عادل السنهورى

إنه عالم ترامب الجديد.. هل من مبارز..؟!

الأحد، 04 يناير 2026 05:13 م


هل تفاجأ العالم بعملية "العزم المطلق" الأمريكية داخل الأراضى الفنزويلية وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من على فراش النوم ..؟

ردود الأفعال لم تحمل أية مفاجأة أو اندهاش من الغزو الأمريكى لفنزويلا واعتقال رئيسها، فأوروبا- لا حول لها ولا قوة-  لم تملك الشجاعة والجرأة على إدانة الولايات المتحدة الأمريكية وليس لديها حرية معارضة واشنطن فى انتهاك سيادة الدول وعدم احترام القانون الدولي، فجاءت المواقف وردة الفعل هادئة بين التأييد للعملية الأمريكية ضد مادورو التى لم تعترف به أوروبا وعدد من دول أمريكا اللاتينية مثل شيلى والبرازيل، وبن مطالبات بالهدوء وضبط النفس وترقب ما سوف تسفر عنه الأيام القادمة..!

حتى روسيا والصين الدولتان الصديقتان لفنزويلا وصاحبتا المصالح الاقتصادية والتجارية معها لم يظهر فى مواقفها ملامح الغضب والتهديد والوعيد ولم تبد سوى " القلق" ووصف عملية الاعتقال بأنها " غير مبررة" و" انتهاك للقانون الدولي" على الرغم من أن فنزويلا تعد الحليف الأكبر لموسكو وبكين فى أمريكا اللاتينية والمعادية لواشنطن، واقتصاديا تمتلك الشركات الروسية حصصاً كبيرة فى الاقتصاد الفنزويلى من خلال مشروعات مشتركة فى حقول نفط حزام أورينوكو، بينما تعد الصين أكبر دائن للبلاد.

ليس هناك مفاجأة وإنما يمكن وصف ردود الأفعال بحالة ارتباك أصابت الجميع من توجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الى تنفيذ تهديداته باستدعاء سياسة استعمارية قديمة من عشرينيات القرن التاسع عشر الى العالم المعاصر  وسعيه إلى إعادة تأكيد مبدأ مونرو الذى أصدره الرئيس الأمريكى جيمس مونرو خامس الرؤساء الأمريكان  فى عام 1823، وفيه أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أى تدخل أوروبى فى نصف الكرة الغربي، والذى تطور لاحقاً إلى إيمان بالهيمنة الأمريكية على الأمريكتين.

ترامب فى وثيقة الأمن القومى التى أعلنها فى نهاية نوفمبر الماضى قالها صراحة بل  ذهب إلى أبعد من مبدأ مونرو،  وطالب بكندا لتكون الولاية الحادية والخمسين، وأعاد تسمية خليج المكسيك بـ«خليج أميركا»، وطالب بتسليم جرينلاند إلى الولايات المتحدة.

مبدأ مونرو هو موقف فى السياسة الخارجية الأمريكية يعارض الاستعمار الأوروبى فى نصف الكرة الغربى . وينص على أن أى تدخل فى الشؤون السياسية للأمريكتين من قِبل قوى أجنبية يُعدّ عملاً عدائياً محتملاً ضد الولايات المتحدة. بالتالى أى نظام حاكم فى جمهوريات أمريكا اللاتينية لا ترض عنه واشنطن فهو عرضة لاستخدام القوة العسكرية. فلا مكان للأنظمة اليسارية المعادية لواشنطن ولا مجال للتحالف مع أعدائها.

قبل مونرو تعاملت واشنطن مع بعض دول أمريكا اللاتينية بسياسة " جمهوريات الموز" وتغيير الأنظمة المعادية لها حتى لو كانت ديمقراطية..!

فما حدث مع مادورو فنزويلا، حدث مرتين من قبل.. الأولى مع  الدكتور سلفادور الليندى أول رئيس دولة فى أمريكا اللاتينية صاحب الخلفية الماركسية تم انتخابه بشكل ديمقراطى عام 1970 وحتى 1973 عند مقتله فى الانقلاب العسكرى الذى أطاح بحكمه والذى خططت له ونفذته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه.

فحسب الوثائق التى تم الكشف عنها من قبل وكالة الأمن القومى الأمريكية، أشارت إلى ضلوع المخابرات المركزية الأمريكية فى التخطيط لهذا الانقلاب وتمويله والذى راح ضحيته فى الأيام الأولى من الانقلاب وطوال سنين حكمه الذى استمر ما يقرب من عقدين عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والسجناء.

فى المرة الثانية مع رئيس بنما الجنرال نورييجا الذى شغل منصب رئيس المخابرات العسكرية أثناء حكم الرئيس توريخوس وبعد وفاته عام 81  أصبح نورييجا هو الحاكم الفعلى لبنما  عام 1983. كان عميلا صريحا لوكالة الاستخبارات الأمريكية منذ الخمسينات وكان أحد القنوات الرئيسية للأسلحة غير المشروعة والمعدات العسكرية والأموال المخصصة للقوات المتمردة المدعومة من الولايات المتحدة فى جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. واعتبرته حليفا قويا لها فى حربها على المخدرات.

كل ذلك لم يشفع لنورييجا وتخلت عنه الولايات المتحدة عند اتهامه من قبل هيئات المحلفين الفدرالية الكبرى فى ميامى عام 88 بتهم الابتزاز وتهريب المخدرات وغسيل الأموال. فقد انتهى دوره فى خدمة المصالح الاستراتيجية والأمنية الأمريكية وفقد مشروعية وجوده..!

قامت واشنطن بغزو بنما واعتقال نورييجا ونقله جوا – بذات سيناريو مادورو- إلى الولايات المتحدة، حيث حوكم على لائحة الاتهام فى ميامي. وحكم عليه بالسجن لمدة 40 سنة، وقضى فى نهاية المطاف 17 سنة بعد تخفيض عقوبته بسبب حسن السلوك. لكن عقب الإفراج عنه تم تسليمه إلى فرنسا، حيث حُكم عليه بالسجن سبع سنوات بتهمة غسل الأموال. وفى عام 2011، قامت فرنسا بتسليمه إلى بنما، حيث تم سجنه بسبب الجرائم التى ارتكبت خلال فترة حكمه. وأصيب بالسرطان فى الدماغ عام 2017، وتوفى بعدها بشهرين.

الأمر لن يتوقف عن مادورو وفنزويلا والسياسة الاستعمارية الجديدة القديمة تنهض من تحت أنقاض العالم القديم وتؤسس لمرحلة جديدة من " القوة والغطرسة والتجبر " . مرحلة لا مكان فيها للقانون الدولى أو مؤسساته الدولية وليس أمام العالم إلا الرضوخ لعصر الفتونة الأمريكية الذى أعلن عنه ترامب فى وثيقته.


اقرأوا الوثيقة جيدا واستعدوا لما هو قادم، فالسنوات المقبلة مرحلة إعادة فرز كبرى، دول ستصعد وأخرى ستتآكل، واقتصادات ستُعاد هيكلتها، ونخب سياسية ستختفى لأنها لم تعد قادرة على التعامل مع عالم ترامب الجديد الذى أطاح بكل المسلّمات التى حكمت العقود الأخيرة.


العالم قبل وثيقة ترامب يختلف كليا عن عالم ما بعدها.. انتظروا عالم جديد شعاره " أمريكا أولا" وعلينا أن نستعد لذلك. فلم يعد هناك مجال للدهشة والمفاجأة.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة