصلاح الحقيقي لا العقاب فقط.
كما تؤكد هذه التجربة نجاح نموذج مراكز الإصلاح والتأهيل في تحويل النزيل من عبء على المجتمع إلى عنصر منتج، قادر على بدء حياة جديدة قائمة على العمل والاستقامة.
وبذلك تصبح المشروعات الإنتاجية خلف الأسوار رسالة واضحة بأن الإصلاح ممكن، وأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأمثل لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وأمانًا.