فى أقصى الجنوب وعلى ضفاف النيل، تقع قرية الكوبانية بمحافظة أسوان، ولا يمر شهر يناير من كل عام حتى تكون القرية على موعد مع حدث ينتظره الأهالى والفرسان من مختلف القرى والقبائل، يُعرف باسم "مرماح الخيول"، والذى يُعد واحدًا من أقدم وأهم الموروثات الشعبية التى ما زالت حية فى جنوب مصر.
"اليوم السابع" اتجه إلى قرية الكوبانية شرق النيل بمركز أسوان، لتغطية أجواء المهرجان الذى تمتزج فيه الأصالة والتراث والطبيعة بسباقات الخيول وتحدى الفرسان، وتتحول القرية إلى ساحة احتفال كبرى تعكس روح الانتماء والتآخى بين أبناء القبائل العربية.
المرماح.. أكثر من سباق خيول
مرماح الكوبانية ليس مجرد سباق خيول، لكن طقس تراثى متكامل، له قواعده وأعرافه، تبدأ منذ الاستعداد المبكر، مرورًا بليالى الذكر والفنون الشعبية، وصولًا إلى يوم السباق الذى يشهد منافسات قوية بين الفرسان، وسط حضور جماهيرى كبير من أهالى أسوان ومحافظات أخرى.
ويؤكد الأهالى أن المرماح يمثل رمزًا للشهامة والفروسية، ويُعد مناسبة سنوية لتجديد الروابط الاجتماعية بين القبائل، وتأكيد احترام التقاليد الموروثة جيلاً بعد جيل.
فرسان من مختلف القرى
ويشارك فى مرماح الكوبانية فرسان من قرى ومراكز متعددة داخل محافظة أسوان وخارجها، حيث تحضر الخيول العربية الأصيلة، ويحرص كل فارس على تجهيز حصانه بعناية فائقة، سواء من حيث التدريب أو الزينة، فى مشهد يعكس اعتزاز المشاركين بتاريخ الفروسية.
وقال عبد الله بدوى عبد العال، أحد الفرسان المشاركين من قرية بنبان بحرى، إن مشاركته فى المرماح تمثل له فخرًا كبيرًا، موضحًا أن اسم الحصان الذى شارك به فى السباق هو "لا تحكى"، والذى استطاع الفوز على حصان آخر من مركز إدفو يُطلق عليه "المدد".
وأضاف، أن هذا الفوز أسفر عن حصوله على شهادة تقدير وتكريم من لجنة المسابقة، التى حرصت على تنظيم السباق بشكل متميز، يليق بقيمة المرماح وتاريخه الطويل فى أسوان، مؤكدًا أن المنافسة كانت قوية وشريفة، وعكست روح الاحترام المتبادل بين الفرسان.
إعداد الحصان للسباق
وتابع أحمد أبو الصيص، أحد الفرسان المشاركين، أنه كان يخوض سباقات الخيول قديماً والآن هو سلم الراية لابنه "حسن" والذى خاض سباقات الكوبانية واستطاع أن يفوز بحصانه، لافتاً إلى أن الحصان يتم إعداده للسباق قبلها بشهر كامل ويتم منعه من "الأخضر" ويتم تمرين الحصان على المشى ساعتين على الأقل يومياً، وهذه بعض التمارين والرعاية بالحصان حتى يستعد للجرى فى السباق.
موعد ثابت وتغييرات فرضتها المناسبات
من جانبه، قال عبد الله عليش، من أهالى الكوبانية، إن مرماح الخيول يُعد من الليالى التراثية المميزة فى محافظة أسوان، وكان يُقام فى السابق خلال منتصف شهر يناير من كل عام، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة تم ترحيله إلى نهاية الشهر ذاته، موضحاً أن سبب هذا التغيير يرجع إلى ارتباط محافظة أسوان فى منتصف يناير باحتفالات العيد القومى، ما استدعى تعديل موعد المرماح حتى لا يتعارض مع الفعاليات الرسمية، مع الحفاظ على نفس الطقوس والعادات المرتبطة بالاحتفال.
المضايف مفتوحة والضيافة عنوان الليلة
ولا يكتمل المرماح دون مشاهد الكرم العربى الأصيل، حيث قال عبد الحميد أبو زيد، من أهالى الكوبانية، إن الاستعداد لهذه الليلة يبدأ قبلها بفترة طويلة، وتفتح المضايف أبوابها لاستقبال الضيوف القادمين من داخل أسوان ومن شتى المحافظات، مضيفاً أن الأهالى يقدمون للضيوف الوجبات والمشروبات وكافة أشكال الضيافة، معتبرًا المرماح فرصة حقيقية للتلاقى والتآخى وتبادل الود بين أبناء القبائل، بعيدًا عن أى اعتبارات أخرى، مؤكدًا أن هذه الليالى تُرسخ لقيم الأصالة والترابط الاجتماعى.
ليلة الذكر والعصا تسبق السباق
وأشار خليفة محمد متولى، من أهالى الكوبانية، إلى أن المرماح يسبقه عادة ليلة احتفالية كبرى، يُحييها الأهالى والمشاركون الوافدون، وتشهد جلسات ذكر، ولعب العصا، وتبادل الفنون الشعبية التى تشتهر بها قرى أسوان، موضحاً أن هذه الليلة تشهد حضورًا كثيفًا من الأطفال، الذين يقبلون على شراء الحلوى من الباعة المنتشرين فى القرية، خلال يومى الاحتفال، ما يجعل المشهد أشبه بمهرجان سنوى متكامل، تتزين فيه الشوارع، وتعلو فيه الأصوات بالأغانى الشعبية.
مهرجان يتنقل بين القرى
وأكد متولى، أن مرماح الخيول لا يقتصر على قرية الكوبانية فقط، لكن يُقام فى قرى أخرى بمحافظة أسوان، حيث تنظم كل قرية احتفالها فى موعد يتناسب مع باقى القرى، بما يسمح بمشاركة أكبر عدد من الفرسان والجمهور، مضيفاً أن هذا التنسيق غير الرسمى بين القرى يعكس حرص الجميع على استمرار هذا التراث، وتبادل الزيارات، بما يعزز من مكانة المرماح كحدث ثقافى واجتماعى جامع.
تراث يُقاوم الاندثار
ويرى مشاركون، أن مرماح الكوبانية يمثل نموذجًا حيًا للتراث الشعبى الذى قاوم الاندثار رغم تغير أنماط الحياة، مؤكدين أن استمرار هذه الفعاليات يعتمد بالأساس على تمسك الأهالى بها، وحرصهم على نقلها إلى الأجيال الجديدة، سواء من خلال المشاركة أو المشاهدة، كما يُسهم المرماح فى تنشيط الحركة داخل القرية، ويُعطى صورة إيجابية عن الريف الأسوانى، القادر على الحفاظ على هويته الثقافية، فى ظل عالم سريع التغير.
بين الأصالة والحاضر
ورغم بساطة الإمكانيات، إلا أن مرماح الخيول بالكوبانية يظل حدثًا استثنائيًا، يجمع بين الأصالة والحاضر، ويُعيد للأذهان صور الفرسان القدامى، الذين كانوا يعتبرون الخيل رمزًا للشرف والقوة، ويحرص كبار السن على متابعة السباقات، بينما يتعلم الصغار معانى الفروسية والانتماء، فى مشهد يعكس تواصل الأجيال داخل القرية.
ويُشار إلى أن مرماح الخيول فى قرية الكوبانية يُعد أحد أبرز الفعاليات التراثية بمحافظة أسوان، ويستمر تنظيمه سنويًا بجهود الأهالى، ليظل شاهدًا على عمق الموروث الثقافى والإنسانى فى جنوب مصر.
.jpg)
مرماح الخيول بالكوبانية
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
مرماح الخيول بالكوبانية
.jpg)
مرماح الخيول بالكوبانية
.jpg)
مرماح الخيول بالكوبانية (9)