وأما الرب فأعد حوتا عظيما ليبتلع يونان.. المسيحيون الأرثوذكس يبدأون صوم نينوى ثلاثة أيام قبل الصوم الكبير 2 فبراير.. صيام قصير بمعان روحية عميقة.. ويخلد صراع الذات مع مشيئة الله.. والتوبة الجماعية سر التسمية

الخميس، 29 يناير 2026 07:00 ص
وأما الرب فأعد حوتا عظيما ليبتلع يونان.. المسيحيون الأرثوذكس يبدأون صوم نينوى ثلاثة أيام قبل الصوم الكبير 2 فبراير.. صيام قصير بمعان روحية عميقة.. ويخلد صراع الذات مع مشيئة الله.. والتوبة الجماعية سر التسمية كنيسة

كتب: محمد الأحمدى

مع شروق شمس يوم 2 فبراير، يبدأ المسيحيون الأرثوذكس صومًا انقطاعيًا مميزًا يستمر ثلاثة أيام، يُعرف باسم صوم يونان أو صوم نينوى، في تقليد روحي ضارب بجذوره في التاريخ الكنسي، يستحضر قصة النبي يونس ونجاته من بطن الحوت بعد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، في مشهد كتابي تحوّل إلى رمزٍ حيّ للتوبة والقيامة والرجوع إلى الله.


هذا الصوم، الذي يسبق الصوم الكبير بخمسة عشر يومًا، يُعد من أصوام الدرجة الأولى في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث يمتنع الصائمون عن الطعام لفترات طويلة يوميًا، مع الامتناع التام عن تناول الأسماك والمأكولات الحيوانية، في ممارسة نسكية تشبه إلى حد بعيد نظام الصوم الأربعيني، من حيث الجدية الروحية والانضباط الجسدي.

 

صوم نينوى.. لماذا هذا الاسم؟

يطلق على هذا الصوم اسم «صوم نينوى» نسبة إلى المدينة التي أُرسل إليها النبى يونس لينادي بهلاكها، فتاب أهلها ورجعوا إلى الله، فرفع عنهم العقاب. ومن هنا ارتبط الصوم بفكرة التوبة الجماعية والرجوع الصادق، لا مجرد الامتناع عن الطعام.

 

كيف دخل صوم نينوى إلى الكنيسة القبطية؟

يرجع دخول هذا الصوم إلى الكنيسة القبطية إلى القرن العاشر الميلادي، في عهد البابا إبرام بن زرعة السرياني (976–979م)، البطريرك الثاني والستين، في خطوة هدفت إلى توحيد الممارسة الروحية مع الكنيسة السريانية، تأكيدًا لوحدة الإيمان والمحبة بين الكنيستين.


ومنذ ذلك الحين، أصبح صوم نينوى محطة روحية سنوية ثابتة، تسبق الصوم الكبير، كإنذار مبكر للنفس بضرورة التوبة وضبط الشهوات قبل الدخول في رحلة الصوم الأربعيني.

 

قصة يونس.. صراع الذات مع مشيئة الله

يروي سفر يونان: «وأما الرب فأعد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان، فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال». وهي القصة التي تأمل فيها البابا شنودة الثالث كثيرًا، معتبرًا أن جوهرها ليس الهروب الجغرافي، بل صراع الإنسان الداخلي بين ذاته ومشيئة الله.
فقد كُلّف يونان بالذهاب إلى نينوى لينادي بهلاكها، لكنه خشي أن يتوب أهلها فيتراءف الله عليهم، فتسقط كلمته. هنا فضّل الهروب إلى ترشيش على الطاعة، في مشهد إنساني يعكس ضعف الطبيعة البشرية حين تتصارع الكرامة الذاتية مع الرحمة الإلهية.

 

من السفينة إلى الحوت.. خلوة إجبارية للتوبة

هيّج الله البحر، وأُلقيت القرعة فوقعت على يونان، واعترف بخوفه من الله، لكنه فضّل أن يُلقى في البحر على أن يعترف بخطئه صراحة. وفي بطن الحوت، عاش يونان خلوة روحية إجبارية استمرت ثلاثة أيام، تحولت إلى لحظة مراجعة داخلية عميقة، قبل أن يُطرح على شاطئ نينوى ليُتمم الرسالة.


هذه الخلوة، كما يشرح آباء الكنيسة، لم تكن عقوبة بقدر ما كانت فرصة للتوبة والتأمل وإعادة ترتيب الداخل.

 

يونان في فكر البابا شنودة الثالث

توقف البابا شنودة الثالث طويلًا أمام شخصية يونان، واعتبرها نموذجًا للإنسان الذي يناقش أوامر الله، ويخضعها لمقاييس ذاته، فيتعب داخليًا.

وقال إن يونان لم يكن عاصيًا بالمعنى التقليدي، بل كان إنسانًا يخشى على كرامته الشخصية، فدخل في صراع مع الرحمة الإلهية.

ومن هنا، تحولت قصة يونان إلى درس روحي عميق في الاتضاع وقبول مشيئة الله حتى إن خالفت تصورات الإنسان.

 

رمزية الصوم.. من يونان إلى القيامة

تنظر الكنيسة إلى وجود يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام كرمز مباشر لوجود السيد المسيح في القبر قبل القيامة. لذلك يُطلق على نهاية الصوم اسم «فصح يونان»، في اصطلاح كنسي لا يُستخدم إلا أيضًا مع عيد القيامة، وكلمة «فصح» تعني العبور.

فالعبور هنا ليس جغرافيًا، بل عبور من حالة الضعف إلى القوة، ومن الخطية إلى التوبة، ومن الموت الروحي إلى القيامة.

 

نظام الصوم.. انقطاع ونسك صارم

يصوم الأقباط هذه الأيام الثلاثة انقطاعيًا حتى ساعات متأخرة من اليوم، دون أسماك أو أطعمة حيوانية، في نسك صارم يهدف إلى تهذيب الجسد وإيقاظ الروح، ويُعامل هذا الصوم بنفس روح أصوام الدرجة الأولى مثل الصوم الكبير وأسبوع الآلام.

 

تنبيه مبكر للنفس قبل الأربعين المقدسة

يأتي صوم يونان بعد عيد الغطاس مباشرة وقبل الصوم الكبير، وكأنه جرس إنذار روحي يدعو النفس للاستيقاظ، والتوبة، وضبط الرغبات، قبل الدخول في رحلة الأربعين يومًا المقدسة.


فالكنيسة تضع هذا الصوم القصير في هذا التوقيت تحديدًا ليكون بمثابة تدريب روحي سريع ومكثف.

صوم جماعي بروح توبة واحدة

من أبرز ملامح صوم نينوى أنه صوم جماعي عاشته مدينة كاملة في الكتاب المقدس، وتعيشه الكنيسة اليوم بروح جماعية واحدة، حيث تتكثف الصلوات والقداسات والقراءات الخاصة بسفر يونان خلال هذه الأيام الثلاثة.

 

فصح يونان.. فرح بعد التوبة

عقب انتهاء الأيام الثلاثة، تحتفل الكنيسة بما يُعرف بـ«فصح يونان»، في دلالة لاهوتية على الفرح الذي يلي التوبة الصادقة، تمامًا كما خرج يونان من بطن الحوت إلى الحياة من جديد.

 

صوم قصير.. وتأثير طويل في النفس

رغم قصر مدته، إلا أن صوم يونان يُعد من أكثر الأصوام تأثيرًا في الحياة الروحية للأقباط، لما يحمله من معانٍ مركزة حول التوبة، والطاعة، ومراجعة النفس، والاستعداد لرحلة الصوم الكبير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة