- الكيس الصغير 60 مللى بـ95 دولارا.. الفصائل النادرة بـ500 دولار.. ويمكن سحب 450 مللى دم من الحيوان كل 6-8 أسابيع
- جمعيات حقوق الحيوان تُدخل الدولة فى حلقة مفرغة وتحرص على عدم حل أزمة الكلاب الضالة حفاظا على البيزنس.. واستمرار المشكلة يضمن تدفق الدم لتنفيذ عقود التصدير
كشف الدكتور مصطفى الجعفرى، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة، الباحث بجامعة إلينوى الأمريكية، خبايا ما وصفه بـ«البيزنس الأسود» من دماء الكلاب الضالة وتصديرها من مصر إلى أمريكا مقابل الدولارات.
قال «الجعفرى» فى حوار خاص لـ«اليوم السابع»: إن كيس الدم الواحد من الفصائل النادرة يصل سعره لـ500 دولار، مؤكدا أن بعض جمعيات حقوق الحيوان تتربح من هذا النشاط، وكثيرا ما كانت منذ سنوات عقبة أمام الدولة لحل أزمة الكلاب الضالة.
وأضاف: الكلب البلدى المصرى يمثل كنزا متحركا ومنجما للأجسام المضادة ومطلوبا عالميا، محذرا من ازدواجية المعايير بين العمل الحقوقى والتجارة بدماء الكلاب الضالة.. وإلى نص الحوار:
فى البداية.. ما المقصود بتصدير دماء الكلاب؟ ومتى بدأ هذا النشاط؟
الموضوع يشبه ما يحدث مع البنى آدمين بالظبط، فالبشر يحتاجون لنقل الدم فى أوقات معينة نتيجة حادثة، أو نزيف، أو فقدان كميات من الدم، وفى بعض الأمراض نحتاج لنقل دم كامل، مثل حالات النزيف أثناء العمليات الجراحية، أو الحوادث، أو عند حدوث انفجار فى الطحال، وكذلك فى حالات مشاكل سيولة الدم، وعلاج بعض الأمراض الفيروسية، بالإضافة إلى استخدامها فى البحوث العلمية، فالحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط تختلف عن بقية الحيوانات فى أنها تعيش مدى حياتها مع أصحابها، وليست كالبقر والأغنام التى تذبح فى عمر معين، قبل أن تصل لأعمار متقدمة، وهذا يجعل الكلاب والقطط عرضة لأمراض كثيرة، وطبعا أصحابها مرتبطون بها جدا ومستعدون لدفع الغالى والثمين لإنقاذ حياتها، لأن الكلب بالنسبة لهم فرد من العائلة.
ولأن كل بلد يحتوى على بنوك دم، ومصر لديها بنك دم، وهناك بنوك دم فى الدول الأجنبية، فإن أى صاحب عيادة أو مستشفى بيطرى يحتاج إلى دم لحالات الطوارئ لديه يقوم بطلبه وشرائه من بنك الدم، وهذا أمر طبيعى.
ما يحدث فى مصر هو أن هناك أشخاصا من جمعيات حقوق الحيوان تعاقدوا مع بنك الدم الأمريكى، وبدأوا فى تصدير الدم، وهذا النشاط ليس وليد اليوم، بل هو قائم ومستمر منذ حوالى 4 سنوات.
هل توجد فصائل دم مختلفة لدى الكلاب؟
نعم.. تماما مثل البشر، الكلاب لديها 8 فصائل دم أكثر شيوعا تمثل 80-90% من الكلاب، والإجمالى 22 فصيلة، وهناك فصيلة تسمى اليونيفرسال دونر «Universal Donor»، وهى توازى فصيلة O السالبة لدى البشر، واختصارها «DEA 1.1 negative»، وهذه الفصيلة يمكن نقلها لجميع الكلاب دون حدوث أى تفاعلات أو رفض لخلايا الدم.
هل فصيلة دم الكلاب الضالة فى مصر نادرة مما جعلها محل اهتمام فى موضوع التصدير؟
القضية ليست متعلقة بفصيلة نادرة حصرا، بل بوجود بنوك دم فى مختلف الدول، بما فيها مصر، وبالفعل هناك تعاقدات مع بنوك الدم الأمريكية لتصدير الدم والبلازما، من جانب عدد من جمعيات حقوق الحيوان، والهيئة العامة للخدمات البيطرية طرف فى هذه التعاقدات، حيث يستخدم الدم لتصنيع أمصال، ويتم فصل البلازما واستخلاص الأجسام المضادة.
أما أهمية الكلب الضال فى مصر، فهو يرجع إلى أن الكلاب البلدية المصرية معرضة للكثير من الأمراض المتوطنة فى مصر، مثل «البارفو»، ما يجعل دماءها مصدرا غنيا للأجسام المضادة التى تستخدم فى تصنيع أمصال لعلاج البارفو فى الولايات المتحدة الأمريكية.
ما هى الأسعار المتداولة للتصدير؟ وما آليات التسعير؟
«فصيلة الدم هى العامل الأساسى الذى يحدد السعر، والأسعار تختلف تماما من فصيلة إلى أخرى، وبالتأكيد فصيلة «اليونيفرسال دونر» هى الأغلى فى السعر، وأى فصيلة ثانية تكون قيمتها أقل نسبيا.
على سبيل المثال، هناك فصيلة تسمى «DEA 1.1 positive» يصل سعر الـ60 مللى منها إلى حوالى 86 دولارا، فى حين أن الفصيلة النيجاتيف «DEA 1.1 negative» وهى فصيلة «اليونيفرسال»، كان كيس الدم الصغير منها «سعة 60 مللى» يباع فى أمريكا بـ95 دولارا، بل إن أسعار هذه الدماء تصل فعليا فى بعض الأحيان إلى 500 دولار.
وبناء على هذه المعطيات، فإن الجهة التى تقوم بتصدير الدم تكون حريصة جدا على اختيار وفحص الكلاب، التى تحمل فصيلة دم «اليونيفرسال دونر» تحديدا، لأنها تمثل الفصيلة الأغلى سعرا والأكثر طلبا والأكثر ربحية فى هذا البيزنس.
ما حجم الدم الذى يمكن سحبه من الكلب الواحد فى المرة الواحدة؟
حجم الدم الذى يمكن سحبه يختلف حسب وزن الكلب، ولكن إذا تحدثنا عن المتوسط، فالكلب المصرى الضال يزن فى المتوسط 25 كيلوجراما، ويمكن أن يسحب منه فى المرة الواحدة كمية تصل إلى 450 مللى، أما عن الفاصل الزمنى بين السحبة والأخرى، فعلميا لا يقل عن 6 أسابيع، بشرط التغذية وتعويض الحيوانات بالمعادن والحديد والفيتامينات، وهذا الجدول الزمنى معيار عالمى إذا أردنا الحفاظ على حياة الكلب، خاصة أنه فى هذا النشاط يعامل كـ«ثروة»، لأن دمه يباع بآلاف الدولارات سنويا.
بالنسبة للعمر، فمتوسط عمر الكلب البلدى فى الشارع يتراوح من 5 إلى 7 سنين نتيجة الظروف، ولكن فى حال توفرت له الرعاية الجيدة والتغذية السليمة، فالكلاب يمكن أن تصل أعمارها إلى 10 و11 سنة وأكثر، ولكن هذا لا يعنى أن يستغلوا فى التبرع بالدم طوال حياتهم، ولكن فعليا العمر الإنتاجى لهذه الحيوانات لا يجب أن يزيد عن 4 سنوات من عمر النضج بحد أقصى.
هل هذا النشاط معترف به قانونيا فى مصر والعالم؟
نعم، هذا النشاط معترف به قانونيا ولا توجد به أى مشكلة من الناحية القانونية على مستوى العالم، فهو فى النهاية يصنف كـ«بيزنس» وتجارة مشروعة.
وبالنسبة للوضع هنا فى مصر، فالموضوع معترف به أيضا، وقد حدث الأمر بشكل رسمى، والقائمون عليه حصلوا على تصاريح من وزارة الزراعة، وتحديدا من الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وذلك فى مقابل سداد رسوم تبلغ «واحد فى الألف» من قيمة العقد أو قيمة هذه المنتجات، وذلك وفقا لما صدر على لسان مدير الحجر البيطرى والبحوث بوزارة الزراعة، والهيئة تحصل على هذه الرسوم فى مقابل القيام بكل الفحوصات اللازمة للتأكد من خلو الدم من أى أمراض، وبناء عليه، فإن تصدير الدماء من الناحية الإجرائية رسمى وقانونى.
أين تكمن المشكلة فى تصدير دم الكلاب؟
المشكلة ليست قانونية إلى الآن، بل أخلاقية، وتشكل نموذجا صارخا لازدواجية المعايير، فالقائمون على هذا النشاط هم نشطاء فى مجال حقوق الحيوان فى مصر، كيف يمكن المطالبة بالرحمة بالحيوان ومهاجمة كليات الطب البيطرى لاستخدامها الحيوانات فى التعليم، رغم أنه أمر طبيعى جدا ومتعارف عليه دوليا.
تم التشهير بالعديد من الأطباء البيطريين والمسؤولين أثناء قيامهم بأداء واجبهم تجاه الكلاب الشرسة، أو العقورة، بينما فى الوقت ذاته يتم استغلال الكلاب كمصدر للدماء، ليتم تصديرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقابل ملايين الدولارات.
ما يثير الشكوك حول الأمر، هو أن تصدير دم الكلاب ظل سرا ولم يكتشف إلا بالصدفة على لسان أحد مسؤولى الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وهنا لا بد من التساؤل:
إذا كانت وزارة التضامن هى التى منحت هذه الجمعيات ترخيص العمل فى مجال الرفق بالحيوان، فكيف تسمح الوزارة لجمعيات حقوق الحيوان بتصدير دماء كلاب الشوارع؟ وهل هذه الكلاب ملك لهم لتبيع دماءهم للخارج؟ أم أنهم ملكية عامة للدولة؟ وهل تم تسجيل هذه الأموال فى ميزانيات الجمعيات؟ وهل تم دخولها إلى مصر بشكل رسمى؟ وهل تم تحويل تلك الدولارات إلى جنيه مصرى بشكل رسمى؟ وهل وزارة التضامن الاجتماعى على علم بذلك؟ وما هى الاستفادة التى تعود على الدولة من هذا المشروع؟
إن هذه الجمعيات معفاة من الضرائب وتتلقى تبرعات من المصريين والعديد من الأجانب، التى من المفترض أنها لأغراض خيرية لمساعدتهم على إنقاذ حياة الكلاب ورعايتهم، لكن الموضوع تحول إلى مكاسب مادية ضخمة تقدر بأكثر من مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فقط من تصدير الدماء، فهل كان المتبرعون داخل مصر وخارجها على علم بهذا النشاط التجارى؟
وهل كانوا على علم بأن الكلاب الضالة التى يتبرعون لها هى نفسها ذات الكلاب التى تستغل لبيع دمائها للخارج مقابل ملايين الدولارات؟
بالطبع لا.. لأنهم أعلنوا بالفعل منذ أيام تصدير أكثر من 3000 كيس دم من الحجم الكبير خلال الثلاث سنوات الماضية فقط.
ما تعليقك على ادعاء بعض الجمعيات الحصول على المساعدات للصرف على رعاية الكلاب؟
هناك تساؤلات عدة، أين تذهب فلوس المتبرعين الأجانب والمصريين؟ وأين تذهب أموال الإنقاذ؟ وأين تذهب الأموال التى تحصل عليها جمعيات الرفق بالحيوان من المواطنين لمساعدتهم على التخلص من الكلاب الضالة فى التجمعات السكنية، التى تقدر بـ1000 إلى 2000 جنيه على الكلب الواحد حسب الاتفاق بينهم؟ وأين تذهب كل هذه الأموال؟ ذلك بخلاف مساعدات جمعيات الرفق بالحيوان الدولية لهم، أين تذهب هى الأخرى؟ وأين الرقابة من الدولة على هذه الأموال؟ وأين رقابة الدولة على مشروع تصدير الدماء؟
ما المنتجات التى تصنع من هذه الدماء؟
دماء الكلاب الضالة المصرية تعد منجما للأجسام المضادة، نظرا لتعرضها المستمر للأمراض فى الشوارع، مما يجعل جهازها المناعى قويا جدا، وتستخدم هذه الدماء فى تصنيع عدة منتجات بيطرية حيوية، أبرزها الأمصال العلاجية «سيرا»، حيث تفصل البلازما وتستخلص منها الأجسام المضادة لعلاج بعض الأمراض الفيروسية، فضلا عن استخدامات البلازما فى تصنيع بعض الأدوات التشخيصية لبعض الأمراض فى الكلاب، التى تستخدم بشكل شائع فى العيادات والمراكز البيطرية، بالإضافة إلى احتوائه على الأجسام المضادة المركزة، التى تدخل فى تطوير تقنيات علاجية وبيولوجية متخصصة داخل المختبرات العالمية، بالإضافة إلى استخدامه فى نقل البلازما المركزة، لعلاج بعض أمراض سيولة الدم الوراثية وغير الوراثية الناتجة عن بعض أنواع التسمم.
كل هذا مع مراعاة أن كيس الدم الكامل ليس صالحا للاستخدام للأبد، بل مدة صلاحيته تصل إلى 6 أسابيع فقط، فإذا لم يتم بيعه خلال هذه الفترة لاستخدامه فى عمليات نقل الدم المباشر، تقوم بنوك الدم فى الخارج بفصل البلازما واستخدامه فيما سبق ذكره، علما بأن كل هذه الاستخدامات مقصورة تماما على الاستخدامات البيطرية فقط، أى من الكلاب وإلى الكلاب، وليس لها أى علاقة بالصناعات الدوائية البشرية كما قد يتصور البعض.
من وجهة نظرك.. لماذا تتدخل بعض الجمعيات فى سياسات الدولة لمواجهة أزمة كلاب الشوارع التى تفاقمت خلال السنوات الأخيرة نتيجة هذه التدخلات؟
من وجهة نظرى الشخصية، مصدر دم الحيوانات للخارج هو المستفيد الأول والوحيد من استمرار وبقاء الأزمة، فالسر يكمن فى البحث عن كلاب ذات فصيلة الدم النادرة ‹اليونيفرسال دونر»، لأنهم يحتاجون إلى زيادة عدد القطيع واستبدال الكلاب وتغييرهم كل من 3 إلى 4 سنوات، وللعلم، هذه الكلاب نادرة، وبالتالى هم المستفيدون من زيادة تكاثر الكلاب فى مصر، ولقد اتضح للجميع أن تصدير دماء الكلاب بيزنس ضخم جدا يدر ملايين الدولارات.
الأمر الآخر والأخطر، هو أن هذه الكلاب المختارة لها عمر إنتاجى محدد، فبعد مرور عدة سنوات من السحب المستمر، تقترب هذه الكلاب من الموت أو العجز، وهنا تبرز الحاجة الملحة لبدائل جديدة، ولأن هذه الجهات ملتزمة بتعاقدات توريد دولية مع بنوك دم عالمية، فما أظنه أنهم فى حالة بحث دائم ومستمر عن أعداد جديدة من الكلاب الضالة، لفحصها واستبدال الهالك من قطيعها، وهذا يفسر سر استماتة تلك الجمعيات فى بقاء أزمة الكلاب الضالة وتزايد أعدادها فى الشوارع، لأن استمرار «البيزنس» الخاص بهم مرتبط بوجود مخزون هائل من الكلاب متاح للفحص والاستبدال.
ما الحل من وجهة نظرك؟
الحل يكمن فى الفصل بين النشاط التجارى والعمل الحقوقى، هذه تجارة مشروعة وتنقذ حيوانات أخرى خارج مصر، لكن من غير الأخلاقى أن تدافع عن حقوق الحيوان وفى نفس الوقت تسىء استغلاله بشكل قاس لا علاقة له بالرفق بالحيوان للتربح الشخصى، خاصة أنها تتلقى تبرعات ورسوم إنقاذ من الكمبوندات.
لا بد من الاختيار، فإما أن تكون جهة تجارية، وإما أن تكون جمعية حقوق حيوان، لكن الجمع بينهما يطرح إشكالية أخلاقية كبيرة، خاصة مع التأثير المباشر والتدخل فى سياسات الدولة واستراتيجيتها لمعالجة مشكلة الكلاب الضالة والضغط على المسؤولين بكل الطرق.
كيف يكون من يستفيد من المشكلة هو من يضع الحلول والاستراتيجيات مع مسؤولين الدولة لحل المشكلة؟ نحن أمام ازدواجية صارخة بالمعايير واستخفاف بالمسؤولين والشعب وعقول العلماء، وهذا نداء منى للدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، لاتخاذ اللازم ومراجعة جميع الاستراتيجيات، التى تم وضعها لمواجهة الأزمة بمشاركة هذه الجمعيات، حتى لا تدخل الدولة فى دائرة مفرغة لن تؤدى إلا إلى تزايد وتفاقم هذه الأزمة.
