أمارس الفن منذ الصغر والفوز بمسابقة الأمم المتحدة شكل نقطة تحول
مقاطعتي للمنتجات الإسرائيلية كانت جزءا من التجربة الفنية والمقاومة
مبادرة "نحو التجريب والإبداع" دعوة جيل الشباب لاستمرار المقاومة الفنية
جائزة النيل للمبدعين العرب 2025 فخر للفن الفلسطيني
الفن الفلسطيني ليس ترفا بل سلاح روحي وثقافي ضد الاحتلال
غزة اليوم ليست مختلفة عن النكبة عام 1948
منذ اللحظة التي انطفأت فيها قناديل القرى الفلسطينية عام 1948، إيذانا بنكبة غيرت وجه التاريخ العربي والإقليمي، خرجت فلسطين من الخريطة السياسية لتسكن خريطة الذاكرة والوجدان الإنساني، فلم تكن النكبة مجرد حدث سياسي أو نزوح جماعي فرض على شعب أعزل، بل كانت بداية فصل طويل من الألم والمحو الممنهج والتطهير العرقي، مارسته الحركة الصهيونية بإسناد دولي ودعم عسكري وإعلامي، في محاولة لطمس هوية أمةٍ لها جذور من زيتونها وعمر سنينها أعمق من حسابات الاحتلال.
من دير ياسين إلى كفر قاسم، ومن صبرا وشاتيلا إلى جنين، وصولًا إلى غزة اليوم؛ ظل الدم الفلسطيني شاهدا على مسار ممتد من المجازر المتعمدة، ليست حربا بقدر ما هي مشروع اقتلاع وتهجير وطمس للوجود، حيث لم تكن الرصاصة وحدها هي السلاح، بل سارت إلى جانبها سيوف الإعلام والتاريخ المزيف ومحاولات صناعة رواية بديلة تشرعن القتل، وتحول الضحية إلى متهم والمحتل إلى مدافع عما يسمى "حق الوجود".
لكن أمام هذا التزييف المنهجي ولدت مقاومة أخرى، مقاومة بالكلمة والصورة واللحن، فخرج الأدب الفلسطيني من بين ركام البيوت المهدمة ليس فقط إعادة صياغة الحقيقة، بل ليحميها أيضا من الضياع، فكتب غسان كنفاني فكانت روايته دفترا تسجل فيه ملامح الوجع والبقاء، وغنى الشيخ إمام ومرسيل خليفة للمخيمات، وكتب محمود درويش قصيدته ليثبت للعالم أن الفلسطيني موجودٌ رغم المحو، وأن الأرض تتكلم بلسان شعرائها كما تتكلم بنبض شهدائها.
ومع السنوات، ومع كل حرب جديدة، تطورت الرواية الفلسطينية، لم تعد مجرد بكائية على وطن مفقود، بل أصبحت خطابا عالميا قادرا على اختراق الحواجز السياسية والإعلامية، ومساءلة مفاهيم القوة والديمقراطية والاحتلال، وأصبحت الأفلام الوثائقية، والفنون التشكيلية، والصور القادمة من العدسات المرتجفة في الأزقة المهدمة، أرشيفا مقاوما يحفظ الحقيقة من الاندثار، ويضعها أمام العالم شاهدا لا يمكن إنكاره.
واليوم في حرب غزة، حيث يمضي الاحتلال الإسرائيلي في واحدة من أكثر الحملات دموية في القرن الحديث، لم تعد الرواية الفلسطينية مجرد صوت ضعيف ينازع على مساحة في الإعلام العالمي، بل تحولت إلى موجة إنسانية عابرة للحدود، أربكت الآلة الدعائية الإسرائيلية، ووضعت المجتمع الدولي أمام سؤال أخلاقي عجز عن الإجابة عنه كيف يسمح بمحو مدينة عن الخارطة بصمت عالمي؟.
من النكبة حتى غزة، لا يزال الفلسطينيون يقاتلون على جبهتين هما جبهة الأرض، وجبهة الحقيقة. وإن كانت الجغرافيا قد سلبت، فإن الرواية اليوم باتت في صدارة المشهد العالمي، تنتصر بالصورة، بالشهادة، بصراخ الأطفال تحت الأنقاض، وبقلم يكتب كي لا ينسى العالم، ولا ينسى الفلسطيني نفسه أنه كان ولا يزال هنا.
ومنذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها غزة تنزف تحت وطأة القصف، لم تكن فقط الجدران والمنازل هي التي تهدمت، بل تهشمت معها تفاصيل الحياة اليومية، وذاكرة الأماكن، ووجوه البشر الذين لم يتح لهم أن يودعوا بعضهم، ومع كل مجزرة ارتكبها الاحتلال، ووسط محاولات الطمس والتشويه، برز المثقف والفنان الفلسطيني بوصفه شاهدا على الحقيقة وحارسا للذاكرة، لا يوثق الأحداث فحسب، بل يحول الألم إلى خطاب عالمي مقاوم، يتحدى الصمت، ويكسر الرواية الرسمية لإسرائيل.

الفنان الفلسطيني سليمان منصور
لم يعد الفن الفلسطيني ترفا جماليا أو ممارسة ثقافية محدودة، بل أصبح فعل بقاء ووسيلة دفاع عن الوجود الفلسطيني في وجه آلة عسكرية تدمر المدن، وآلة إعلامية تحاول تدمير السرد، فالكاميرا التي يحملها صحفي شاب في لحظة هرولة بين الركام، والقصيدة التي تقرأ على ضوء شمعة، واللوحة التي ترسم على جدار مهدم، والرواية التي تكتب كوثيقة نجاة، كلها أصبحت أدوات نضال تعادل في قيمتها صوتا دوليا، لا يمكن إسكات صدى رسالته.
يقول المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد: "المثقف هو من يقول كلمة الحق ويتصدى لاستبدادية المؤسسات الحديثة ويحمل مسؤولية تجسيد موقف أو فلسفة بألفاظ واضحة لجمهور ما ونيابة عنه"، وهنا لعب المثقفون والكتاب والشعراء والفنانون الفلسطينيون دورا مصيريا في حماية الحقيقة من التشويه، فكتبوا عن المخيمات التي احترقت وعن المدن التي اختفت تحت الأنقاض، وعن الأطفال الذين لم يتسن لهم أن يكبروا، ومع مرور الزمن تحولت إبداعاتهم إلى أرشيف إنساني مفتوح للعالم، يذكر بأن ما يجري ليس أرقاما في نشرات الأخبار، بل حياة كاملة تمحى.
في حرب غزة المعاصرة، تجاوزت الكلمة الفلسطينية حدود فلسطين؛ صارت الأغنية التي تبث من مخيم الشجاعية تسمع في الجامعات الأوروبية، والصورة القادمة من غزة تتحول إلى رمز عالمي على جدران نيويورك وبرلين، والقصيدة المكتوبة بدم الناجين تترجم لعشرات اللغات، لتقول للعالم إن الفن ليس مجرد شاهد على المأساة، بل مقاومة ضد محو الشعب، وضد الرواية التي تريد تحويل الجريمة إلى حدث عابر، بهذا الدور، لم يكن المثقف الفلسطيني مجرد راو؛ بل أصبح جزءا من جبهة لا تحمل السلاح، لكنها تحمل ما هو أخطر "الحقيقة".
في سلسلة "من النكبة إلى غزة" نسلط الضوء على دور المثقفين والفنانين الفلسطينيين في توثيق تلك المجازر على مدار عقود، ففي زمن امتزج فيه الألم بالأمل، وحفر فيه تاريخ الشعب الفلسطيني على جدران الذاكرة والريشة، يقدم لنا الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور شهادته عن فلسطين التي عاشها وشاهدها منذ النكبة، وعن المعاناة والصمود الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم في غزة، ومن خلال أعماله الفنية، استطاع أن يحول الألم إلى لوحة، والفقد إلى أمل، والذاكرة الجماعية إلى رؤية فنية خالدة.
