في نقلة نوعية تعكس تبني الدولة المصرية لمنهجيات علمية حديثة في التعامل مع ملف التوازن البيئي والصحة العامة، أطلق الدكتور علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، المرحلة الميدانية الأولى للحملة القومية لتعقيم وتحصين الكلاب الحرة.
تأتي هذه الخطوة كترجمة فعلية للاستراتيجية الوطنية "مصر خالية من السعار 2030"، والتي تهدف إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لظاهرة الكلاب الضالة بعيداً عن الطرق التقليدية، وبما يتماشى مع المعايير الدولية للرفق بالحيوان.
انطلاقة من قلب التحديات.. لماذا "عين شمس"؟
لم يكن اختيار منطقة عين شمس بمحافظة القاهرة كنقطة انطلاق للحملة عشوائياً، بل جاء استناداً إلى لغة الأرقام وتحليل بيانات شكاوى المواطنين، حيث تعد المنطقة من أكثر النقاط الساخنة التي سجلت كثافة في تواجد الكلاب الحرة وتعددت منها المطالب بالتدخل.
وتهدف الوزارة من خلال هذا التدخل المبكر إلى الحد من المخاطر الصحية المرتبطة بانتشار مرض السعار، وتقليل معدلات التكاثر العشوائي، مما يساهم في خلق بيئة أكثر أماناً لسكان المنطقة، مع الحفاظ على التوازن البيئي الذي تضمنه وجود حيوانات محصنة وغير عدوانية في الشوارع.
من "إدارة الأزمات" إلى "الحلول الجذرية"
أكد علاء فاروق وزير الزراعة، أن هذه الحملة تمثل تحولاً في فكر الدولة، حيث انتقلت من مجرد رد الفعل أو "إدارة الأزمة" إلى مرحلة "الحلول الجذرية" المعتمدة على المنهجية العلمية (TNVR) - والتي تشمل الإمساك بـ الحيوان، تعقيمه، تحصينه، ثم إعادته لبيئته.
وأوضح أن القوة الحقيقية لهذه الحملة تكمن في التكامل المؤسسي، حيث تنفذ تحت إشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وبالتنسيق الوثيق مع الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان (المشهر برقم 1242 لسنة 2025)، وهذا التعاون يجسد الشراكة الحقيقية بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، ويضمن تطبيق أقصى معايير الرعاية والرفق بالحيوان المعمول بها عالمياً.
كأرقام وإنجازات ميدانية
كشفت الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن نتائج مبشرة للمرحلة الميدانية الأولى، والتي أظهرت كفاءة الفرق التابعة للإدارة العامة للرفق بالحيوان والتراخيص، حيث تضمنت النتائج تحصين 293 كلباً حراً ضد مرض السعار في يوم واحد، ونقل 25 كلباً إلى المقرات المخصصة (الشلاتر) التابعة للاتحاد النوعي لإجراء عمليات التعقيم الجراحي، وخطة إعادة الإطلاق بعد إتمام العمليات الجراحية، يتم إعادة الكلاب إلى بيئتها الأصلية، وهو إجراء استراتيجي يمنع دخول كلاب جديدة "غير محصنة" إلى المنطقة، مما يضمن استدامة السيطرة الصحية.
الركن الأصيل في الاستراتيجية
و بالتوازي مع الإجراءات الطبية والميدانية، أطلقت الإدارة العامة للإرشاد البيطري حملة توعية مكثفة استهدفت أهالي منطقة عين شمس.
ركزت الحملة على تصحيح المفاهيم المغلوطة حول كيفية التعامل الآمن مع الكلاب الحرة في الشوارع، والوقاية من الأمراض المشتركة بالتوعية بمخاطر السعار وكيفية التصرف في حالات العقر، وتعزيز ثقافة التعايش بخلق بيئة آمنة تضمن سلامة المواطن دون انتهاك حقوق الحيوان.
نحو تعميم التجربة
وشدد وزير الزراعة على أن ما حدث في عين شمس هو "حجر الزاوية" فقط لمشروع قومي، ومن المقرر تعميم هذه التجربة تباعاً في كافة محافظات الجمهورية وفق جدول زمني محكم، وصولاً إلى الهدف الأسمى وهو إعلان مصر خالية تماماً من مرض السعار بحلول عام 2030.
جدير بالذكر إن هذه التحركات تعكس إدراك الدولة بأن أمن المواطن الصحي هو جزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة، وأن الحلول العلمية هي الطريق الوحيد لإنهاء ملفات ظلت عالقة لسنوات طويلة، لتضع مصر نفسها بقوة على خارطة الدول التي تحترم المعايير البيئية والإنسانية الدولية.