<< الكتابة صارت فعل نجاة في زمن الجوع والنزوح
<< رأيت أطفالي يتعلمون التكيف مع الموت اليومي
<< النزوح اقتلاع بطيء من الجذور وموت مؤجل
<< خسارتنا ليست مادية بل فقدان للذاكرة
<< أصعب ما رأيته خلال الحرب شيخوخة الأطفال فجأة تحت القصف
<< وداع الشهداء صار طقسا يوميا في حياتنا
<< الكتابة اليوم أقل زينة وأكثر صدقا
<< الثقافة تعيش في الناس حتى لو دمرت البيوت
<< الاحتلال يستهدف المثقف لأنه يخشى الذاكرة
<< الأدب أرشيف إنساني في مواجهة التزوير
<< كتبت للأطفال كي أرمم أرواحا كسرتها الحرب
<< ما يحدث في غزة استمرار لنكبة 48 بأدوات أكثر وحشية
منذ نكبة عام 1948، لم يكن الفلسطينيون أمام مشروع اقتلاع جغرافي فحسب، بل أمام محاولة منظمة لمحو الذاكرة والهوية، وهنا برز الدور التاريخي للفنانين والكتاب والمثقفين الفلسطينيين بوصفهم حراس الرواية وحملة الذاكرة الجمعية، بالكلمة واللوحة واللحن والعدسة والمسرح، تحول الإبداع الفلسطيني إلى فعل مقاومة، يوثق المأساة ويصون التفاصيل الصغيرة التي حاول الاحتلال طمسها، من أسماء القرى المدمرة وحكايات اللجوء الأولى، إلى يوميات الحصار والسجن والحرب.
اقرأ أيضا:
منسقة الطوارئ بمنظمة أطباء بلا حدود في غزة: نحاول تخفيف وطأة الحرب بغزة
أدرك الكاتب والمثقف والفنان الفلسطيني مبكرا أن المعركة ليست على الأرض وحدها، بل على السردية أيضا، فكانت القصيدة أرشيفا، والرواية شهادة، واللوحة وثيقة بصرية، والأغنية ذاكرة تتناقلها الأجيال، وعلى امتداد العقود، لعب هذا الدور دورا حاسما في نقل التاريخ الفلسطيني من حدود الجغرافيا المحاصرة إلى الفضاء العربي والعالمي، كاشفا زيف الرواية الصهيونية، ومثبتا حضور شعب يكتب تاريخه بيده رغم القتل والتشريد.
واليوم، من النكبة إلى الانتفاضات، ومن المجازر إلى الحروب المتكررة على غزة، تتأكد أهمية هذا الدور أكثر من أي وقت مضى، إذ لم يعد التوثيق الثقافي ترفا إبداعيا، بل ضرورة أخلاقية ووطنية، تحمي الذاكرة من التزوير، وتمنح الضحايا أسماء ووجوها وحكايات، وتبقي القضية الفلسطينية حية في الوعي الإنساني، بوصفها قضية شعب يقاوم النسيان كما يقاوم الاحتلال.
وبين خيمة تقاوم الريح، ودفتر نجا من الركام، يكتب الكاتب الفلسطيني هاني السالمي شهادته لا عن الحرب بوصفها حدثا، بل عن الكتابة بوصفها فعل بقاء، هذا الحوار ليس استعادة لسيرة مثقف في زمن العدوان، بل محاولة لالتقاط المعنى الإنساني للثقافة حين تحاصر، وللكلمة حين تصبح آخر ما يملكه الكاتب في مواجهة المحو.
من غزة، حيث يتحول القصف إلى يوميات، والنزوح إلى قدر متكرر، يتحدث السالمي عن الكتابة كمسؤولية أخلاقية، وكأرشيف حي للذاكرة الجماعية التي يسعى الاحتلال إلى طمسها، فخلال حواره مع "اليوم السابع"، تتقاطع التجربة الشخصية مع الوجع العام، خسارة الكتب والمخطوطات، خوف الأب على أطفاله، ثقل الفقد الجماعي، وأسئلة الأطفال التي لا تجد إجابة تحت القنابل.
يروي الكاتب الفلسطيني كيف غيرت حرب الإبادة نبرة نصه؟ وكيف صارت الكتابة أقل تزيينا وأكثر صدقا وأشد التصاقا بحياة الناس العاديين؟، حوار يكشف كيف يتحول الأدب في غزة من فعل إبداعي إلى ضرورة وجودية ومن مساحة للتأمل إلى ساحة مقاومة؟، حيث يؤكد فيها "السالمي" أن الثقافة مهما تم حصارها، تبقى عصية على القتل، لأنها تعيش في الناس، وتكتب بدموعهم وأحلامهم وحقهم الدائم في أن يرووا للعالم، وإلى نص الحوار..

هاني السالمي
احك عن تجربتك ككاتب ومثقف مع الحرب في غزة؟
الحرب في غزة لم تكن حدثًا عابرًا في حياتي ككاتب، بل كانت امتحانًا قاسيًا لمعنى الكتابة ذاتها، حيث وجدت نفسي أكتب لا لأُبدع فقط بل لأبقى، لأحمي الذاكرة من الفناء، فالكتابة صارت فعل نجاة وشهادة ضد المحو، أكتب تحت القصف وفي الخيام وبين النزوح والجوع، وكأن الكلمة هي آخر ما تبقى لي من وطن.
هل فقدت شيئا من مقتنياتك الثقافية ولوحاتك خلال الحرب؟
نعم، فقدت كتبا ومخطوطات وأوراق عمل ومقتنيات ثقافية رافقتني سنوات طويلة.
ما تأثير خسارة تلك المقتنيات عليك؟
لم تكن الخسارة مادية فقط، بل فقدانًا لجزء من الذاكرة الشخصية، لكنني أدركت أن الثقافة الحقيقية هي ما نحمله في وعينا ونورثه للآخرين.
كيف كان تأثير الحرب عليك ؟
الحرب تركت أثرا عميقا علينا جميعا، الخوف، النزوح، البرد، الجوع، وانعدام الأمان، خاصة على الأطفال، أن ترى أبناءك يحاولون التكيف مع الموت اليومي هو أقسى ما يمكن أن يواجهه الأب، ومع ذلك كنا نحاول خلق لحظات حياة صغيرة وسط الخراب.

الكاتب هاني السالمى خلال الحرب
هل فقدت عزيزا لك في العدوان؟
نعم، فقدت أصدقاء وأقارب، والفقد هنا جماعي، فكل شهيد هو خسارة شخصية لنا جميعا.
كيف كانت تجربة النزوح؟
النزوح اقتلاع بطيء من الجذور، فأن تحمل بيتك في حقيبة، وأن تصبح الخيمة عنوانك المؤقت، هو شكل آخر من أشكال الموت المؤجل، والنزوح ليس انتقالًا جغرافيًا فقط، بل كسر داخلي وشعور دائم بعدم الاستقرار.
ما أصعب المشاهد واللحظات خلال الحرب؟
أصعبها رؤية الأطفال وهم يشيخون فجأة، صمتهم ودموعهم وأسئلتهم التي بلا إجابات، إضافة إلى وداع الشهداء يوميًا، خصوصًا من الأصدقاء والمثقفين.
ما أبرز المبادرات التي قدمتها مجتمعيًا خلال الحرب؟
حاولت أن أكون حاضرًا عبر الكلمة؛ كتبت للأطفال، ونفذت أنشطة قرائية بسيطة في مراكز النزوح.

الكاتب هاني السالمي
كيف حاولت التعامل مع نفسية الأطفال المحطمة خلال الحرب خلال كتابتك لهم؟
استخدمت القصة كوسيلة للتفريغ النفسي، كما عملت على توثيق الحكايات الصغيرة للناس لأنها غالبًا ما تهمل.
ما أبرز ما استوقفك خلال العدوان وظللت تتذكره كثيرًا؟
قدرة الناس المدهشة على الصمود رغم كل شيء؛ أم تطعم أبناءها من لا شيء، طفل يلعب بين الركام، وشباب يضحكون رغم الفقد.
كيف رأيت عملية التجويع المتعمدة التي يمارسها الاحتلال ضد سكان القطاع؟
التجويع جريمة حرب مكتملة الأركان، سلاح بطيء يستهدف الكرامة قبل الجسد، وما يحدث في غزة سياسة ممنهجة لكسر الإرادة الجماعية.
ما الذي تغير في حياتك الفنية والأدبية بعد العدوان؟
تغيرت نبرة الكتابة، صارت أكثر عريا وصدقا، أقل زينة لغوية وأكثر التصاقا بالحقيقة وبحياة الناس اليومية، وأكثر التزاما أخلاقيا.
ما الفرق بين نكبة 48 وما يحدث في غزة الآن؟
نكبة 48 كانت بداية المشروع الاستعماري، وما يحدث الآن في غزة والأراضي الفلسطينية هو استمراره بأدوات أكثر وحشية وعلنية، لكن الفارق أن العالم كان غائبا آنذاك، أما اليوم فهو يرى المجازر الإسرائيلية ويختار الصمت.
كيف سعت إسرائيل لإخفاء جرائمها في 48 وما تلاها؟
اعتمدت إسرائيل سابقا وبالتحديد في نكبة 1948 على التزوير وغياب التوثيق في تلك المرحلة.
هل يستطيع الاحتلال فعل ذلك الآن؟
اليوم جرائم إسرائيل موثقة بالصوت والصورة، فقد تحاول الإنكار، لكنها لم تعد قادرة على الإخفاء.
ما العقبات التي تواجه الفنان والكاتب الفلسطيني في غزة؟
القصف، الفقر، النزوح، انعدام الأمان، غياب المؤسسات الداعمة، واستهداف المثقفين، ومع ذلك يستمر الإبداع كفعل مقاومة.
كيف عملت على توثيق صمود الفلسطينيين منذ النكبة؟
من خلال السرد والشهادات والنصوص التأملية التي تمزج بين الشخصي والجماعي، إيمانًا بأن الأدب شكل من أشكال الأرشفة الإنسانية.
كيف يسعى الاحتلال للسطو على الثقافة والهوية الفلسطينية؟
عبر سرقة التراث، تزوير التاريخ، وفرض رواية واحدة، لكنه يفشل لأن الثقافة تعيش في الناس لا في الروايات الرسمية.
هل هناك تعمد للقضاء على الفن والثقافة الفلسطينية؟
نعم، استهداف المثقفين والفنانين متعمد، لأن الاحتلال يدرك أن الثقافة تحفظ الذاكرة وتفضح الجريمة.
كيف يواجه الفلسطينيون بفنهم مخطط التهجير القسري؟
بالغناء والرسم والكتابة والمسرح والحكاية، فالفن هنا أداة بقاء ومقاومة لا ترفا.
ما المطلوب من المثقفين حول العالم لنصرة القضية الفلسطينية؟
الانحياز للعدالة، كسر الصمت، استخدام المنصات الثقافية لفضح الجرائم، والتعامل مع فلسطين كقضية إنسانية وأخلاقية مستمرة لا كخبر عابر.