الكنيسة والفن فى عصر النهضة.. كيف مولت الكنيسة الفن ثم اختلفت معه؟

السبت، 03 يناير 2026 10:00 م
الكنيسة والفن فى عصر النهضة.. كيف مولت الكنيسة الفن ثم اختلفت معه؟ سقف كنيسة سيستين عمل فنى لـ مايكل أنجلو

أحمد إبراهيم الشريف

شكلت الكنيسة الكاثوليكية أحد أهم رعاة الفن في عصر النهضة الأوروبية، وأسهمت بشكل مباشر في ازدهار الرسم والنحت والعمارة بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قبل أن تدخل في صدام حاد مع بعض مخرجات هذا الفن، في مفارقة تاريخية ما زالت موضع نقاش بين المؤرخين حتى اليوم.

فخلال ذروة عصر النهضة، لعبت الكنيسة، ممثلة في البابوية والأساقفة والأديرة، دور الممول الأكبر للفنانين، إيمانًا منها بأن الفن وسيلة فعالة لترسيخ العقيدة، وتعليم العامة، وتعظيم صورة الإيمان المسيحي، وقد رعت الكنيسة أعمال فنانين كبار مثل ليوناردو دا فينشي، ومايكل أنجلو، ورافائيل، وأسندت إليهم تنفيذ أهم المشروعات الفنية داخل الكنائس والقصور البابوية.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الدعم، تكليف البابا يوليوس الثاني لمايكل أنجلو بتنفيذ سقف كنيسة سيستين، أحد أعظم الأعمال الفنية في التاريخ، وكذلك رعاية الفاتيكان لأعمال رافائيل داخل القصور الرسولية، فيما ارتبط اسم ليوناردو بلوحات دينية شهيرة مثل "العشاء الأخير"، المنفذة لصالح رهبنة دومينيكية في ميلانو.

غير أن هذا التحالف بين الكنيسة والفن لم يخل من توتر، فمع تطور النهضة، بدأ الفنانون في تقديم تصورات جديدة للجسد الإنساني، والجمال، والعلاقة بين الإنسان والإله، مستلهمين التراث الإغريقي والروماني. هذا التحول، الذي منح الإنسان مركزية غير مسبوقة، أثار قلق المؤسسة الكنسية، خاصة مع تصاعد النزعة الإنسانية (Humanism) التي بدت، في نظر بعض رجال الدين، تهديدًا للسلطة الروحية التقليدية.

بلغ هذا القلق ذروته في النصف الثاني من القرن السادس عشر، مع اندلاع الإصلاح الديني البروتستانتي، وما تبعه من رد فعل كاثوليكي عُرف بـحركة الإصلاح المضاد، وفي هذا السياق، شددت الكنيسة رقابتها على الفنون، وفرضت معايير صارمة لما يجوز عرضه داخل الفضاء الديني، فتمت محاكمة بعض الأعمال، واعتبار أخرى “غير لائقة” أو “مخالفة للأخلاق”.

ومن أشهر الوقائع، الجدل الذي أثير حول لوحات ومنحوتات جسدت الجسد العاري داخل الكنائس، ما أدى إلى تغطية أو تعديل أجزاء من أعمال مايكل أنجلو بعد وفاته، في خطوة عرفت تاريخيًا باسم "حملة التستر"، والتي هدفت إلى إعادة ضبط الفن وفق المعايير الأخلاقية الجديدة التي أقرتها الكنيسة.

ويرى مؤرخو الفن أن الكنيسة لم تحارب الفن بوصفه فنًا، بقدر ما حاربت تحوله عن وظيفته التعليمية والدعوية، وسعيه إلى التعبير الحر عن الإنسان والعالم، وهكذا، وجدت المؤسسة التي مولت النهضة نفسها في مواجهة النتائج الفكرية والجمالية التي أطلقها هذا التمويل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة