في الوقت الذي أرست فيه الأديان والقوانين الحديثة منظومات واضحة للعدل والإنصاف، لا يزال بعض الناس يلوذون ببقايا ممارسات جاهلية، في مقدمتها ما يُعرف بـ«البَشِعَة»، تلك الوسيلة التي تُقدَّم زيفًا باعتبارها أداة لكشف الحقيقة، بينما هي في حقيقتها صورة صارخة من صور الدجل والكهانة، وانتهاك فجّ لكرامة الإنسان، وعدوان مباشر على العدالة.
لم يعرف الإسلام العدالة باعتبارها انتقامًا أو إذلالًا، بل جعلها منظومة متكاملة تقوم على البينة، وتحفظ الحقوق، وتصون النفس البشرية من التعذيب والامتهان. ومن هذا المنطلق، فإن «البشعة» ليست فقط ممارسة خاطئة اجتماعيًا، بل جريمة شرعية وإنسانية مكتملة الأركان؛ لأنها تقوم على الإكراه، وتعتمد على تعذيب الإنسان بالنار، وهو ما نهى عنه النبي ﷺ صراحة بقوله: «إنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بها إلَّا اللَّهُ».
وتزداد خطورة هذه الممارسة حين يُنظر إليها باعتبارها وسيلة للفصل في النزاعات، فهي بذلك تنتزع حق التقاضي من المؤسسات المختصة، وتضع مصائر الناس في أيدي أفراد يدّعون امتلاك القدرة على كشف الغيب، في مشهد لا يختلف كثيرًا عمّا كان عليه أهل الجاهلية حين استقسموا بالأزلام، وهو ما وصفه القرآن الكريم بأنه «فسق».
ولا يقف ضرر «البشعة» عند حدود الألم الجسدي، بل يمتد إلى تدمير الإنسان نفسيًا واجتماعيًا، حيث تلاحق الوصمة من خضع لها طوال حياته، حتى إن ثبتت براءته لاحقًا، فضلًا عن حالة الرعب والترهيب التي تسبق الممارسة وتليها، بما يُفقد المجتمع إحساسه بالأمان، ويشيع مناخًا من الخوف بدلًا من الثقة في القانون.
لقد أغلق الإسلام أبواب الخرافة في إثبات الحقوق، ووضع قاعدة ذهبية لا تقبل الالتواء: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، وهي قاعدة لا تحمي الأفراد فحسب، بل تحمي المجتمع كله من الفوضى والادعاءات الباطلة وسفك الحقوق بغير وجه حق.
ومن هنا، فإن مواجهة «البشعة» لا تكون فقط بتحريمها شرعًا، وإنما أيضًا برفضها مجتمعيًا، وتجريمها قانونيًا، ووقف أي ترويج لها تحت أي مسمى، سواء عبر المقاطع المصورة أو الأخبار التي تُعيد إحياء هذه العادة الجاهلية، لما تمثله من تشويه للوعي العام، وهبوط بالذوق، وإذكاء للنزاعات القبلية والاجتماعية.
إن العدالة لا تُقام بالنار، ولا تُستخرج الحقيقة بالتعذيب، ولا تُصان الكرامة بالخرافة. والواجب اليوم أن ننتصر لمنظومة العدل التي جاء بها الإسلام، وترسخت في القوانين الحديثة، وأن نغلق الباب نهائيًا أمام كل ما يُعيد المجتمع خطوات إلى الوراء.