استيقظ ملايين الفنزويليين على مفاجأة غير سارة؛ وربما لكثيرين من مُعارضى نظام الحكم ومَن لا يُحبّون نيكولاس مادورو قبل مؤيديه. ذلك أنه يصعب الترحيب باجتياز موانع القانون الدولى والنظام متعدد الأطراف القائم على القواعد، وتحييد شبكة الصراعات الداخلية تماما، وصولا للسطو على إرادة بلد بكامله من الباب، ثم الخروج من النافذة برئيسه وزوجته فى الأغلال.
أخطأ الرئيس اللاتينى فى إدارة جولته الأخيرة مع سيد البيت الأبيض، وفوّت كثيرًا من الإشارات الواضحة فى مواعيدها؛ لكن أشد المُمتعضين من إدارته لأكثر من اثنتى عشرة سنة، يجدون أنفسهم اليوم فى موقف تتضارب فيه المشاعر، عندما ترتد فنزويلا فى الزمن لأكثر من قرنين عاشتهما تحت ظل الاستقلال، وتختبر حالة لا تُعرَّف إلا بالغزو الخارجى؛ وإن اختزلت غايتها فى أهداف تكتيكية تخص إطاحة النظام، ولم تُعلن عن رؤية استراتيجية واضحة للمرحلة المقبلة.
عاد ترامب فى ولايته الثانية منذ سنة تقريبا، وقد انشغل قبل الانتخابات وبعدها بملفات عديدة لم تكن فنزويلا فى طليعتها. صوّب على بنما لاستعادة قناتها أو إخراج الشركات الصينية منها، وتحدث عن انتزاع جزيرة جرينلاند من تحت العلم الدنماركى، أو منح كندا النجمة 51 بين ولاياتها القائمة حاليا. وللمفارقة فإن سبعا منها تقريبا كانت مكسيكية إلى ما قبل قرنين من الزمن، واثنتين تحصّلت عليهما بالشراء من روسيا وفرنسا، ويبدو أنها لن تتوقف عن التقاط النجوم بالاقتطاع أو الاستلحاق.
فجأة التفتت الولايات المتحدة إلى الكاريبى، وذخّرت مدافعها وقاذفاتها الثقيلة بدعوى التصدى إلى كارتلات المُخدرات النشطة فى حظيرتها الخلفية. نفذت نحو ثلاثين ضربة منذ سبتمبر الماضى، أسفرت عن تدمير عشرات القوارب ومقتل ما يزيد على 100 شخص.
واستمر تدفّق القطع البحرية حتى صارت تحوز أصولاً حربية غير مسبوقة فى اصطفافها بتلك الكيفية والاستعداد. كانت القرائن كلها تُشير إلى أن الأمور لا يمكن أن تبقى على حالها، وأن ما تُريده واشنطن ستصل إليه مهما تعاظمت التكلفة، وما على ضحاياها المُحتملين إلا أن يُراجعوا أوضاعهم، ويسعوا إلى ترشيد الخسائر قدر الإمكان.
الرسالة الأكثر جلاء تردّدت فى نوفمبر الماضى، بعد مُهاتفة بين الرئيسين لم تُعلَن تفاصيلها؛ لكن ترامب تناول طرف الخيط فيها من بعيد، قائلاً إنه حذّر مادورو من سوء العاقبة، وطالبه بالتخلى عن السلطة مع منحه فرصة الرحيل إلى أية وجهة يُريدها.
تصوّر كثيرون أنه يُطبّق نظريته الشهيرة عن "الضغوط القصوى"، ويستثمر فى ترويض الإدارة الفنزويلية للفوز بترتيبات أمنية واقتصادية يُريدها بغض النظر عن الشريك؛ وأوغل سائق الحافلة السابق فى أوهامه، حتى فوجئ بوجوده على الطائرة مع عناصر وحدة "دلتا".
بحسب التفاصيل المُعلنة حتى الآن، نفذت القوات الأمريكية ضربات جوية مُركزة على العاصمة وضواحيها، امتدت إلى ولاية لا جوايرا شمالا، وركزت على أهداف نوعية، منها الميناء ومطار هيجيروتى وقاعدة لاكارلوتا الجوية ومجمع "فورتى تيونا" العسكرى بما فيه منزل وزير الدفاع.
بدأت العملية فى الساعات الأولى من صباح السبت، وكانت على الأرجح غطاء لتنفيذ عملية الإنزال لمقاتلى القوات الخاصة، لاستخلاص نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس.
ليست السابقة الأولى على كل حال؛ فالذاكرة تحتفظ للولايات المتحدة بعملية شبيهة ضد بنما فى شتاء العام 1989. كان مانويل نورييجا على رأس السلطة صراحة للمرة الأولى بعد اضطراره لإلغاء نتائج الانتخابات، والتخلى عن لُعبة الحُكم من وراء عرائس ماريونت مدنية.
الرجل الذى ظل حليفا للأمريكيين فترة طويلة، ساءت علاقته بهم فجأة، ثم أدهش العالم بإعلان الحرب عليهم، قبل أن يُرسل جورج بوش الأب رجاله لاصطحابه إلى قاعات المحاكم وأقبية السجون فى الجارة الشمالية، فقضى هناك أقل من عقدين بتهمة تجارة المخدرات، ثمّ سُلِّم لفرنسا التى حاكمته وسجنته عن غسيل الأموال، قبل أن يُعاد لبلده ويموت هناك بمضاعفات السرطان قبل تسع سنوات تقريبا.
لم تكن الإمبراطورية الأمريكية جارًّا طيبًّا لإخوتها اللاتين على الإطلاق. تاريخها ملىء بمحاولات إسقاط الأنظمة أو اصطناعها، واللعب فى التوازنات السياسية وإعادة تكييف البيئات على هواها.
المدونة مُتخمة بآلاف الوقائع التى لا يتسع لها مقال أو كتاب، ويكفى انتقاء بعض العلامات الدالة منها: إطاحة حكومة جواتيمالا برئاسة جاكوبو أربينز 1954، دعم معارضة الدومنيكان وتسهيل اغتيال الرئيس ليونيداس تروخيلو 1961، محاولة إزاحة كاسترو فى كوبا واغتياله 1961، الإطاحة بالرئيس البرازيلى جواو جولارت 1964.
وكذلك إسقاط سلفادور الليندى فى تشيلى 1973، وإيزابيل بيرون فى الأرجنتين 1976، ودعم عصابات الكونترا فى الحرب الأهلية بنيكاراجوا بين 1981 و1990، والتدخل العسكرى فى جرينادا 1983، وصولا لإسقاط رئيس هاييتى جان برتران فى 2004، وقبلها محاولة الانقلاب على هوجو تشافيز فى فنزويلا نفسها أيضا.
وما شهدته أمريكا الجنوبية لم يغب عن فضاءات أُخرى، من فيتنام إلى أفغانستان، وفى أفريقيا وآسيا والمنطقة العربية، والأخيرة شهدت تجليًّا لا يقل غلظة عن وقائع الدم والاختطاف فى القارة اللاتينية، عندما انتقلت واشنطن من التفويض الأممى ضد طالبان، إلى الحرب على العراق خارج أية شرعية أو مظلة قانونية دولية، وأطاحت صدام حسين واعتقلته ثم أخضعته لمحاكمة صُوَرية كاريكاتورية انتهت بإعدامه فى صبيحة عيد الأضحى قبل نحو عقدين.
تدفع فنزويلا وغيرها كُلفة الجوار مع قوّة كُبرى مهيمنة. وبينما كانت دولها تخوض نضالاتها بحثا عن الاستقلال، كانت الرئيس الأمريكى الخامس جيمس مونرو يُؤبّد صيغة الوصاية والاستتباع بمبدأه الشهير فى العام 1823، وينص على تحصين نصف الكرة الغربى من أطماع أوروبا، باستثناء المستعمرات القائمة، فى مقابل ألا تتدخل الولايات المتحدة فى القارة العجوز.
لكن عوائده لم تُلبّ طموحات الإمبراطورية الصاعدة؛ فأعاد روزفلت النظر فيه عبر مبدأ بديل فى 1904، ما خلّصه من الطابع الدفاعى وأفسح المجال للتدخلات الهجومية وترسيم الجرائط وجيوسياسة المنطقة بالقوّة الخشنة.
كان من نتاج التعديل أن مدّت واشنطن أذرعها الطويلة إلى حديقتها الخلفية، ونفّذت أعمالا عديدة ومتكررة فى كثير من دولها، حتى بسطت سيطرتها على أربع منها حتى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين.
فى تلك المرحلة ازدهر نشاط الشركات الأمريكية جنوبا؛ لا سيما فى قطاع الزراعة وبساتين الفاكهة، وعُرف من وقتها مصطلح "جمهورية الموز" الذى صكّه الكاتب الأمريكى أوليفر هينرى، للدلالة على تلك الدول السائلة سياسيا وأمنيا، بينما تُحكَم فى الواقع بوصاية أمريكية من البعيد، وإرادة مباشرة للكارتلات الكبرى وأبرزها شركة "يونايتد فروتس"، التى طالما أسقطت حكومات وأقامت غيرها وغسلت فاكهتها بالدم.
احتُلّت فنزويلا من جانب إسبانيا فى العام 1522، وتحصّلت على صورة أوّلية للاستقلال بعد ذلك بأقل من ثلاثة قرون، وتحديدا منذ العام 1811، ما يعنى أنها لم تتأخر عن استقلال الولايات المتحدة نفسها سوى ما يزيد قليلا على ثلاثة عقود، وكانت متماسكة نسبيا بالقياس إلى جارتها الشمالية التى خاضت حربا أهلية طاحنة لعدة سنوات بعد نصف القرن. لا أفضلية ولا وجه للتمايز؛ غير أن إرث الاستعمار الأوروبى الذى اختبره الأمريكيون، لم يُقصّروا فى ممارسته على الآخرين، وظلوا مستمرين عليه بصور أكثر ذكاء ومُداراة؛ قبل أن يمدّ ترامب يده إلى كتاب التاريخ ويفتحه على أسوأ الصفحات.
والقصد ليس أن نيكولاس مادورو سياسى جيد، أو حاكم مثالى؛ بل لا أشكّ مُطلقًا فى أن شرعيته محل أخذ ورد، إنما يظل ذلك مسألة داخلية لا قيمة لحسمها من الخارج، ولن تُضيف الحلول الخشنة للبلد إلا مزيدًا من التردّى والارتباك، وافتقاد التوازن، وعدم القدرة على بناء تجربته الخاصة المُتدرجة. ذلك أن الدول لا تُبنَى من وراء حدودها، ولا يُمكن الرهان على مَن يأتون فوق دبابات الغزاة، والقصص فى ذلك شتّى ولا تحتاج إلى تدليل، هناك بعيدًا وهنا على مرمى حجر فى منطقتنا العربية.
ورغم فوارق القوّة التى لا تخفى على أحد؛ فإن إنجاز عملية التمويه واصطياد الرئيس من بين رجاله بتلك السهولة تنطوى على أسئلة لا حصر لها. وحدة "دلتا" لها سوابق مُزرية مع الفشل فى وقائع عدّة، أبرزها محاولة تحرير رهائن السفارة الأمريكية فى طهران 1980، وعملية مقديشو 1993 لاعتقال الجنرال محمد فرح عيديد. ويُعرف عن المجموعة التى تشكّلت فى العام 1977، أن عددها يُلامس الألف بالكاد، ومهما كانت إمكاناتها البشرية واللوجستية فمن غير المعقول أن تهبط على قصر رئاسى، وتختطف الرئيس الذى لا يعرف أنه مرصود ومطلوب، من بين رجاله وحرسه الجمهورى وقواته المسلحة.
يُحتَمَل أن مادورو سُلِّم من حلقته الضيّقة، بما يعنى أنه كان أقرب إلى ما يُشبه التوقيف لحين تحفظ الأمريكيين عليه، أو أن ضُبِط خلال محاولة الهروب فى مسارات غير مُؤمّنة ومع أقل قدر من الحراسة. وكلاهما يُشير إلى تداعى النظام من داخله، لا من باب الخيانة فحسب، إنما يتّسع الأمر إلى تضارب المصالح والبحث عن موطئ قدم فى المرحلة المقبلة، أو عن خروج آمن لبعض القادة والجنرالات، لا سيما أنها تردّد فى الآونة الأخيرة أن الرئيس يتفاوض على بقية عائلته ومُمتلكاتها، ما يشى بتضحيته بالقادة وبقية الصف الأول من مُعاونيه.
ربما يكون لترامب ثأر خاص مع نظام كاراكاس؛ فقد سبق أن دعم رئيس البرلمان السابق خوان جوايدو فى العام 2019، ورغم الطعن فى الانتخابات التى جرت قبلها بسنة، ظلّ مادورو فى موقعه، ولم تنجح المُعارضة بكل ما لديها من إسناد غربى فى إطاحته. ولم يطرأ ما يُشير إلى استدراك واشنطن على أخطائها؛ لكن الجانب الآخر راكم مزيدًا من الأخطاء، ويبدو أنه تشابك مع ملفات أكثر تعقيدًا بالنسبة لأولويات البيت الأبيض، ولم يَعُد فى وارد الاصطبار عليها أو المُغامرة بمراقبة التداعيات بأريحية وسِعَة بال.
ضربة السبت أول تطبيق عملى لاستراتيجية الأمن القومى الجديدة، لا من جهة التعديل على مبدأ مونرو ونسخته المعدلة مع روزفلت، وتوشيتها بمنطق ترامب عن "السلام من خلال القوة" فحسب؛ إنما فى إطار رؤية لإعادة ضبط الاصطفافات، وتجنيب الكاريبى وما بعده من التقاطع مع ملفات لا تُريدها الولايات المتحدة، ولا تُرتّبها بين الأولويات المُحدّثة، وبما يُعزز سياستها الساعية إلى احتواء الصين، وإبعادها عن موسكو، وتفكيك دائرة الخطر الجانبية بين قائمة تحالفات دول الجنوب.
لدى فنزويلا علاقات وثيقة مع إيران، ويتقاطعان على صعيد أسطول الظلّ وتمرير نفط البلدين بالتحايل على الضغوط والعقوبات. حزب الله نشط فى أمريكا اللاتينية، ولديه سلاسل إمداد وتوريد غير بعيدة عن تجارة المخدرات كأحد مصادر التمويل. مشروع بكين للمنازعة على القطبية وابتكار بديل تنموى تحت مظلة "الحزام والطريق" لا يكتمل إلى بالعبور من هناك، وروسيا لديها مصالح اقتصادية وسياسية؛ لكن الأيديولوجيا تظل أثمن ما لديها هُناك؛ وإن تخلّت هى نفسها عن ادعاء نبوّة اليسار والأفكار الشيوعية.
ولا يُمكن تجنيب الثروات الهيدروكربونية من المُعادلة. تعوم فنزويلا على بحر من الزيت، ولديها أكبر احتياطى مسجل حاليا فى العالم بواقع 300 مليار برميل. ربما لا تحتاجه الولايات المتحدة بشكل مباشر؛ وقد تصدّرت قائمة المُنتجين منذ طفرة النفط الصخرى بالعقد الماضى، لكن إحكام قبضتها على تلك الموارد الضخمة يُتيح لها التحّكم فى الأسواق، والتأثير على إمدادات الخصوم، وضبط الأسعار كيفما تريد صعودًا ونزولا. ولم يُخفِ ترامب هذا المُعطى عندما تحدّث عن تأميم أصول الشركات الأمريكية هناك؛ لكنها خطوة كانت قبل نصف القرن، وليس مقنعا اختزال الموقف من إدارة مادورو فى معاقبته على قرار اتُّخِذ فى صدر طفولته؛ لكنه تفصيل بين جُملة أمور تتقاطع كلها مع شواغل الأمريكيين حول العالم، وتفوق حدود فنزويلا ووزنها الاستراتيجى فى مُحيطها وما يمكن أن تشكله من خطر على جيرانها.
فنزويلا ليست بلدا صغيرا، فبين ما يُقارب المليون كيلو متر مربع، وقرابة 40 مليون مواطن فى الداخل والخارج، ومعدلات عالية من الفقر والتضخم والبطالة، وثروات حبيسة للفساد والمصالح والاستقطاب على عدة محاور: اليسار واليمين، البيض والسكان الأصلييين، الوطنيين وذوى الهوى الغربى، وغير ذلك من تقسيمات وثنائيات مُتضادة، يمكن أن تؤول من حالها السيئة لما هو أسوأ، وأن تكون قاعدة لفوضى وتوتر لا حدّ لهما فى الكاريبى وبقية القارة الجنوبية، خاصة أن الطعنة الأمريكية فاتحة لعبٍ فى الإقليم لا مُنتهاه.
لو كانت مزاعم واشنطن عن تجارة المخدرات وتزعُّم الرئيس المخطوف لكارتل "دى لوس سوليس" صحيحة؛ لكان الأسهل وضعها على طاولة القانون الدولى، واستصدار قرارات نافذة بحق الدولة المارقة ونظامها المُثير للقلاقل؛ لكن ترامب يعتبر الأمم المتحدة نفسها خصمًا له فى تصوره عن قيادة العالم، ولا دليل قاطعا لديه على ما نسبه لمادورو، وترتيبه للملفات يقتضى استخلاص البلد المهم من حزام المناوئين، بالتزامن مع صعود اليمين فى تشيلى وهندوراس، وانتظار انتخابات فى دول أخرى خلال العام الجارى؛ فكأنه يُحَمّر عينيه استباقيا، ويُوجّه بقيّة الحظيرة اللاتينية لاجتناب التصعيد مع الجارة الشمالية، عبر انتهاج أسلم الخيارات ومُجاراتها سياسيا والانحياز إلى الموالين لها والسائرين فى ركاب النزعة الترامبية المحافظة.
يعمل الرجل بالمثل الشعبى المعروف لدينا "اضرب المربوط يخاف السايب"، وبالخلاص من حجز عثرة فى كاراكاس، حتى لو لم يكن مؤثرا؛ فإنها يُلوّح برأس الذئب الطائر للباقين، ويدفع خطته لإعادة هندسة الفضاء اللاتينى على وجه أقرب إلى التبعية، أو أبعد ما يكون عن العداوة، ولعلّ الرسالة وصلت إلى أقرب المعنيين بها، الرئيس الكولومبى جوستافو بيترو؛ فكان أكثر المشتبكين مع عملية الفجر منذ بدايتها، كما لو أنه يُدافع عن نفسه ونظامه، بأكثر مِمّا ينحاز لحليف أو استقلال بلد مجاور.
وما يزال المستقبل غامضا؛ فالولايات المتحدة أكدت انتهاء عمليتها، بما يعنى أنها اكتفت باختطاف الرئيس، لكن المسار غير واضح حتى الآن. هل يُخلّق النظام بديلاً من داخله تقبله واشنطن، أم تضغط لإحلال أحد التابعين المباشرين لها، مثل زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، وقد مهّد لها ترامب طريق الحصول على نوبل عندما تشدّد فى طلب الجائزة، فهربت اللجنة من ضغوطه إلى خيار يُسعده ولا يُثير حفيظته، ولولا أنه يُريدها فعلا؛ لجزمت بأنه كان يُصعّد لغرض وحيد، أن تذهب إلى السيدة التى مثّلت رأس جسر لقطار التغيير الذى انطلق ولا يُعرَف مداه.
وبعيدًا من سوءات مادورو، وكل ما يُمكن الاتفاق فيه بشأن الديكتاتورية والتسلط وتزوير الانتخابات؛ فإن الترحيب بالخلاص منه على طريقة القراصنة لا يُمكن أن يكون موضع ترحيب من أى ساعٍ إلى الديمقراطية والحُكم الرشيد، أو مُدافع عن الدول وسيادتها واستقلال إرادتها. إن كان الرجل شيطانا فقد مُنِحَ خروجا لا يستحقه، على يد غُزاة الخارج وبما يُعزز صورته لدى داعميه ويُربك قطاعات واسعة من المتضررين والرافضين لإدارته، وحُرِم شعبه من حقه الأصيل فى مُساءلته والاقتصاص منه، وغُيِّب القانون ليتسيّد منطق القوّة دون حاجة إلى اتهام وادّعاء ومُحاكمة، وإذا انتفت الشروط والمعايير الضابطة؛ فليس ثمّة ما يمنع من التكرار حسب الهوى.
انتخابات فنزويلا مُزوّرة ولهذا يُزاح الفائز فيها؛ لكن الانتخابات الأمريكية نفسها كانت عُرضة للمطاعن من الرئيس الحالى، وادّعى أن بايدن اختطف منه الرئاسة قبل أربع سنوات؛ فهل كان سيطلب التدخل الخارجى لإنصافه لو وجد القادر على ذلك؟ مادورو يؤذى الولايات المتحدة؛ فلتختصمه بالوسائل القانونية المعروفة، أما عن علاقته بالشعب فيجب أن تُدار من الداخل؛ لأنه ما من تجربة أدارها الخارج، وخصوصا واشنطن، تحت ستار الديمقراطية والمدنية وغيرها من الشعارات، إلا وانتهت نهايات مؤسفة، وأحدثت شقوقا اجتماعية ونفسية لم تبرأ منها البلدان ومكوّناتها بعد، وليس العراق منّا ببعيد.