منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية، كان واضحا بشكل كبير أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يقود دبلوماسية رئاسية مختلفة تماما، تنطلق من وعى وإدراك كبير لمكانة مصر الرائدة فى كل الدوائر المحيطة بها، سواء فى محيطها العربى أو الأفريقى أو الشرق أوسطى، فضلا عن مكانة القاهرة فى محيط أوسع، يمتد بامتداد العالم كله، وبعلاقات مصر مع دوله.
للاطلاع على العدد الخاص بدبلوماسية الرئيس السيسى اضغط هنا..
وكان واضحا أن الدبلوماسية الرئاسية الجديدة، تعيد ترتيب الملفات والأولويات، لتضع كلا فى سياقه ومساره الصحيح، وتبنى على هذا المسار وتدفع فى اتجاه واحد، هو التأكيد على أن القاهرة حاضرة فى كل ما يخص مصالحها ومصالح أمتها العربية وقارتها الأفريقية، وكما هى حاضرة، فهى أيضا قادرة على أن تعوض ما فاتها وتتبوأ مكانتها اللائقة بدورها التاريخى فى المنطقة والإقليم.
السودان كان ولا يزال حاضرا وبقوة فى صدارة الملفات، ذات الأولوية فى الدبلوماسية الرئاسية على مدار السنوات الماضية، وهو الأمر الذى تجلت ذروته فى البيان الرئاسى بشأن السودان، قبيل أن تطوى 2025 صفحتها الأخيرة، وعقب مباحثات فى القاهرة بين الرئيس السيسى ورئيس مجلس السيادة بالسودان الفريق عبد الفتاح البرهان، وهو البيان الذى أضاف السودان إلى «خطوط مصر الحمراء»، وهى الخطوط التى حددتها مصر فى ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات شعبه، بما فى ذلك عدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان، فضلا عن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ومنع المساس بهذه المؤسسات، كما شددت القاهرة على رفضها القاطع لإنشاء أية كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة البلاد وسلامة أراضيها.
بدأت مصر بيانها الحاسم والقوى ذلك برسالة واضحة مفادها أنها ليست ببعيدة عما يجرى فى جنوب الوادى، وأنها « تتابع بقلق بالغ استمرار حالة التصعيد والتوتر الشديد الحالية فى السودان، وما نجم عن هذه الحالة من مذابح مروعة وانتهاكات سافرة لأبسط قواعد حقوق الإنسان فى حق المدنيين السودانيين، خاصة فى مدينة الفاشر».
وفى رسالة أخرى واضحة، بأن أمن الجارتين الشقيقتين لا يتجزأ ، أكدت القاهرة على حقها الكامل فى اتخاذ كل التدابير والإجراءات اللازمة التى يكفلها القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.
القاهرة لم ترسم خطوطا حمراء وفقط، لكنها أيضا وكعادة دبلوماسيتها الرئاسية، فتحت الباب أمام دعم أى جهود وكل الجهود التى يمكن أن تفضى إلى حل للأزمة السودانية، وأكدت على حرصها الكامل على استمرار العمل فى إطار الرباعية الدولية، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية، تقود إلى وقف لإطلاق النار، يتضمن إنشاء ملاذات وممرات إنسانية آمنة لتوفير الأمن والحماية للمدنيين السودانيين، وذلك بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة السودانية.
كما أكدت مصر مجددا على دعمها الكامل لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام فى السودان، فى إطار رؤية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الرامية لتسوية النزاعات فى مختلف أنحاء العالم.
الرئيس السيسى أكد أيضا خلال مباحثاته مع البرهان دعم مصر الكامل للشعب السودانى فى مساعيه لتجاوز المرحلة الدقيقة الراهنة، مشددا على ثوابت الموقف المصرى الداعم لوحدة السودان وسيادته وأمنه واستقراره، وجدد التأكيد على استعداد مصر لبذل كل جهد ممكن فى هذا السياق.
الجانبان اتفقا أيضا على أهمية تكثيف المساعى الرامية إلى تقديم الدعم والمساندة للشعب السودانى فى ظل الظروف الإنسانية القاسية التى يواجهها جراء النزاع الدائر، مع التشديد على ضرورة وقف الجرائم التى ترتكب بحق الشعب السودانى الشقيق ومحاسبة المسؤولين عنها، فيما أعرب رئيس مجلس السيادة الانتقالى عن تقديره لمساندة مصر المتواصلة للسودان ولمساعيه لإنهاء الأزمة الراهنة، مؤكدا أن ذلك يعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين.
كما تناولت المباحثات أيضا الأوضاع الإقليمية فى منطقة حوض النيل وفى منطقة القرن الأفريقى، حيث تم التأكيد على تطابق رؤى البلدين بشأن الأولويات المرتبطة بالأمن القومى، وحرصهما على مواصلة التنسيق والعمل المشترك لحماية الأمن المائى، ورفض الإجراءات الأحادية فى حوض النيل الأزرق، مع التشديد على ضرورة احترام قواعد القانون الدولى بما يحقق المصالح المشتركة لدول الحوض كافة.
اهتمام منذ اللحظات الأولى
نهاية العام 2025 بهذا الموقف القوى لمصر تجاه الأحداث على ساحة الجار الجنوبى، ليست ببعيدة فى درجة الاهتمام عن بداية الدبلوماسية الرئاسية الجديدة تجاه جنوب الوادى، ففى الولاية الأولى للرئيس السيسى كانت السودان ضمن أول جولة خارجية للرئيس شملت أيضا كلا من غينيا الاستوائية والجزائر، كما كانت الخرطوم أول محطة للطائرة الرئاسية فى الخارج عقب انتخاب السيسى لولاية ثانية.
وعلى مدار السنوات الماضية تعددت زيارات الرئيس السيسى للسودان، لتصبح أكثر زيارات لرئيس مصرى للشقيق الجنوبى على امتداد تاريخ العلاقات بين الدولتين، وفى جميعها - الزيارات - كان يتم التأكيد على عمق العلاقات بين البلدين وعلى بذل كل جهد من أجل توطيد دعائم هذه العلقات فى مختلف المجالات، بما يتلاءم مع عمق العلاقات وتجذرها بين شعب وادى النيل فى شماله وجنوبه.
احتفاء سودانى ودعم مصرى
نظرة واحدة إلى ردود الأفعال على الساحة السودانية فور صدور بيان الخطوط الحمراء وحديث مصر عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، تكشف كيف احتفى واحتفل غالبية السودانيين فى داخل البلاد وخارجها بالموقف المصرى، وكيف تعاملوا معه باعتباره أكبر دعم تتلقاه الخرطوم منذ اندلاع الصراع قبل عامين.
وفى الداخل المصرى أيضا جاءت ردود الفعل متماهية مع البيان الرئاسى ومؤيدة له بكل الوسائل، وذهب خبراء ودبلوماسيون وبينهم السفير صلاح حليمة مساعد وزير الخارجية المصرى الأسبق، إلى التأكيد فى تصريحات إعلامية له على أن الأمن القومى السودانى ونظيره المصرى وجهان لعملة واحدة، وأن العلاقات بين البلدين تحكمها اتفاقية دفاع مشترك، إضافة إلى وجود إطار لأمن منطقة البحر الأحمر من خلال مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، وهو ما يجعل دفاع مصر عن السودان أمرا قانونيا ينظمه القانون الدولى.
بحثا عن سلام السودان
كما حرصت دبلوماسية الرئاسة المصرية على أن تطرح قضية غزة على كافة المحافل الإقليمية والدولية، حيث لم تخل كلمة للرئيس السيسى فى أى مناسبة داخلية أو محفل إقليمى أو دولى، من الحديث عن غزة ومعاناة أهلها، كذلك تواصل الدبلوماسية الرئاسية نفس النهج مع الأزمة السودانية، وتحرص على إثارة قضيته ومعاناة شعبه والمطالبة بجهد عربى ودولى لتحقيق السلام وإنهاء الحرب الأهلية الطاحنة، والتى خلفت ملايين النازحين فى الداخل والخارج، كما خلفت - ولا تزال - آلاف الضحايا من القتلى والمصابين، فضلا عن تدمير البينة التحتية لمدن سودانية كاملة، وما «الفاشر» ببعيدة، حيث ترتكب ميليشيا الدعم السريع مذابح مروعة وجرائم حرب متكاملة الأركان فى مختلف أنحائها.
هناك إدراك سودانى أيضا لمدى الاهتمام الرئاسى المصرى بما يجرى فى البلاد، وهو ما عبر عنه كامل إدريس رئيس الوزراء السودانى، مؤخرا بتوجيهه الشكر للرئيس عبدالفتاح السيسى، على متابعته الدقيقة وإشرافه المستمر على مبادرة السلام منذ مراحلها الأولى لإنهاء النزاع فى البلاد، مثمنا فى مؤتمر صحفى عقده بمطار بورتسودان عقب عودته من نيويورك، لاستعراض نتائج مشاركته فى اجتماعات الأمم المتحدة جهود ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وكذلك رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان.
وكانت مصر استضافت فى يونيو من العام 2024 مؤتمرا لكل القوى السياسية المدنية السودانية، نهاية يونيو 2024، بحضور الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين، وذلك فى إطار حرصها على بذل كل الجهود الممكنة لمساعدة السودان على تجاوز الأزمة التى يمر بها، ومعالجة تداعياتها الخطيرة على الشعب السودانى وأمن واستقرار المنطقة، لا سيما دول جوار السودان.
الخارجية المصرية، لخصت الهدف من المؤتمر فى بيان وقتها قالت فيه إن «الدعوة المصرية تأتى انطلاقا من إيمان راسخ بأن النزاع الراهن فى السودان هو قضية سودانية بالأساس، وأن أى عملية سياسية مستقبلية ينبغى أن تشمل كل الأطراف الوطنية الفاعلة على الساحة السودانية، وفى إطار احترام مبادئ سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، وعدم التدخل فى شؤونه الداخلية، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها».
وأضافت أن مصر تنظم هذا المؤتمر استكمالا لجهودها ومساعيها المستمرة من أجل وقف الحرب الدائرة فى السودان، وفى إطار من التعاون والتكامل مع جهود الشركاء الإقليميين والدوليين، لا سيما دول جوار السودان، وأطراف مباحثات جدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقى، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الإيقاد.
معا فى مواجهة السد الإثيوبى
خاضت القاهرة والخرطوم جولات عدة فى وجه التعنت الإثيوبى بشأن سد النهضة الإثيوبى، وخلال الفترة الأخيرة كان هناك حرص واضح من قيادتى البلدين على التأكيد على وحدة موقفهما تجاه التحذير من خطورة السد عليهما، وهو ما تحدث عنه الرئيس السيسى بوضوح خلال استضافة مصر للمؤتمر الوزارى الثانى لمنتدى الشراكة «روسيا أفريقيا»، بالتشديد على أنه «لا مجال لأى إجراءات أحادية، من شأنها الإضرار بحقوق الدول المتشاطئة فى الأنهار العابرة للحدود، أو تقويض فرص التعاون وتحقيق المنفعة المشتركة».
وقال الرئيس إنه على ضوء الارتباط الوثيق بين مصر ومنطقة القرن الأفريقى، تشدد مصر على أهمية تحقيق واستدامة الاستقرار فى تلك المنطقة، وضمان أمن الملاحة فى البحر الأحمر، باعتبارهما عنصرين أساسيين للأمن الإقليمى والدولى، ومن هذا المنطلق، تعتزم مصر المشاركة فى بعثة الاتحاد الأفريقى الجديدة فى الصومال «أوصوم»، كما تبذل جهودا مضنية فى سبيل توفير التمويل اللازم للبعثة.
كما تحدث الرئيس عن الأمر نفسه خلال حوار تفاعلى أجراه مع المشاركين بالمؤتمر، ففى إشارة إلى ما تقوم به بعض دول القارة للإضرار بالحقوق التاريخية فى مياه الأنهار، قال الرئيس إن «كميات الأمطار والمياه فى أفريقيا تفوق احتياجاتها، شريطة إدارتها واستخدامها بكفاءة»، كما أكد الرئيس أن «استقرار أى دولة أفريقية يجب ألا يكون على حساب مصالح دولة أخرى».
الشاهد أن المتابع لتطورات العلاقات المصرية السودانية يدرك جيدا كيف أجادت الدبلوماسية الرئاسية فى عهد الرئيس السيسى تفعيل كل ما يمكن من جهد من أجل تطوير وتدعيم هذه العلاقات، بما يصب فى صالح وادى النيل على امتداد شماله وجنوبه، انطلاقا من إدراك بمصيرية علاقات البلدين وأن أمنهما واستقرارهما كل لا يتجزأ.
