يشهد سوق القهوة العالمي تقلبات واضحة مع بداية عام 2026، في ظل تأثيرات مركّبة من تغيرات المناخ، انخفاض الإنتاج في الدول المنتجة الكبرى، تراجع المخزونات، وتحديات تنظيمية ولوجستية تحاصر سلسلة التوريد من حقل البن إلى فنجان المستهلك، هذا المشهد الجديد يعكس واقعًا صعبًا لصناعة تعتبر أحد أهم السلع الزراعية في العالم، والتي تدر دخلًا لملايين المزارعين وتلعب دورًا مهمًا في اقتصادات عدة دول.
أسعار القهوة في 2025 وتوقعات 2026
شهدت أسعار القهوة العالمية خلال عام 2025 موجة ارتفاع غير مسبوقة، حيث سجلت مستويات تاريخية في بعض العقود، مدفوعة بتوترات في العرض العالمي وظروف مناخية صعبة في مناطق الإنتاج الرئيسية مثل البرازيل وكولومبيا، وهما من أكبر موردي حبوب «أرابيكا» الفاخرة في العالم.
ومع دخول عام 2026، استقرت الأسعار نسبيًا في بعض البورصات، مثل سعر عقد الروبوستا في بورصة لندن الذي بقي عند مستويات ثابتة، وكذلك عقود أرابيكا في بورصة نيويورك لم تترنح كثيرًا خلال أواخر ديسمبر 2025، ما يشير إلى نوع من التوازن بعد التذبذب الحاد، ووفقا لصحيفة انفوباى الأرجنتينية.
غير أن توقعات الأسعار لعام 2026 تظل متباينة؛ ففي الوقت الذي يشير فيه تقرير البنك الدولي إلى احتمال تراجع أسعار السلع الأولية (بما فيها القهوة) بنسبة قد تصل إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا بحلول نهاية 2026، يعكس ذلك تأثير ضعف النمو العالمي على التضخم والطلب.
لكن الخبراء في سوق القهوة يشيرون إلى أن هذا التراجع، حتى لو تحقق، قد لا يكون كافيًا لتعويض سنوات الأسعار المرتفعة السابقة، خاصة إذا ظهرت عوامل ضغط جديدة مثل تقلبات الطقس أو اضطرابات في سلسلة الإمدادات.
تراجع الإنتاج وصعود الضغوط المناخية
ويعتبر أحد أهم العوامل التي أثرت على الأسعار هو التراجع الملحوظ في إنتاج بعض الأصناف الأساسية من القهوة، خاصة أرابيكا، في البرازيل وكولومبيا خلال موسم 2025–2026، ما أضاف ضغطًا كبيرًا على العرض العالمي، ودفع الأسعار للارتفاع بشكل حاد في أواخر 2025، بينما تتوقع الجهات المختصة استمرار الضغوط خلال عام 2026، وفقا لصحيفة الإكونوميستا الإسبانية.
وتأتي هذه التحديات في ظل ظاهرة الجفاف في بعض المناطق، وتقلبات الطقس المتزايدة جراء تغير المناخ، ما يجعل جودة المحصول وكميته غير مستقرة من موسم لآخر. وقد حذرت منظمات بيئية واقتصادية من أن هذه الظواهر قد تعيق الإنتاج وتدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع في حال عدم توافر استراتيجيات للتكيف مع المناخ.
تحديات تنظيمية وتأثيرات الاتحاد الأوروبي
لا تتوقف التحديات عند حدود الإنتاج فقط، بل تمتد إلى الأطر التنظيمية الدولية، فقد أثارت تشريعات مثل قواعد الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات (EUDR) مخاوف بين مزارعي القهوة والمصدرين في دول مثل الهند، التي تعتمد بشكل كبير على صادراتها إلى السوق الأوروبية. هذه القواعد تتطلب الإثبات بأن القهوة المصدرة لا تساهم في إزالة الغابات، ما يزيد العبء الإداري والتكلفة على الموردين، خاصة صغار المزارعين.
هذه التحديات التنظيمية، رغم أنها تهدف إلى حماية البيئة، إلا أنها تضع ضغوطًا إضافية على قطاع يعاني بالفعل من ارتفاع التكاليف التشغيلية ومشاكل التوريد.
سلسلة التوريد واللوجستيات
تعاني سلسلة توريد القهوة عالميًا من مشكلات لوجستية متكررة، تشمل تكاليف النقل المرتفعة، تأخيرات في الموانئ، وتقلبات أسعار الوقود، ما يفاقم من تكلفة وصول الحبوب من مزارعها إلى الأسواق العالمية. وهذه العوامل ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر حدة في ظل عدم الاستقرار في التجارة الدولية وضعف بعض البنى التحتية في الدول المنتجة.
وفي بعض الأسواق المحلية، دفعت ارتفاعات الأسعار المستهلكين إلى البحث عن بدائل أرخص، أو حتى إلى ما يُعرف في بعض المناطق بالقهوة المغشوشة، التي تُباع بأسعار أقل بكثير من البن الحقيقي، ما يثير مخاوف تتعلق بجودة المنتج وسلامة المستهلك.
سلوك المستهلك وتأثير التضخم
على مستوى المستهلكين، أدت التغيرات في الأسعار إلى تحولات في السلوك الشرائي. في بعض الأسواق، وجد المستهلكون أنفسهم يدفعون أكثر مقابل فنجان القهوة اليومي في المقاهي أو عند شراء حبوب البن للتخمير في المنزل، وهو ما انعكس في زيادة أسعار المشروبات داخل المقاهي الكبرى حتى في الأسواق المتقدمة.
ويشهد المستهلكون أيضًا تأثير التضخم على المنتجات الثانوية المرتبطة بالقهوة مثل المشروبات المجهزة، حيث يرى بعض المحللين أن الأسعار قد تستمر مرتفعة خلال السنوات المقبلة حتى لو انخفضت أسعار الحبوب الأساسية.
فرص السوق والتطلعات المستقبلية
رغم التحديات، لا يزال هناك تفاؤل بحصول بعض الفترات الانتعاش، خاصة إذا تحسنت الظروف المناخية وعاد الإنتاج إلى مستويات أعلى، مما يمكن أن يدعم انخفاض الأسعار تدريجيًا في أواخر 2026 وما بعدها. يتوقع بعض الخبراء أيضًا أن يؤدي تعافي الإنتاج إلى تقليل الضغط على الأسواق، لكن هذا لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة سريعًا، إذ تعتمد السوق على مجموعة متشابكة من العوامل التي قد تبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
في المحصلة، تظل القهوة في عام 2026 سلعة استراتيجية تواجه مجموعة من التحديات المعقدة التي تمتد من المناخ إلى التنظيم واللوجستيات، مع تقلبات سعرية تجعل التوقعات المستقبلية دقيقة وصعبة في آن واحد. ومع استمرار الطلب العالمي القوي، يبقى تحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب هدفًا بعيد المدى يحتاج إلى تعاون دولي واستثمارات في الإنتاج والتكيف المناخي.