في حواره مع "اليوم السابع"، يتحدث سليمان منصور عن بداياته الفنية، وتأثير النكبة والحروب على رؤيته، ودوره في نقل معاناة شعبه عبر الفن إلى العالم، إلى جانب فخره بفوزه بجائزة النيل المبدعين العرب لعام 2025، مؤكدا أن الفن الفلسطيني لم يكن يوما مجرد ألوان على قماش، بل هو صرخة وطنية توثق الصمود والهوية في وجه آلة القتل والتهجير.
ويفتح الفنان التشكيلي الفلسطيني نافذة على تجربته الفنية الطويلة، التي تشكلت منذ طفولته ومجازر 1948، مرورا بالانتفاضات والحروب، وصولا إلى العدوان الأخير على غزة، حيث يتحدث الحائز على جائزة النيل المبدعين العرب لعام 2025، عن كيف استطاع من خلال فنه تحويل الألم إلى لوحة، والصمود إلى أمل.
وإلى نص الحوار..
في البداية عندما حدثت النكبة كان عمرك عاما حينها.. هل تعرضت عائلتك للتهجير خلال نكبة 48؟
بعض أفراد العائلة كانوا في القدس الغربية منهم جدي وعمتي وعمي، تم احتلال بيوتهم وتهجيرهم.
ما الفرق بين نكبة 48 وبين ما يحدث في غزة الآن من عدوان غاشم ومحاولات للتهجير؟
لا يوجد فرق كبير بين النكبة عام 1948 وبين ما يجري اليوم في قطاع غزة، الفراق الوحيد أن الصهاينة اليوم يتحدثون بفخر واعتزاز عن أفعالهم، أما عام 48 كانوا يخفون أخبار المذابح وينكرونها .
متى بدأت تمارس هوايتك في الفن التشكيلي خاصة أنك شاركت في مسابقة للأمم المتحدة وكان عمرك صغيرا حينها؟
في العادة أن من يمتلكون موهبة معينة تظهر معهم منذ الصغر وتتبلور مع الكبر في المدرسة، خاصة أن الاعتراف الذي يجده الموهوب من أقرانه ومن مدرسيه تشكل لديه ثقة في ذاته وتشجيع للاستمرار في طريق الفن، بالنسبة لي كنت محظوظا إذ كان مدرس الفن فنان ألماني اهتم بموهبتي وشجعني للاشتراك في مسابقة عالمية للأمم المتحدة وفزت بهذه المسابقة ووضعت رسمتي غلاف لكتالوغ المسابقة.

الفنان سليمان منصور
هل عملت من خلال ريشتك على توثيق التاريخ الفلسطيني؟
أنا لم ولا أعملى على توثيق التاريخ، ربما أوثق حالات يمر بها الشعب الفلسطيني كالحزن والغضب والتحدي والفرح والحب والأمل.
تحدثت أنك عملت على رسم فلسطين بأسلوب رومانسي.. كيف ذلك؟
بالنسبة لرسم فلسطين فقد كنت أريد أن أقدم فلسطين بأجمل وجوهها، فمثلا إذا رسمت منظر قرية أحاول حذف اي بناء حديث يسيء لجمال القرية، وحذفت خزانات المياه عن سطوح المنازل وأنتينات التلفزيون وعواميد الكهرباء، خاصة إذا كانت الأسلاك عشوائية، وإذا كان في سلسلة "جدار حجري" ساقط كنت أعيد بنائه وأرممه في اللوحة، وإذا كانت شجرة ناشفة ارسمها يانعة ومثمرة وهكذا، كنت ولا أزال أريد تصوير فلسطين بأجمل شكل.
لماذا قررت عدم الاستعانة بالألوان والاعتماد على الفحم والحبر في رسوماتك بعد الحرب الإسرائيلية على غزة؟
إنني أنظر إلى الفن الذي يصلنا من غزة ولأسباب موضوعية كل أعمالهم بالفحم أو الحبر على ورق أبيض وهذا بالطبع يعكس الحياة التي يعيشونها، أنا متأثر بالطبع بالصور المؤثرة التي تصلنا من غزة للشهداء والأطفال الممزقين، ولذا أي شيء أرسمه عن غزة يشبه الصور المرعبة والمحزنة التي تصلنا من غزة، كما أن إعادة إنتاج هذه الصور وإضافة غضب أو حزن الفنان عليها تصبح لوحات كئيبة متشائمة تبث روح الذعر والانهزام عند المشاهد وهذا برأيي ما تريده إسرائيل وهو بث روح الانهزام وفقدان الأمل عند الناس.
هل ترى الرسومات التي ينتجها الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في الوقت الراهن قادرة على توثيق تلك المذابح ضد أهل غزة؟
أنا برأيي أدعو للتفكير قبل عرض أي عمل للجمهور والتريث لما بعد انتهاء الحرب، فأعظم الأدب الذي كتب عن الحرب العالمية الثانية كتب بعد عدة سنوات من نهاية الحرب وليس في وقت الحرب.

الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور
هل ترى لوحتك "جمل المحامل" التي رسمتها في عام 1973 تنطبق على ما يشهده الفلسطينيون الآن؟
لوحة جمل المحامل والتي تمثل شخص يحمل شيء ثقيل بالرغم من جمال وأهمية هذا العمل، إلا أنه يظل حمل صعب وهو يصلح لكل زمان، لأن الإنسان دئما يمر في صعوبات ومشكلات التي تشبه الأحمال الثقيلة في غزة، والأشخاص الذين يحملون أكياس الطحين ذكرت الناس بلوحة جمل المحامل لأنهم يشبهون بعض، ومجرد أن يتذكر الناس لوحة جمل المحامل بعد رؤيتهم لحاملي الطحين فهذا يدل أن اللوحة لا يزال لها تأثير عند الناس وحياتهم تذكرهم باللوحة .
كيف ترى عملية التجويع المتعمدة التي مارسها الاحتلال ضد سكان القطاع؟
عملية التجويع هي من أبشع وسائل الحروب وتعتبر جريمة حرب، فالرومان مارسوا عملية تجويع على سكان القدس في القرن الميلادي الأول حتى وصل بهم الامر لأكل جثث موتاهم وكانوا يهودا حينها، وهم على ما يبدو يمارسون على الشعب الفلسطيني كل ما واجهوه من مصائب من العالم، سواء من الألمان تارة ومن الرومان تارة ثانية والله أعلم ماذا ينتظرنا في المستقبل.
ذكرت أنك كنت ترى أن عصر التهجير والنكبة قد انتهى والعالم الحديث قادر على منع أي محاولات إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين.. هل خاب ظنك؟
كنت أرى بأنه لا يوجد دولة في العالم تستطيع عمل تهجير وإبادة في عصرنا، هذا بسبب تطور الإعلام وانتشاره وتطور وسائل التواصل الاجتماعي، لكن يبدو أنني كنت مخطئا خاصة بالنسبة لإسرائيل التي كما يبدو تسيطر على الولايات المتحدة وهي الإمبراطورية العظمى ولا يهمها شيء في الدنيا بعد ذلك وتحاول عمل تهجير ضاربة بعرض الحائط الرأي العام العالمي وأي شيئا أخر.
لماذا أصر الاحتلال خلال الحرب على تنفيذ التهجير ضد الفلسطينيين؟
يبدو قصة أن الله أعطى فلسطين لليهود لم تعد تقنع الناس حول العالم، وخاصة جيل الشباب في الغرب الذي يبتعد عن الدين وينظر كما يبدو إلى هذه القصص كفلكلور وقصص شعبية ليس إلا، فأصبح وجود الشعب الفلسطيني يشكل تحدي خطير للمشروع الصهيوني وصار التعامل معه أكثر جدية وحدة واعتقد أن اسرائيل لا يمكنها فعل ما تفعله من دون موافقة ضمنية لقوى مهمة في أوروبا والعالم وهذا يفسر عدم اهتمامها برأي الناس العاديين في العالم.

إحدى لوحان الفنان سليمان منصور عن المرأة الفلسطينية
هل لا زالت تحلم برسم فلسطين محررة وقد أصبحت دولة معترف بها دوليا؟
بالطبع أن أرسم فلسطين محررة هو حلم لا تنتهي صلاحيته، فإذا انتهت صلاحيته فهذا يعني أن إسرائيل هزمتنا شر هزيمة، وقتل الأمل عندنا هو مطلب أساسي إسرائيلي.
كيف يسعى الاحتلال للسطو على الثقافة والهوية الفلسطينية؟
حاول الاحتلال من منطلق عدم وجود شعب فلسطيني إلى سرقة ما يحلو له من عمارة، خاصة البيوت الفلسطينية في القدس الغربية والتي يسكنها قيادات إسرائيل السياسية والثقافية والاقتصادية، وكثير من النماذج التي حافظوا عليها مثل قرية عين حوض في الجليل الأعلى ويافا وعكا، بالإضافة إلى عدد من الممتلكات الغنية في القدس والبيرة وبيرزيت وعمان وبيروت، وسرقوا كذلك العديد من الأكلات الشعبية أولها الحمص والفلافل ومتبل الباذنجان والآن يقدمون المسخن كطبق إسرائيلي تقليدي والخبز الفلسطيني وغيره الكثير، وحاولوا سرقة الزي الشعبي الفلسطيني وخاصة التطريز ولكن لم ينجحوا في هذا.
لماذا؟
لأن فن التطريز تراكم على مدى مئات السنين وسجل في أبحاث المستعمرين والصور القديمة، كما أن الشعب الفلسطيني اهتم بهذا الجانب وتم عمل العديد من الكتب والدراسات عنه.
انهيار القطاع الثقافي في غزة
هل هناك تعمد من قبل الاحتلال للقضاء على الفن والثقافة الفلسطينية من خلال استهداف المثقفين في حرب غزة؟
إسرائيل تتعامل مع المثقف الفلسطيني كعدو وتحاول تصفيته كما حدث مع غسان كنفاني وماجد أبو شرار وأكرم زعيتر وناجي العلي، كما أنها قصفت مقر الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين في بيروت عام 1982 والمتحف من أجل فلسطين، ومن لم تغتالهم تحاول تشويه سمعتهم كما تحاول إفقارهم لكي يقضوا جزء كبير من وقتهم لملاحقة رغيف الخبز بدل قضائه في الإنتاج الثقافي.
ما أشكال قمع الاحتلال للمثقفين والفنانين الفلسطينيين؟
في الارض المحتلة سجنت إسرائيل العديد من الفنانين والمثقفين لفترات مختلفة لإرهابهم ومنعتهم من السفر والتواصل مع زملائهم في العالم العربي والعالم، وقبل اتفاق أوسلو كان ممنوع تأسيس كليات فنون، هذا بالإضافة إلى مصادرة عدد كبير من أعمال الفنانين ومنعهم من استعمال ألوان العلم الفلسطيني، هذا بالنسبة للفن التشكيلي وكل أساليب التعبير الثقافية عانت كثيرا كالأدباء والمسرحيين والموسيقيين والجميع.
خلال الانتفاضة الأولى شكلت مع مجموعة من الفنانين "نحو التجريب والابداع" لدعم الجهود الفلسطينية ضد الاحتلال.. هل من الممكن أن نجد مثل تلك المبادرات الآن؟
من الضروري أن تتشكل مبادرات كتلك التي نفذناها خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى وأنا اتطلع للجيل الشاب من فناني فلسطين لعمل مبادرة شبيهة، وسوف ندعم أي جهد في هذا الاتجاه في كل شيء سواء من خبرات أو دعم مالي وأي شيء مطلوب سنقف بجانبهم.
حدثنا عن تجربتك في مقاطعة البضائع الإسرائيلية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى واعتمادك على المواد الطبيعية في رسوماتك؟
مع بداية الانتفاضة الأولى عام 1988 أعلنت القيادة الموحدة للانتفاضة عن فلسفتها لمقاومة الاحتلال من خلال الاعتماد على الذات بكل شيء وأهم شيء كان دعوتها لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية وحتى أي شيء مستورد عن طريق إسرائيل، واهتم كل الناس بهذا المطلب وصار الناس يزرعون أرضهم حتى لو كانت حديقة صغيرة بنباتات تؤكل.
هل كررت تلك التجربة خلال الحرب الإسرائيلية على غزة؟
لم أكرر ما فعلته في الانتفاضة الأولى لأنني ببساطة لم أنه عملي في الطين، لا زلت أنتج أعمالا بالطين إذا وجدت فكرة جيدة بين الفينة والأخرى، كما أن عدة محلات تجارية صارت تستورد هي المواد الفنية من العالم، اليوم المقاطعة أكثر مباشرة فنحن نعرف كل ما هو إسرائيلي وإذا يوجد بديل محلي له نشتري من البديل.
كيف عملت على خلط الطين بمكونات من المطبخ في رسوماتك؟
أنا كفنان بدأت أبحث عن مواد خام محلية لأنفذ فيها لوحاتي ومن خلال ذكريات الطفولة استحضرت ذكرياتي مع جدتي التي أذكر انها كانت تشكل بيوت للنحل من الطين والقش وكنت أساعدها بهمة عالية إذ الوقت كان صيفا واللعب في الماء والطين بالنسبة لطفل كان شيئا رائعا.
هل لاقت تلك الفكرة نجاحا؟
في بداية الأمر كنا قلقين في طبيعة استقبال الناس لهذه الأعمال الجديدة ولكن مع افتتاح المعرض الأول حضر جمهور لا بأس به، وكان هذا الجمهور يلمس اللوحات ويشمها وكان يتفاعل معها بشكل خاص.
هل كان هناك تجارب أخرى لرسومات من مواد أخرى غير الطين؟
بعد أن نحت ُبعض الأعمال بالطين، زرت زميلي نبيل عناني فوجدته يجرب إنجاز أعماله بالجلد والحناء، وزرنا بعد ذلك الزميل تيسير بركات وكان ينتج أعمال فنية على ورق من خلال الصبغ والأحبار التي كان ينتجها في رسمه ومن ثم انتقل لاستعمال اسطح خشبية مهترئة كأبواب قديمة أو آثاث قديم ويستعمل الحرق على الخشب ليرسم عليها، فيرا كامت الزميلة التي يحترمها كل الفنانين وكانت تجرب بخلطات غير مألوفة في الخشب وتستعمل أحجار الفسيفساء القديمة، قمنا بعمل عدة اجتماعات تخللها نقاشات عميقة حول ما نحن ننجزه، وكنا نعرف أن استعمال مواد خام مختلفة شيء مستعل عند فناني الفن الحديث، أما نحن فإن استعمالنا للمواد المختلفة كان لضرورة سياسية وليس للتغيير الفني فقط وهذا اعتقد ما اعطى أعمالنا وحركتنا هذه التي أطلقنا عليها "نحو التجريب والابداع" أهمية خاصة أنها للدارس للفن الفلسطيني يشعر بوضوح أنها حلقة وصل بين الفن الفلسطيني الذي تم إنجازه منذ 1950 وحتى اليوم وبين الفن المعاصر الذي يتم إنجازه اليوم.
لماذا ركزت غالبية رسوماتك على المرأة الفلسطينية؟
المرأة في أعمال كثير من الفنانين الفلسطينيين ترمز لفلسطين الوطن وأحيانا للثورة، كما ترمز إجمالا لكل شيء عزيز ونبيل ومعطاء.
كيف عملت على توثيق صمود الفلسطينيين ضد آلة القتل الإسرائيلية منذ النكبة؟
أهم شيء يجب التركيز عليه من قبل أي فنان هو الهوية الفلسطينية، حيث إن الصهيونية كانت تنكر وجود الشعب الفلسطيني وهذه طريقتها في قتل الناس وسرقة أراضيهم، وعندما لا يكون هناك شعب فيصبح قتل الناس سهلا وكذلك سرقتهم، كما أن تركيزنا على الهوية الفلسطينية كان للتأكيد على وجود شعب فلسطيني له ثقافته الخاصة ويستطيع التواصل مع العالم من خلال الفن.
هل الفنان التشكيلي الفلسطيني قادر على توثيق تاريخ ما يحدث في غزة كي تعد وثيقة للأجيال المقبلة؟
لا اعتقد أن الفنانين الفلسطينيين قادرين على توثيق صمود شعبنا في غزة.
لماذا ؟
أولا لأن دور الفنان ليس توثيقي بل دور الفنان هو أن يعكس روح العصر، ويوجد اجتهادات متنوعة لعمل هذا ولكن معظمها تسيطر علبها الصورة من المعركة، وبالتالي تظل ضمن التوثيق العادي الأمر الذي ينتقص من أهميتها.
هل نجح الفنان الفلسطيني في نقل معاناة شعبه للعالم ليهدم الرواية الإسرائيلية ويكذبها؟
نعم لأن الفنانين بجميع أنواعهم من السينما والمسرح والموسيقى والأدب كانوا كلها أدوات للتواصل مع شعوب العالم ونقل ما يعانيه شعبنا في غزة من خلال مخاطبة المشاعر والقلوب، والفن أفضل أداه لمخاطبة قلوب العالم ومن دون مخاطبة مشاعر البشر لا يمكن تغيير شيء.
كيف يواجه الفلسطينيون بفنهم مخطط التهجير القسري الذي يسعى الاحتلال لتنفيذه سواء في غزة أو الضفة الغربية؟
أفضل طريقة لمواجهة خطط التهجير هو إبقاء شعلة الأمل بمستقبل أفضل، أعرف أن الموضوع صعبا ولكن برأيي فإن فقدان الأمل بالمستقبل هو ما تريده إسرائيل وتعتبره انتصارها الأكبر، وعندها تحقق كل خططتها، واعتقد هذه أحد أهم أسباب عدم مقدرة الفنان على التعبير عما جرى ويجري في غزة، لأن التعبير عن بشاعة ما جرى أمر محبط، وعلى الأقل بالنسبة لي أجد صعوبة في التعبير عن ما حدث في غزة وشعوري بضرورة التأكيد على إبقاء الأمل في المستقبل.
ما المطلوب من المثقفين حول العالم لنصرة القضية الفلسطينية؟
مطلوب من مثقفي العالم ثلاثة أمور بسيطة وهي التأكيد على إنسانية الإنسان الفلسطيني، والتأكيد على وحشية الاحتلال وما يخطط له، والمطالبة بالتحرر والعدل للشعب الفلسطيني ولكل شعب العالم.
كيف كان شعورك بعد إعلان فوزك بجائزة النيل للمبدعين العرب لعام 2025؟
عندما سمعت بفوزي بجائزة النيل للمبدعين العرب شعرت بفرح عظيم وفخر لأمرين مهمين وهما أن الجائزة من مصر أم الدنيا والثانية أن من سبقوني إليها فنانين أكن لهم كل المحبة والإعجاب والتقدير مثل ضياء العزاوي ويوسف عبدلكي، وأنا بالطبع أشكر اللجنة التي اعتبرتني جدير بهذه الجائزة الهامة.